'اللسانيات في دوحة العربية': تصور للإفادة من اللسانيّات في دراسة اللغة العربية

موقف علميّ

تونس ـ أثريت المكتبة اللسانية العربية بإصدار جديد عنوانه 'اللسانيّات في دوحة العربية' للدكتور توفيق قريرة أستاذ اللسانيّات في الجامعة التونسية.

وقال قريرة إن الهدف من هذا الكتاب هو إثبات أنّ اللسانيّات بمختلف نظريّاتها وبالمفاهيم المنبثقة عنها وبالمناهج التي اعتمدتها في استقراء الظاهرة اللغويّة في جميع مستوياتها يمكن أن توفّر سندا معرفيّا ومنهجيّا في بناء قراءة جديدة للتراث النحوي ولكثير من قضايا اللغة وتدريس اللغة باعتبارها لغة ثانية.

يضمّ الكتاب الذي يمتدّ على 470 صفحة أربعة أبواب كلّ باب منها يتفرّع إلى فصول. في الباب الأوّل وعنوانه ممهّدات عرض المؤلّف بعض المفاهيم الأساسيّة اللسانيّة والنحويّة مثل الإعراب الذي توسم به العربيّة ولأجله تصنّف عالميّا ضمن اللغات الإعرابية؛ ولقد ساق المؤلّف بعض الأطاريح التي اعتبرها مضلّلة في دراسة الإعراب من بينها أنّه شيء طارئ على اللغة وأنّه من الممكن التخلّص منه تيسيرا للعربيّة وتخفيفا على متعلّمها.

ومّا يضلّل من الأفكار أيضا الجهل بأنّ الإعراب مستويان، أصغر يمكن أن يُلحظ على سطح الكلم المعربة، وآخر أكبر يتحكم في هندسة الجملة العربية.

غير أنّ ما يشدّ الانتباه في هذا الفصل التمهيدي حديث المؤلّف عن 'البراديغمات الكبرى في تاريخ التفكير اللساني الحديث والمعاصر' ففي هذا الفصل استعادة لفكرة لا يعرفها جمهور الدارسين العرب كثيرا هي فكرة 'البراديغمات' التي حلّل بها توماس كوهن مؤرّخ العلوم تطوّر الحركة العلميّة ونفى أن تكون العلوم تراكمية كما يُعتقد بل رأى أنّ الثورات تسيّرها والبراديغمات تحكمها.

ويعتبر د. قريرة أنّ تطوّر اللسانيّات حكمه الانتقال من براديغم إلى آخر إلى أن شهدت نوعا من الثورة الفعلية مع نشأة اللسانيّات الحديثة على يد فردينان دي سوسير الذي استطاع أن ينقل الدراسة اللسانية من منهج يقوم على التقعيد والمعيارية إلى منهج وصفي لا معياريّة فيه غالبا.

وفي الباب الثاني الذي عنوانه "مرفولوجيّات عربيّة" اهتمّ المؤلّف ببنية الكلمة بما أنّ مصطلح مرفولوجيا يعني الفنّ الذي يدرس هذا المستوى بالتركيز على تحوّلاتها الصيغية والشكلية، وهو عادة ما يطرق في النحو القديم تحت باب الاشتقاق والتصريف.

ولقد نظر قريرة إلى بنية الكلمة العربية بالاعتماد على بعض المفاهيم اللسانية غير الرائجة في المباحث العربية التقليدية من نوع الأسمنة، ويعني بها اشتقاق الأسماء من الأفعال في دائرة ما كان يسمّى بالأسماء المتصلة بالأفعال. واستعان الدّارس لبيان هذا المفهوم بمنوال النحو العرفاني المعاصر معتمدا منهج اللساني الأميركي 'لنغاكر' في دراسة التعامل بين الأبنية الاسمية والفعلية في هذا المضمار.

ولم ينس الباحث وهو يدرس بنية الكلمة الرجوع إلى نصّ مؤسّس لسيبويه بيّن فيه، وهو يعرّف الفعل، كيف يحدث معنى الزمان في صيغة الأفعال.

وفي الباب الثالث وعنوانه اللسانيّات والإعراب تطرّق الباحث لنظرية الإعراب العربية من جهات مختلفة هي علاقتها بالمجاور الثقافي الذي ترعرعت فيه ويعرض ركنا عدّه مهمّا في تفسير النظريّة سماه 'جهة الإعراب'. وبيّن في قسم ثالث أنّ الإعراب والدلالة مترابطان في تفكير النحاة ومثّل لذلك بمفهوم نحويّ كوفيّ منْسيّ هو 'التقريب' ذكره الفرّاء في معاني القرآن، وثعلب في مجالسه، وفيه اتّهم سيبويه أنّه لا يعرف التقريب.

