المؤتمر القومي العربي

بقلم: معقل زهور عدي

صورة المؤتمر القومي العربي الذي عقد دورته الأخيرة في الجزائر بين 6-9 نيسان/ابريل 2005 لا توحي بالتفاؤل .
الانجاز الأهم للمؤتمر هو اتاحة الفرصة أمام المشاركين للاجتماع وتبادل الخبرات والآراء والمعلومات، البيان الختامي جاء حافلا، يعكس اشتداد راهنية مسألة الإصلاح الديمقراطي، مع حرص على ابقاء مسافة كافية لاتضع المؤتمر في قلب معركة التغيير، في بعض الأماكن جاء خطاب البيان قديما وفجا (حضر هذه الدورة أعضاء ينتمون لكل مكونات الوطن الكبير القومية والدينية والجهوية والاجتماعية).
ذكرنا هذا الخطاب بنسبة الـ99.99 بالمئة السيئة الذكر، كما أعطى الإطراء المبالغ فيه للجزائر -الذي سيوظف في النهاية لصالح النظام وليس الشعب -انطباعا بأن المؤتمر يدفع لحكومة الجزائر مقابل استضافتها مما يسهم في تبييض صورة نظام لازال موضع شبهة كبيرة نظرا لسجله في حقوق الانسان وفي كونه ابنا لمؤسسة عسكرية فرضت نفسها بالقوة مع غطاء شفاف من ديمقراطية ضيقة و شكلانية.
تلفت النظر تلك الانتقائية في اختيار المناطق الساخنة (القضايا العراقية والفلسطينية والسورية-اللبنانية والسودانية). وهكذا خرجت من دائرة الاهتمام مصر والاردن والسعودية واليمن وغيرها.
كان يمكن قبول ذلك لولا الطابع الشمولي الذي أخذه المؤتمر على نفسه.
هنا نتذكر ان بعض أعضاء حركة كفاية حاولوا دون جدوى إقناع المؤتمر بالتضامن معهم، هذا يفسر جزئيا على الأقل نظرية المناطق الساخنة المنتقاة بعناية .
لن نسترسل في مناقشة البيان الختامي، فقط نرغب بتأكيد أن خطابا كهذا لم يعد مقنعا، بلغته، وانتقائيته، والتركيز على الشعارات بدل التحليل الملموس وأيضا بطريقته الالتفافية كما هو الحاصل في تناول الوضع اللبناني – السوري، حيث لم تعط الاسباب الجوهرية التي كانت وراء انفجار الشارع اللبناني بصورة لم يسبق لها مثيل أهمية تذكر "الدولة الأمنية" ودخلت في باب المؤامرات الامبريالية.
على أية حال نود في هذا المقال القاء الضوء على المؤتمر القومي من الداخل. لقد تعود جيل كامل على تقييم المؤسسات السياسية انطلاقا من خطابها المعلن فقط، مسقطا المسألة الأهم والتي ستغدو لاحقا العنصر الحاسم في تطور تلك المؤسسات ونعني بها بنيتها الداخلية، فالعلاقات الداخلية وطريقة العمل هما ما يجب تسليط الضوء عليه قبل الخطاب السياسي. هنا نجد أن المؤتمر القومي يعاني من بنية تسلطية ومغلقة، فالمركز يتحكم بصورة مطلقة بنشاط المؤتمر، ويستخدم من أجل ذلك أدوات مشتقة من النظام العربي المهترئ ذاته.
على سبيل المثال لا أحد يعرف بالضبط على أية أسس ومعايير يتم ترشيح وقبول أعضاء جدد للمؤتمر، ومن يقوم بذلك، كما لا يوجد أية شفافية في طريقة عمل هيئات المؤتمر وانتخاب تلك الهيئات، وفي مناخ يتميز بالتعتيم والانغلاق يبدو المركز كسلطة مطلقة دائمة لا تتبدل تحتفظ بهيمنتها على خلفية علاقات غير واضحة المعالم مع بعض الانظمة العربية .
يقول المركز للأنظمة العربية: أعطوني بعض الدعم والتأييد مقابل ابقاء سقف معين للمعارضات من جهة ومقابل تجيير بعض قرارات المؤتمر لصالحكم من جهة أخرى. ويقول للمؤتمرين: لولا جهودي (الخاصة) مع الانظمة العربية لما تمكنتم من الحصول على التسهيلات للاجتماع، فالمؤتمر مدين لي بالبقاء وأي تفكير في تغيير المركز أو الخروج على الطاعة سيكون بمثابة طلقة الرحمة في رأس المؤتمر .
هكذا يتم توليد آلية للهيمنة مشتقة من الاستبداد العربي الرسمي، أما البقية فمجرد تفاصيل ومناورات صغيرة المشكلة أن بنية كهذه قد تم استهلاكها بفعل التغييرات العميقة التي بدأت تضرب المنطقة العربية من مشرقها لمغربها .
لم نعد بحاجة للنظر في البيانات والأوراق الكثيرة للمؤتمر بقدر ما نحتاج للنظر في بنيته ذاتها وطريقة عمله نعم هناك ضرورة ماسة للقاء القوى الشعبية والديمقراطية العربية، ولكن الأهم أن يتم ذلك اللقاء في إطار ديمقراطي حقيقي منفتح وبعيد عن آليات هيمنة الأنظمة العربية أو أية آليات مشتقة منها، وبغير ذلك سيخرج كل انجاز مشوها أو كسيحا . هل بالامكان تحقيق ذلك دون خسارة المؤتمر؟
بالتأكيد، وعقد المنتدى الاجتماعي العربي في القاهرة مثال حي لذلك، كما يمكن الاستفادة أيضا من عودة الروح للديمقراطية اللبنانية، لقد كان لبنان دائما رئة المؤسسات العربية غير الرسمية. أما المسألة المالية فيفترض حلها بعيدا عن مد اليد للأنظمة العربية سواء بشكل مساعدات مباشرة أو تسهيلات يدفع ثمنها لاحقا على حساب كل كلمة تقال أو تعلن .
لقد أعطت بنية المؤتمر القومي كل ما يمكن أن تعطيه ومنذ هذه اللحظة سيرتبط مصير تلك المنظمة بقدرتها على ادخال تغيير جوهري على بنيتها الداخلية وطريقة عملها، يتيح لها القطع مع مصالح الأنظمة العربية الحاكمة والانحياز التام للمصلحة التاريخية للشعوب العربية في التغيير الوطني –الديمقراطي الذي سيمكنها من مواجهة المخاطر الخارجية والداخلية، أما إمساك العصا من وسطها فقد فات أوانه، والبقاء على ذلك الخيار لا يعني سوى الرغبة في ركوب قاطرة التاريخ في الاتجاه المعاكس. معقل زهور عدي