'الكبت' يفاقم العنف الجنسي ضد الأطفال في سوريا

دمشق
نتائج كارثية

بات موضوع العنف الجنسي ضد الأطفال يشغل الشارع السوري بعد تكرار حوادث التحرش والاعتداء التي يتعرض الأطفال خلال السنوات القليلة الماضية.

وتنشر وسائل الإعلام السورية بين الحين والآخر قصصا لضحايا لا تتجاوز أعمارهم سنوات عدة يتعرضون لاعتداءات "وحشية" تكشف عن الكبت الذي يعانيه المجتمع السوري خصوصا والعربي بشكل عام.

وكانت قصة الطفلة خولة (4 سنوات) التي تعرضت للاغتصاب من قبل 4 "شباب" في مدينة حلب العام الماضي أثارت جدلا كبيرا في الشارع السوري، ولقي الموضوع اهتماما مباشرا من قبل الرئيس السوري بشار الأسد الذي زار عائلة خولة وتكفل بموضوع علاجها ومعاقبة الفاعلين.

ورغم تنامي هذه الظاهرة الاجتماعية الخطيرة يؤكد الباحثون غياب إحصاءات رسمية حول عدد حالات العنف الجنسي ضد الأطفال في سوريا.

وتشير بعض الصحف أن مدينة حلب وحدها سجلت في العام الماضي خلال شهر واحد أكثر من 6 حالات اعتداء جنسي ضد أطفال تقل أعمارهم عن 8 سنوات، وهو أمر يصفه البعض بـ"الكارثة"، مناشدين الحكومة السورية بالإسراع في وضع قوانين تشدد العقوبة على مرتكبي العنف ضد الأطفال.

ويعرّف الدكتور أحمد جمال أبو العزائم رئيس الاتحاد العالمي للصحة النفسية الاغتصاب الجنسي بأنه "إجبار الطفل أو إغراءه أو ممارسة جنس معه تحت ضغط أو الضغط على الطفل للتعرف على الجنس وهذا الاعتداء يبدأ تدريجيا ويتزايد معدله مع الوقت".

ويؤكد أن ممارسة الجنس مع الطفل هو ممارسة سلطة على طفل وانتهاك حقه في حياة طبيعية صحيحة يشوبها الثقة في علاقة الطفل مع الآخرين.

ويضيف "يجب أن نعلم أن الأطفال هم عرضة دائما للعنف الجنسي سواء كانوا بنين أو بنات ويجب على الأسرة ان تكون في حذر من أن يضار أحد أبنائهم أو أن يعتدي عليه جنسيا".

وأظهرت الأبحاث في بعض دول العالم أن واحدا من كل أربعة أطفال قد يتعرض للاعتداء الجنسي وخاصة الأطفال الصغار دون سن العاشرة.

ويقول الدكتور محمد دندن الأخصائي في الطب النفسي لموقع "عكس السير": "ترتبط معظم حالات العنف الجنسي بحالات التفكك الأسري وغياب رقابة الأهل والدليل على ذلك أن معظم حالات العنف الجنسي تقع في المجتمعات الفقيرة نوعاً ما، وعادة يكون سلوك الشخص المعتدي على الأطفال مرتبطا بأخلاق وتصرفات سيئة، منها الإدمان على المخدرات، كما تكون شخصية المعتدي على الأطفال شخصية مرضية ومعظم المعتدين على الأطفال مصابين باضطراب شخصية معادية للمجتمع".

ونشرت صحيفة محلية تحقيقاً حول الاستغلال الجنسي للأطفال عام 2007 أكدت من خلاله أن الاستغلال الجنسي ضد الأطفال في سوريا تضاعف ثلاث مرات.

وأوردت الصحيفة إحصاءات دائرة الطبابة الشرعية في دمشق التي تؤكد أن نسبة الأطفال الذين تعرضوا للاستغلال الجنسي عام 2004 بلغ 65 حالة ارتفعت عام 2006 إلى 189 حالة.

وعادت ما يترك الاعتداء على الطفل آثارا نفسية كبيرة قد تلازمه مدى الحياة، وربما تنعكس سلبا على علاقته مع المجتمع.

وتتحدث منار (25 عاما) لموقع "سيريا نيوز" عن التجربة المريرة التي مرت بها منذ حوالي عقدين إثر محاولة إحدى الباعة التحرش بها.

تقول منار "كان مساءً صيفياً طلبت أمي أن أنزل إلى الكشك تحت منزلنا لأحضر القليل من الموالح (....) مددت يدي لأناول البائع النقود فأمسك معصمي وشدني إليه مجلساً إياي على حضنه صرخت بأعلى صوتي فقد كان منظره مرعباً واستجاب لصراخي الأشخاص الذين يتمشون في الطريق".

وتضيف "يومها لم أدرك سوى الرعب والخوف الذي انتابني لكن بعد عدة سنوات أدركت ما كان على وشك الحدوث (...) أشعر بعدم الثقة تجاه أي مكان مغلق أو معتم، أعتب على أمي، ربما لا ذنب لها لكني أشعر بالعتب عليها وفقط".

وفي عام 2002 قام الأخصائي في الصحة النفسية الدكتور مطاع بركات بإجراء دراسة تضمنت توزيع استمارات على 400 طالب وطالبة من جامعة دمشق حول تعرضهم لـ"تجربة جنسية في فترة الطفولة".

