المبعوث الأميركي الجديد للعراق… ووهم التغيير القادم

إدارة ترامب تحاول اليوم ترميم مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي استراتيجية دشّنت ملامحها بعد الحرب الروسية في أوكرانيا.

عيّنت إدارة ترامب مبعوثًا أميركيًا إلى العراق، على غرار المبعوثين الآخرين: ستيف ويتكوف المكلف بملف وقف الحرب في غزة وأوكرانيا، وتوم براك المكلف بتعويم نظام أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني سابقًا) وتأهيله في سوريا والمنطقة والعالم، ومورغان أورتاغوس المكلفة بنزع سلاح حزب الله في لبنان وإعادة لبنان إلى محيطه بعيدًا عن النفوذ الإيراني.

ويُعدّ هذا التعيين، ولأول مرة في تاريخ الإدارات الأميركية، خطوة غير مسبوقة من حيث عدد المبعوثين إلى الشرق الأوسط، ما يعكس وجود ملفات شائكة تسعى الولايات المتحدة من خلالها إلى إعادة دورها الإقليمي، وتعزيز نفوذها، وإعادة تموضعها في المنطقة.

تحاول إدارة ترامب اليوم ترميم مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، وهي استراتيجية دشّنت ملامحها بعد الحرب الروسية في أوكرانيا، وتحولت إلى استراتيجية أمريكية جديدة بعد السابع من أكتوبر 2023، يوم أطلقت حركة حماس عمليتها العسكرية ضد إسرائيل في غلاف غزة.

وقد أطلق الكاتب توماس فريدمان الديمقراطي في مقاله المعنون "عقيدة بايدن" المنشور في بداية شهر شباط/فبراير عام 2024 في صحيفة نيويورك تايمز، اسمًا لهذه الاستراتيجية، وهي التي تحاول إدارة ترامب اليوم بلورتها مجددًا، بالرغم من أن ترامب ينسب الفضل لنفسه في وضعها، عبر عنوان "السلام عبر القوة".

لقد أدّى التراجع الذي فُرض على النفوذ الإيراني في المنطقة بعد الهزيمة العسكرية لحزب الله، وتوقيع حركة حماس على شروط وقف إطلاق النار — الذي يمثل فعليًا إعلان هزيمتها السياسية والعسكرية بعد عامين من المماطلة على حساب دماء سكان غزة ومستقبلهم — إضافةً إلى سقوط نظام الأسد، وتداعيات الحرب الإسرائيلية–الإيرانية، إلى خلق بيئة إقليمية مهيأة لإعادة تموضع النفوذ الأمريكي في المنطقة. وكان ذلك بعد أن كانت الولايات المتحدة في الولاية الثانية لإدارة أوباما تخطّط لما سُمّي حينها بالانسحاب من الشرق الأوسط والتركيز على منطقة المحيط الهادئ لاحتواء خطر تمدّد الصين.

إيران اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما التفاوض وتقديم تنازلات كبيرة بعد أن تمّ تقزيم أجنحتها وتطويق نفوذها، أو المغامرة بمواجهة جديدة قد تؤدي هذه المرة إلى إسقاط النظام السياسي برمّته.

المنطقة ما زالت حبلى بالمفاجآت غير السارة، بالرغم من المعزوفات السمفونية التي تعزفها إدارة ترامب بأن عصر السلام بات يحلّ عبر القوة الأمريكية، ومع ذلك فإن عامل الفوضى الأمني والسياسي ما زال قائمًا ومؤثرًا، وتبقى إسرائيل أحد محركاته الرئيسية، إذ تواجه اليوم أقطابًا إقليميين جدُدًا في مشروع "الشرق الأوسط الجديد" الذي بشّر به نتنياهو، حيث لم تعد إسرائيل اللاعب الأقوى، بل أضعف أحد القطبين الرئيسيين إلى جانب إيران.

إن وجود أربعة مبعوثين للإدارة الأمريكية في الشرق الأوسط — ومن بينهم تعيين سافيا مبعوثًا إلى العراق، الذي تزامن مع وقف الحملة العسكرية الإسرائيلية على غزة وفرض ما سُمّي بـ “خطة ترامب” على كلٍّ من إسرائيل وحماس — يشير إلى أن الوقت قد حان لانتزاع العراق من قبضة إيران، وتعدّ هذه فرصة مناسبة لخفض النفوذ الإيراني في المنطقة خطوة أخرى إلى الوراء.

الحق يُقال إن الجناح الموالي لإيران في العراق نجا بأعجوبة من تداعيات الحرب بين محور حلفاء إيران — الذي كان يُعرف بمحور "المقاومة والممانعة" واختفى لاحقًا من الخطاب السياسي بعد الانكسار الكبير — وبين محور الولايات المتحدة وإسرائيل. ومع ذلك، فإن تصفية الحسابات مع هذا الجناح لم تأتِ بعد، ويأتي تعيين المبعوث الأمريكي للعراق في هذا السياق تحديدًا.

من الوهم الاعتقاد بأن إيران فقدت نفوذها في العراق كليًا، إلا أنه من المؤكد أنها لم تعد اللاعب الرئيسي الوحيد في المشهد السياسي العراقي. فالتهديد بسلاح الفوضى عبر ميليشياتها الولائية، والعبث بالأمن وخلق الغوغاء السياسية، ما زال سلاحًا لا يُستهان به. وإلى جانب ذلك، هناك تركيا ولاعبون إقليميون آخرون، فضلًا عن النفوذ الأمريكي في العراق، سواء كان سياسيًا أو عسكريًا. ومع ذلك، فإن مرحلة التراجع السياسي لهذه القوى قد بدأت، وإن لم تكن نهايتها بعد.

السيناريو القادم قد يشبه الوضع في لبنان، مع وجود مبعوثين أمريكيين للبنان — الأول توم براك، والثانية مساعدته مورغان أورتاغوس — وإن كان أقل قتامة، حيث قد تُفتعل حالة من الفوضى الأمنية والسياسية لتُستخدم ورقة ضغط في المفاوضات بين طهران وواشنطن.

إن تعيين المبعوث الأمريكي الجديد إلى العراق يأتي في إطار مسعى حثيث لتطويق الجناح السياسي الموالي لإيران، فكلّما تمّ خنق هذه الأطراف المحلية، يشتدّ الخناق على النظام السياسي في إيران.

وأخيرًا، من الخطأ الاعتقاد بأن الفوز بالانتخابات القادمة من قبل الجناح الموالي لأمريكا في الحادي عشر من تشرين الثاني/نوفمبر يعني تلقائيًا القدرة على تشكيل الحكومة، بالرغم من وجود المبعوث الجديد، الذي لم ولن يملك عصا سحرية. فقد أظهرت التجربة العراقية عكس ذلك، من خلال قرارات المحكمة الاتحادية العليا والسياسات السابقة، والتي أثبتت أن النظام السياسي في العراق خاضع لإرادة الميليشيات والأحزاب الإسلامية الشيعية المتجمعة في الإطار التنسيقي، والتي تمتلك إيران نفوذًا مباشرًا عليها.

إن تعيين مارك سافيا مبعوثًا أميركيًا إلى العراق ليس له أي علاقة بأصوله العراقية كما تروّج بعض وسائل الإعلام، ولا يعني أن سماء العراق ستمطر المنّ والسلوى، ولا يرتبط بأيٍّ من القوانين أو المشاريع الإصلاحية الداخلية مثل المساواة أو الحريات النقابية أو الضمان الاجتماعي.