القذافي الفاخري يقف على عتبات الجمر

طرابلس ـ من محمود النطاح
هيمنة الأحمر الناري على الألوان

تحت عنوان "عتبات الجمر" جاء معرض الفنان التشكيلي القذافي الفاخري المقام حاليا بدار الفنون بمدينة طرابلس الليبية، ليسلط الضوء من جديد على التجربة الإبداعية لهذا الفنان المقل والجاد والمعروف بنزعته المتوقدة نحو التجديد والمغامرة الفنية من خلال بحثه المستمر عن التميز والتفرد في مجاله.
وهو ما أعطى له حضوره الخاص في المشهد الفني والثقافي الليبي والذي عززه من جانب آخر تصميمه للسينوغرافيا وكتابته للصحافة والمسرح ومشاركاته في أغلب المعارض التي تقام داخل ليبيا وخارجها.
في لوحاته الـ 23 التجريدية الطابع التي ضمها معرضه الفني والذي يتواصل حتى الرابع عشر من الشهر الحالي، يطالعنا الفنان المتفرغ للرسم في مرسمه بمدينة طرابلس القديمة بعيدا عن قيود الوظيفة الرسمية وملفات الحضور والانصراف، بتجربة جديدة أو مغامرة فنية تعتمد اللون كلغة ووسيلة وحيدة للبوح والتعبير.
ويتميز معرضه بهيمنة اللون الأحمر الناري والمتوهج على كل ماعداه من الألوان المتداخلة عبر فضاءات اللوحة.
في لوحات معرضه التي كانت محل نقاشات وجدالات بين الفنانين الذين حضروا افتتاح المعرض تغيب بصورة شبه كلية المشهدية والسردية الحكائية التي اعترف الفنان ذات مرة بأنه يستلهمها ويستوحيها من قراءاته الأدبية الشعرية والروائية.
كما تتلاشى تيمة الجسد الأنثوي، الموضوع المفضل للفاخري، على مدار السنوات الماضية ليحضر بديلا عنها اللون المجرد بكل إشراقاته المضيئة ومباهجه ودلالاته الإيحائية كقيمة جمالية مكتفية بذاتها بعيدا عن كل الأشكال والتكوينات الحاضرة بقوة في أعمال الفنانين الآخرين.
عن الفنان ومعرضه يقول الناقد حسن الفيتوري "يطرح القذافي الفاخري نصوصا ليست للتزيين والزخرفة، وهو لا يقدمها كأفكار ومفاهيم مجردة، وإنما يصوغها من حقول الذات المشبعة بخبراتها والساعية إلى خلخلة المعنى."
ويضيف الفيتوري "لا تأتي اللوحة عنده من ذاكرة مستعارة, ولا تلتفت إلى ركامات الجاهز بقدر ما تسعى جاهدة إلى تحرير (بصمتها) والاهتمام أكثر بسؤال التشكيل, والبحث عن نص صادح تحتاج في مواجهته إلى كثير من المعرفة, وكثير من الحياد."
ويقول "'عتبات الجمر' هو العنوان الذي اختاره الفاخري لمعرضه ربما لكي يضعنا استعاريا في منطقة ألوان النار التي يصدح داخلها الأحمر متطاوسا, وكأنه بذلك يهيئ، له كلون صادم، فرصة الغلو فيما تحاوره الأصباغ الأخرى أو تتشابك معه عبر تمظهرات احتفالية شاعرية."
يتابع الفيتوري باعتباره أحد الكتاب القلائل المهتمين بمتابعة ونقد حركة الفن التشكيلي في ليبيا "في 'عتبات الجمر'، أو عتبات النار كتقريب صحفي بين العنوان والمتن، ثمة تعويل على ما يمكن أن يطلق عليه "دراما اللوحة", فاللوحة عند هذا التجريدي هي حالة صراع بين أشيائها وتلاوينها، وأحداث قد يستجمع المتبصر ما تبقى من تفاصيلها وعوالمها.
وهو في رحلة البحث عن المعنى والدلالة, وهو يبدو مبتعدا عن الغنائية اللونية حين يكثف لونا أو لونين في مجابهة عمل هو بالضرورة مطالب بالإفصاح عن الكثير والإضمار عن الكثير."
يختتم الفيتوري قراءته لأعمال الفاخري بطرح سؤال حول نوازع مفردتي البحث والمغامرة في الأعمال المعروضة، مستطردا "أعتقد أن الإجابة محررة في نصوص الفنان الفاخري الذي هو مغامر بدرجة امتياز وباحث قارئ يسعى دوما إلى الجديد في الإبصار التشكيلي، مفكرا بصمت في المواد المستعملة, وطرق الاشتغال, وحتى طريقة العرض.
كما يسعى بوعي إلى أن يكون فنانا مختلفا, وهذه ميزة لا تتوفر إلا عند الفنان الحقيقي." محمود النطاح ـ طرابلس