وتقول الدراسة التي نشرتها صحيفة "الثورة" السورية أن 100 فقط من المبحوثين أجابوا على الأسئلة المطروحة، وتؤكد ان 40 بالمئة منهم تعرضوا للتحرش الجنسي في الطفولة ولكنهم لم يخبروا أحداً، مشيرة إلى أن نسبة الأطفال الذين قاموا بفعل جنسي لمن هم أصغر منهم سناً وهم بعمر لا يتجاوز 12عاما بلغت 16 بالمئة.

ويقول الباحث الاجتماعي الدكتور عبد الحميد سويس لموقع "عكس السير"إن الاعتداء الجنسي على الأطفال يعد من أشد أنواع العنف الممارس عليهم شأنه شأن كل سلوك منحرف وغير سوي له طابع تصاعدي مطرد".

ويشير إلى وجود عوامل عدة لهذه الظاهرة منها عوامل فيزيولوجية (غريزة -جنسية -شاذة) وعوامل أسرية واجتماعية وعوامل بيئية وعوامل اقتصادية (تفكك أسري، علاقات أسرية مضطربة، فقر، بطالة، رفاق سوء، مستوى تعليمي متدني، توفر المعلومات الجنسية بشكلها الخاطئ عن طريق القنوات والمواقع الإباحية) وغيرها.

ويؤكد وجود بعض الأحداث الضاغطة النفسية والاجتماعية المرتبطة بالشخص المعتدي منها الكبت الجنسي أو الاعتداء الجسدي أو الجنسي في الطفولة وغيرها.

ويضيف "بالإضافة إلى الجانب المتعلق بأهل الضحية من حيث ضعف الرقابة الأسرية وغياب الوعي والنصح والتوجيه والإرشاد الإيجابي من قبل الأهل لأطفالهم".

ويدعو إلى البحث في أسباب هذه الظاهرة ودراستها وإيجاد الحلول لها بشكل يتناسب مع مجتمعنا و"إلا ستكون العواقب كارثية".

ويضع قانون العقوبات السوري حالات الاعتداء الجنسي على الأطفال ضمن باب الجرائم المخلّة بالآداب العامة، حيث فيفرض عقوبة الأشغال الشاقة المؤقتة على كل من جامع قاصراً دون سن الخامسة عشرة، وتشدد العقوبة إذا كان الفاعل أحد الأقارب من الأصول أو أحد أولئك الذين لهم له سلطة شرعية أو فعلية على القاصر.

ولكن بعض الوسائل الإعلام تشير إلى أن الأهل عادة لا يبلغون عن حالات الاعتداء الجنسي على أطفالهم خوفا من "الفضيحة" والمفاهيم الاجتماعية الخاطئة المرتبطة بحدث التحرش أو الاغتصاب.

وفي عام 2008 أعدت الهيئة السورية لشؤون الأسرة "التقرير الوطني حول سوء معاملة الأطفال في سورية"، وبينت من خلاله أن "19.4 بالمئة من الأطفال يتعرضون إلى عنف جنسي يبدأ بالإساءة اللفظية وينتهي بسلوك جنسي صريح مع الطفل".

وقال التقرير إن دراسة العنف الجنسي عند الأطفال "تشكل إشكالية كبيرة بسبب العادات الاجتماعية وصعوبة الحصول على المعلومات من الأطفال وغيرها"، داعيا إلى "تأسيس مراكز بحثية متخصصة بظاهرة العنف ضد الأطفال في سوريا".

وتقول الناشطة الاجتماعية شاهيناز عبد الغفور "إن مجتمعنا يعاني منذ زمن بعيد من هذه الظاهرة وهي متنامية ولكننا لم نكن نسمع بها الأمر الذي كان يزيد من تعقيدها دون أن ندري"، مشيرة إلى أن الاهتمام الشخصي من قبل الرئيس السوري بالظاهرة مؤخرا (من خلال زيارة الطفلة خولة) يُعتبر الخطوة الأولى في اتجاه وضع حل لها.

وتشير إلى الدور الهام الذي يؤديه الإعلام في نشر التوعية بين الأهل "الذين يتوجب عليهم العناية بالأطفال والإبلاغ عن أية حالة عنف جنسي تمارس ضدهم، إضافة إلى التشهير وفضح الأشخاص الذين يمارسون العنف الجنسي على الأطفال، الأمر الذي يشكل رادعا حقيقاً يساعد في وقاية المجتمع من وقوع مثل هذه الحوادث".

وتضيف "ولكن الإعلام السوري للأسف أساء في طريقة طرحه لمثل هذه القضايا، فقد عمدت معظم وسائل الإعلام إلى الحصول على السبق الصحفي في نشر تفاصيل هذه الحوادث دون دراسة لطريقة عرض المعلومات، الأمر الذي حقق اثر عكسي، كما أن معظم المحطات التلفزيونية والأعمال الدرامية التي تناولت العنف عرضت الموضوع بقالب من التشويق بعيداً عن دراسة الأثر الذي تتركه هذه المشاهد في نفسية المتلقي، فما الفائدة من عمل تلفزيوني يصور العنف في جميع حلقاته بقالب مشوق دون أن يبين أنه أمر سيء إلا في الحلقة الأخيرة".