المالكي يفتح باب التراجع عن الترشح لرئاسة الحكومة بشروط
بغداد - فتح نوري المالكي، رئيس ائتلاف دولة القانون جدلا في المشهد السياسي العراقي، بعد تصريحاته الأخيرة التي فتحت باب التأويل بشأن استعداده للتراجع عن الترشح لرئاسة الحكومة المقبلة، ولكن وفق شروط محددة، في خطوة بدت لكثير من المراقبين مناورة سياسية تهدف إلى امتصاص الضغوط الأميركية المتصاعدة، دون كسر التوازنات داخل تحالفه السياسي.
ففي مقابلة مع قناة الشرقية مساء الثلاثاء، كشف المالكي، وهو مرشح "الإطار التنسيقي" لمنصب رئيس الوزراء، عن معطيات جديدة تتعلق بالموقف الأميركي الرافض لعودته إلى رئاسة الحكومة، وما رافقه من تغريدة للرئيس الأميركي دونالد ترامب أثارت جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية العراقية. حيث أكد أنه لا يمانع التخلي عن ترشحه، لكن بشرط أن يصدر القرار عن الإطار التنسيقي نفسه، وليس استجابة لضغوط أو مطالب خارجية.
وشدد المالكي على أن ترشيحه جاء عبر مؤسسة سياسية عراقية هي "الإطار التنسيقي"، وليس بقرار فردي، معتبرًا أن الانسحاب بناءً على رغبة دولة أجنبية يشكل سابقة خطيرة تمس بالسيادة الوطنية. وقال في هذا السياق إنه "مواطن عراقي"، وإن مسار اختياره لرئاسة الوزراء يخضع حصريًا للآليات الدستورية والتوافقات الداخلية، وليس للإملاءات الخارجية.
وفي معرض حديثه عن تغريدة الرئيس الأميركي، أوضح أن ترمب تعرّض، بحسب تعبيره، إلى تضليل متعمّد من قبل ثلاث دول إلى جانب أطراف داخلية عراقية، بهدف عرقلة وصوله إلى ولاية ثالثة. وأضاف قائلًا "سمعت أن التغريدة كتبت هنا لكني لم أتأكد من هذا الأمر بعد"، في إشارة إلى احتمال وجود تأثيرات داخلية لعبت دورًا في صياغة الموقف الأميركي.
ونفى ما يُتداول بشأن احتمال فرض عقوبات اقتصادية أميركية على العراق في حال توليه رئاسة الحكومة مجددًا، معتبرًا أن هذه الفرضيات تُستخدم كأداة ضغط لدفعه نحو التنازل عن الترشح. وأكد أن هذه السيناريوهات لا تستند إلى معطيات واقعية، وإنما يتم ترويجها ضمن حملة سياسية منظمة.
وفي تطور لافت، أعلن المالكي استعداده للتخلي عن سباق رئاسة الوزراء إذا ما طُرح هذا الخيار داخل الإطار التنسيقي وحصل على دعم أغلبية مكوناته، في موقف يعكس محاولة لإعادة الكرة إلى ملعب التحالف، والحفاظ في الوقت نفسه على موقعه التفاوضي داخله.
وبعيدًا عن الشأن الداخلي، تطرق إلى التطورات الإقليمية، لا سيما الوضع في سوريا، مؤكدًا أن العراق منفتح على التعاون مع القيادة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع في تلميح لامكانية اعتماد سياسة براغماتية في العديد من الملفات الاقليمية. وقال إن الشعبين العراقي والسوري تجمعهما روابط أخوية، مضيفًا أن العلاقة بين بغداد ودمشق قد تشهد تقاربًا كبيرًا "إذا حافظ الشرع على دمشق خالية من الإرهاب ودفع الإرهابيين نحو بغداد".
وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من تأكيد رئيس ائتلاف دولة القانون، يوم السبت الماضي، تمسكه بالترشح لرئاسة الحكومة، رغم الموقف الأميركي الرافض، مشددًا على أن اختيار رئيس الوزراء مسألة وطنية خاضعة لإرادة الشعب والمؤسسات الدستورية. كما جدّد "الإطار التنسيقي" في اليوم ذاته دعمه لترشيح المالكي، معتبرًا أن هذا الاستحقاق شأن داخلي عراقي يتم بعيدًا عن أي ضغوط خارجية.
غير أن مصادر سياسية عراقية كشفت، الأحد، عن بروز تباينات داخل الإطار التنسيقي، على خلفية إصرار المالكي على المضي في ترشحه، مقابل مخاوف بعض الأطراف من تداعيات الصدام مع واشنطن. ويسعى التحالف، وفق هذه المصادر، إلى بلورة موقف موحد يوازن بين الحفاظ على استقلالية القرار السياسي وتفادي تعقيدات دولية قد تؤثر على مسار العملية السياسية.
وكان ترمب كان قد صرّح، في تدوينة على منصة "تروث سوشيال" الثلاثاء الماضي، بأن عودة المالكي إلى رئاسة الحكومة "أمر لا ينبغي السماح به"، معتبرًا أن العراق "انزلق إلى الفقر والفوضى" خلال ولايته السابقة. وفي هذا السياق، ترى واشنطن أن عودة المالكي قد تعزز نفوذ طهران داخل مؤسسات الحكم العراقية، في وقت تسعى فيه الولايات المتحدة إلى تشديد الضغوط الإقليمية على إيران، ما يجعل الرفض الأميركي جزءًا من صراع أوسع حول مستقبل النظام السياسي العراقي واتجاهاته، وليس مجرد موقف عابر.