وختم الفصل باعتماد نظريّة في اللسانيّات النفسيّة تعرف بنظريّة 'المدخل المعجميّ إلى إنتاج الكلام' فسّر بها ظاهرة اللحن والخطأ اللغويّين، وعاد إلى خطأ تاريخيّ يعتبره بعض المؤرّخين سببا قريبا في نشأة النحو هو خطأ بنت أبي الأسود الدؤلي حين خلطت بين التعجب والاستفهام في قولها (ما أشدّ الحرّ) وبيّن المؤلّف بشيء من الضبط كيف أنّ هذا الخطأ الذي يساق على أنّه عفويّ حمّال إشكالات لفنّ النّحو بأكمله وللغة بأسرها هي العربية فلا يُعرف هل كانت تتكلّم بالسليقة (ولا خطأ في لغة تتكلم بالسليقة) أم بالتعلّم والدربة (الخطأ فيها ممكن).

وفي الباب الرابع وعنوانه "آفاق لسانيّة في تجويد الدراسات العربيّة" تناول الدارس بعض المفاهيم اللسانية وطبقهما في مجالين مختلفين هما دراسة الخطاب القرآني وتعليمية العربية. لدراسة الخطاب القرآني اعتمد الباحث مفهوم الذاكرة المعتمد في اللسانيات النفسيّة والعرفانية فالذاكرة هي على ما جاء في الكتاب 'قدرة بشرية أو آليّة على ترميز المعلومات وتخزينها في الذهن، وهي تستعمل في التجارب الإدراكية كالتجربة التلفّظية' والذاكرة هي في علم النفس العرفاني 'حالات ذهنية تجلب المعلومة'.

واعتمد البحث في الخطاب القرآني استحضار المقاطع التي فيها حديث عن الذاكرة والهاجس ليس استقراء السياقات التي وردت فيها العبارة بل 'البحث عن دور اللغة في زرع الذاكرة في القرآن'، وهذا يعني أنّ الخطاب لا يعتمد فقط على الدور الاسترجاعي التقليدي بأن يبني الذهن معطيات ذكرت سابقا بل إنّه يؤسّس عبر القصص القرآنية لضرب من الذاكرة التي يكون منطلقها النصّ ثمّ تصبح ذاكرة أوسع من النصّ لأنّها تصبح من المألوف والمعهود وهذا ما نجد النصّ القرآني يؤسّسه لا عبر قصص القرآن بل واعتمادا كذلك على أشكال أخرى غير قصصيّة.

في النصّ القرآني مقاطع فيها أمر بالتذكّر تعضد بتفسير أو عرض لما ينبغي أن يذكره المتذكّر ومثاله هذا المقطع من سورة المائدة {إذ قال عيسى بن مريم اذكر نعمتي عليك وعلى والدتك إذ أيّدتك بروح القدس تكلّم من كان في المهد وكهلا} إلخ الآية.

ففي هذا الآية أمر بتذكر ثمّ سرد لموضوع التذكّر حتى يكون ما يتذكّر لا قصرا على نبيّ الله عيسى بل أيضا أمرا مشاعا ثمّ من خلال التذكّر والتذكير تبنى عبر النصّ عادة قصصيّة معيّنة هي التي تربط بين معرفتنا بالشخص (النبيّ عيسى ههنا) وبعض المعلومات التي تخصّه (نعمة الله عليه).

وبالإضافة إلى مفهوم الذاكرة اللساني الذي استعمل في تحليل بعض المقاطع الخطابيّة في النصّ القرآني استعمل المؤلّف بعض المفاهيم اللسانية العرفانية في وضع جملة من الموجّهات نحو تدريس العربية لغة ثانية لدى الناطقين بغيرها. توجّه الباحث مبنيّ ههنا على مسلّمة تتمثّل في اعتبار اللسانيّات النظرية مجالا مفيدا في إثراء مشغل من مشاغل اللسانيّات التطبيقية هو تعليمية اللغة.

ومن المفاهيم الأساسيّة التي اعتمدها الباحث هو مفهوم المسترسل العرفانيّ الذي يأتي لتعويض فكرة العلاقات الثنائية التقليدية بين الأشياء تلك التي تبنى على تقابل الأضداد وترى أنّ الليل والنّهار مثلا كيانان منفصلان متقابلان؛ لكن فكرة المسترسل في اللسانيّات ترى أنّ بين مستويات اللغة ما بين طيف الألوان من الاسترسال فلا يوجد نحو مستقل عن المعجم ولا اشتقاق مستقل عن التصريف بل كلها في مسترسل.

فكرة المسترسل يمكن تطبيقها في تدريس اللغات الأجنبية بافتراض أنّ هناك نوعا من الاسترسال بين اللغة الأمّ واللغة الأجنبية وليسا هما في تقابل ثنائي. هذا التصوّر سيجعلنا ننطلق من المناطق المشتركة بين اللغتين لنؤسس تعليما مبنيّا على ما يعرف لا على ما يجهل وينكر.

لقد سعى د. قريرة إلى أنْ يستثمر بعض المعارف في دراسة العربية في مستوى بنية الكلمة وفي العلاقات الإعرابية وحتى في الخطاب وتعليميّة اللغة واختار أن يكون في ركن لا يهاجم فيه مكتسبات اللسانيّات الحديثة ولا يتهم فيه النحو العربي بالعسر والشدة على المتعلّمين وهذا موقف علميّ بدلا من أن يكون موقفا منحازا معه أو عليه.