الكنبة.. أقوى حزب لا يتحدث احد بلسانه!

الكنبة في مصر هي المجلس في السعودية والديوانية في الخليج وصحن الدار في سوريا. بإختصار أنها مكان تجمع العائلة والأصدقاء حيث المسامرات والمناقشات.

زمان قبل إختراع التليفزيون أرتبطت الكنبة بالثرثرة النسائية. واحيانا ما كانت دردشة الستات تتم عبر النوافذ والمشربيات حيث يستقر تحت كل شباك كنبة. كثيرا ما تندرنا على لغو السيدات وقلنا انه "كلام شلت" أو "طق حنك" كما يقول أهلنا في لبنان.

لكن مؤخرا وخصوصا بعد ما تم إستيلاد ما يسمى بالربيع العربي، أصبحت الكنبة أهم حزب سياسي في الوطن العربي. نحن لم نعرف أحزابا بالمعني الحقيقي في مصر، ربما في لبنان ارتبطت الأحزاب بالطوائف وأكتسبت قوتها من التوازن الفسيفسائي للنسيج اللبناني. لكن مصر شيء اخر. بعد 2011 صارت الكنبة اشبه بمنصة الحكم. الجالسون إليها أو عليها يراقبون شاشات التليفزيون يوميا ويتابعون ما تبثه من شجار سياسي وتوك شو إنفعالي وبرامج إخبارية وتحليلات عشوائية.

من ثم أرتفع وعي المواطن وصار له رؤية نقدية لواقع الحال. ورغم أن كثيرين ممن يسمون أنفسهم نشطاء أو ثوار سياسيين يسخرون من حزب الكنبة باعتباره حزبا سلبيا. لكن الحقيقة أنه أقوى حزب في الوطن العربي.

عدسات المحطات الفضائية في مصر تقدم لك الوطن برؤيتها هي وتسوق لك المبررات بأن هذا هو الصحيح. كل محطة لها وجهة نظر. وكل ضيف يتلو عليك كل ليلة بيان حالة، لكنك في كل الأحوال لا ترى نفسك في أي من المتحدثين ولا تشعر في احيان كثيرة انك تشبه الذين يتحدثون عنهم. فانت تحتاج الخبز والوظيفة والحياة البسيطة وهم يحدثونك عن دولة مدنية أم دينية.. عسكر أم ثوار.. تعددية تنافسية أو شمولية. والمصيبة أنهم لا يشركونك في الحوار رغم أنك من تقرر أو تحكم على ما تريده وليس على ما يريدون هم!

انت جزء من بلدك، لكنك لست بالضرورة جزءا من المشهد الإعلامي الذي تراه أمامك كل مساء، فهو مشغول عنك بعالم خاص يريد تسليط الأضواء عليه لتبدو الحياة ضيقة، على مقاس أشخاص، أو شوارع وفرقاء. التليفزيون مشغول بالـ "توك شو"، الذي جاء خصيصا ليحكي ساعات عن مشكلات وهموم وأحداث، كلها يجعلها كبيرة أيا كان مقاسها وحجمها. بعض المذيعين يمسك الميكروفون ولا يتركه إلا رغما عنه، يعشق "المونولوج" والتحاور مع نفسه وتحليل الأحداث وفق رؤيته ومن منظوره، أو بأبعد الحدود يتناقش مع زميله في الأستديو، وهما يقدمان البرنامج معا، ويسألان ويجيبان ويحسمان ويؤكدان.. كأن كل الخيوط في أيديهما. البعض الاخر يستضيف من يدعمه في توجهاته السياسية فيتحول البرنامج إلى وسيلة ترويجية لخدمة جهة دون الأخرى، ولتلميع صور أشخاص وتشويه اخرين. وهنا لن نتحدث عن القنوات المأجورة للخارج، التي تشعل النيران بين الدول والشعوب وهي معروفة جدا، حتى الفلاح البسيط في أبعد قرية مصرية يعرفها ويرجم فريقها بالحجارة.

