الكتابة الإبداعية وتأثيرها في الحب والعلاقات الإنسانية

الكلمة تداوي جرحًا لا يُرى، وتفتح نوافذ للمصالحة، وتُعيد تشكيل العلاقة على أرضية من الصدق والبوح. إنها الذاكرة التي لا تنطفئ، والصوت الذي يبقى حاضرًا حتى بعد غياب صاحبه.
أحمد السماري
الرياض

الكتابة الإبداعية هي شريان الوعي ومختبر الروح. في البدء نحن نصقلها من أجل البيان، ثم تغدو نورا يضيء العتمة في أعماق الإنسان، وتفتح في الصدور منافذ للتنفس، وتعلّمنا كيف نكون أكثر إنسانية، وأكثر قربًا من بعضنا البعض.

الكتابة الإبداعية حين تبلغ جوهرها، ليست إلا شكلاً من أشكال الحب، فكل جملة صادقة تحمل دفئًا يلامس الآخر، وكل استعارة موفقة تُزهر في قلب قارئ بعيد كما لو أنها كتبت له وحده. إننا نكتب لنقول لمن نحب: أنا معك، حتى لو فرّقتنا المسافات. ونكتب لنُسكن الحنين في جملة، والعتب في قصيدة، والاشتياق في نص قصير يكفي لأن يوقظ ذاكرة مشتركة. هكذا تصبح الكتابة جسرًا يصل بين الأرواح، ويعيد ترتيب المسافات، فتقترب القلوب مهما ابتعدت الأجساد.

"أكتب لأني أحبك، وأحبك لأني أكتب" — محمود درويش

إن الحروف والكلمات الرائعة لا تموت في حدود الصفحة. هي تفيض إلى طاقة تسري في القارئ. ربما تغيّر حياته، أو تشحذ فكره، أو تفتح أمامه أفقًا لم يكن يراه. الكتابة الإبداعية تترك أثرًا يشبه الأثر الذي تتركه لمسة يد حانية على كتف متعب، أو ابتسامة متفائلة في وجه إنسان حائر. لأنها تُلهمه، وتوقظ فيه القدرة على إعادة النظر في ذواتهم وعلاقاتهم بالعالم.

في العلاقات الإنسانية، تمنحنا الكتابة وسيلة للتعبير عن المشاعر التي تعجز الشفاه عن قولها. قد يكتب العاشق رسالة تسبق صوته وتعبُر خجله، أو يخطّ صديق نصًا يعيد وصل ما انقطع. الكلمة تداوي جرحًا لا يُرى، وتفتح نوافذ للمصالحة، وتُعيد تشكيل العلاقة على أرضية من الصدق والبوح. إنها الذاكرة التي لا تنطفئ، والصوت الذي يبقى حاضرًا حتى بعد غياب صاحبه.

الكتابة الإبداعية فن.. وممارسة وجودية تضع الإنسان في مواجهة نفسه والآخرين، وتعلّمه أن الحب عليه أن يُكتب ويُترجم في نصوص تبقى شاهدة على نبض القلب ورهافة الروح، وكأنه عزف صامت يُسمع في أعماق الآخرين، وماء رقراق يروي عطش المتعطشين، "الكتابة نوع من السحر يحررنا من ثقل الحياة" — بودلير.