أية صورة تقدمها القنوات المصرية عن مصر؟ وأي صورة تصدرها القنوات اللبنانية عن لبنان؟ إذا جلست على "الكنبة" وشاهدت الأولى، تحس بالخوف يتسلل إليك، وبأن مصر أصبحت من القاهرة إلى سيناء كتلة مفخخة ورهن التفجير في أية لحظة وأي مكان. لا أمن ولا أمان، ولا حياة في الشوارع. رعب متواصل وإرهاب متنقل، ومستقبل مظلم. اما إذا نزلت الشارع وجعلت من نفسك وسيلة للإستعلام عن حال البلد، تكتشف أن الكاميرا بارعة في تكبير الصورة إلى حد التضخيم، وأن الشاشة قدمت حقيقة وغابت عنها حقائق كثيرة.

لا ترى الكاميرا مثلا الشوارع المزدحمة بالسيارات والبشر، ولا الأسواق والشركات. لا ترى الحركة الفنية والانشطة الإجتماعية والندوات والمعارض والمهرجانات، وهي لم تغب يوما ولم تتوقف الأنشطة فيها. تتأثر في الأحداث طبعا، لكنها تتأثر أكثر في الترويج السيئ لفكرة الخوف والرعب التي تتصدر الفضائيات.

ضروري أن تواكب القنوات كل الأحداث ولا تخفي عنك أي شيء، لكن هذا الـ"أي شيء" يشمل أيضا الجوانب العملية والعلمية والإجتماعية. هناك مشكلات كثيرة يعانيها المصريون منذ أكثر من ثلاثين سنة، والطبيعي أن تستمر إلى أن تتغير الأحوال ويبدأ الإستقرار. ونعلم أيضا أن "الحياة لونها مش بمبي"، لكنها في المقابل ليست سوداء ولا رمادية طوال الوقت.

أية صورة يقدم الإعلام المصري عن بلده للخارج؟ صورة تشبه جزءا من الواقع وليس كله، وكأن الكاميرا عوراء تمشي بعين واحدة.

الإعلام اللبناني ينشغل طويلا بمعاركه السياسية، فينحاز إلى الوطن المجزأ ويساهم في تقطيعه إلى مصغرات يراها "حزب الكنبة" بوضوح، لا سيما إذا كان بعيدا عن الشارع اللبناني. أما إذا نزل أي عضو من هذا الحزب ليتجول بين المدن والبيوت، فيكتشف أن اللبناني يعيش حياته ويسهر ويسافر، وكثير منهم لم يعد يشغل باله بالسياسة ولا بأسماء السياسيين، لأن لبنانه ببساطة أجمل وأكبر من تلك التفاصيل الضيقة واللعبة التي لا يريدون لها أن تنتهي على أرض لبنان. هناك تمزق، وهناك إرهاب يتنقل ليقتل الجمال والحياة، لكن هناك حياة أقوى وإرادة أشد صلابة تعيش وتستمر وتزهر أملا وبهجة.

مبادرة جديدة أطلقتها قناة "لبنانية"، تعد فيها المشاهدين بنشرات أخبار تضع المواطن اللبناني في مقدمة أولوياتها، ليتقدم الحدث الإجتماعي والشأن الحياتي على الشأن السياسي. لا مواقف سياسية في مقدمة النشرة، ولا تحيز أو تحريض مع فلان ضد علان. شاشة تنحاز للناس العاديين ولشؤونهم الضرورية والمعيشية. وعود جميلة وخطوة جريئة ونقلة مهمة نتمنى أن تصدق فيها القناة وأن يتم تعميمها، كي نرى صورة لبنان الحقيقية، وكي يرى المشاهد نفسه على الشاشة التي من المفترض أنها تمثله وهو عمادها الأساسي وهدفها الأول.. ويا حبذا لو رأينا هذا في مصر.

لم يعرف الإعلام في تلك الدول التي تعاني أوضاعا متوترة مثل لبنان ومصر، حتى الان كيف يستغلون الأسلحة التي يمتلكونها ليقدموا صورا حقيقية ومهمة عن دولهم، بل ساهموا عن عمد أو "جهل" في تشويه الصورة وتخويف المتفرجين من المجيء إلى دولهم، ووضعوا العصي في عجلات السياحة فأعاقوها كثيرا. أخافونا نحن العرب، فما بالكم بالأجنبي والصورة التي يكونها عن هذا العالم الذي يجهله بسبب وسائل الإعلام تلك؟