المرجعية.. وحكم العراق بالنيابة عن ايران

العمل طبقا لرأي "المرشد الفقهي او المجتهد"، تبقى السمة الممدوحة لدى اغلب المسلمين الشيعة، اذ لا تكتفي وظيفة الفقيه عندهم بتفسير عباداتهم ضمن نصوص الله في القرآن او كلام النبي وذريته فحسب، بل تطور ضمن مفاهيمهم الى مراحل تنتج معيارا للتمايز و"التفاضل" بينهم وباقي المذاهب الاسلامية. فإتباع المرجع "الجامع للشرائط" يعطي للشيعة امتداداً لتعاليم الرسول دون ان يتاثر بزمان يحدد استنباط الفتوى من ادلتها التفصيلية، حتى يمضي بهم الى عصر النهاية اي ظهور المنقذ المهدي ابن الحسن الامام الثاني عشر كما يعتقدون.

وتشترط الأكثرية من فقهاء الشيعة في التقليد الرجوع الى المرجع الأعلم الذي فيه صفة "الأعلمية"، ومع اختلاف تعريف الأعلم من شخص لآخر، إلّا أنهم إجمالاً يوافقون مع ما ذكره محمد كاظم الطباطبائي اليزدي في كتابه العروة الوثقى وقوله: "المراد من الأعلم من يكون أعرف بالقواعد والمدارك للمسألة، وأكثر إطلاعا لنظائرها، وأجود فهما للأخبار، والحاصل أن يكون أجود استنباطاً". واحيانا يمتد نفوذ المرجع الاعلم إلى التدخل في مسائل سياسية واجتماعية كما وقع ذلك مراراً في تاريخ شيعة العراق.

تخبرنا الاحداث الواقعة في النجف ان المرجعية شابها بعض التخبط مع مقلديها الى حد بلغ مرحلة التنازل عن ما يتعلق بمنفعتهم الوجدانية كالحرية والمساواة، مقابل حفظ مكانتها لدى السلطة في العراق. وهو ما حصل فعلا مع ذات منظر مفهوم "التقليد والاعلمية" السيد اليزدي حين أفتى بالجهاد وأرسل ابنه مُحمّد إلى ساحات القتال ضد دخول البريطانيين إلى البلاد عام 1917، فقد وُثّق ذلك في رسالته إلى والي بغداد العثماني، اذ كان يحث الحكومة العثمانية على أن تكسب ودّ الشيعة مع ما يتناقلوه من أنّهم عانوا من ظلم الدولة العثمانية وجورها طوال السنين الماضية. ورغم تطوّع بعض الشيعة للدفاع مع الدولة العثمانية ضد تقدم القوات البريطانية، إلا أنّ الأتراك كانوا يعاملونهم بقسوة وعنف. ولهذا فرّ بعضهم إلى النجف، وثاروا على الحكومة العثمانية منها اذ بدأوا ينادون بأن محاربتها أولى من محاربة "المشركين".

وفي ظل طرح المرجعية مفاهيم خاصة بالعمل السياسي تتعلق احيانا بوجوب تشكيل الاحزاب تحت رقابة الفقيه "الاعلم"، يظهر الفعل المبني على فكرة الإمامة في العراق مصالح دينية ممزوجة بالسياسة. فضمن هذا الاطار ورد الاعلان عن جماعة "الفضلاء" في 30 نيسان/أبريل 2003 في النجف، لتبني خطاب محصور بتغيير الحوزة وتوحيد رأيها ضمن مرجعية الشيخ محمد اليعقوبي الذي كما ورد في سيرته انه تولى الاجتهاد بعد اغتيال المرجع محمد محمد صادق الصدر. ورغم ان هذه الجماعة كانت قد نفت ان يكون لها تشكيلاً سياسياً بالمعنى المتعارف، لكنها بذلت الاستعداد لمشاركة الاحزاب والحركات السياسية ضمن الاطار الذي تحدده الاتجاهات الحوزوية، فكانت اهم القضايا التي واجهتها ضمن وظيفتها "الالهية" هي الدستور، اذ حشدت الفقهاء للتصدي لاي صياغة تتعارض مع مبادئ الشريعة الاسلامية "المرجعية" في مواده.

لقد مضت جماعة "الفضلاء" راعية لبوادر تأسيس الاحزاب والحركات الاسلامية بإشراف الحوزويين، وما حزب "الفضيلة" الا ذراعها السياسي في العراق والذي كان مشروعه نابعا من مزاج مرشده الفقهي محمد اليعقوبي حيث عد فصل الدين عن الدولة من "مقدمات الالحاد".

وبناء على ما تصنفه المؤسسة الدينية الشيعية من واجبات شرعية الى فردية، وهي التي يتعين على الفرد القيام بها امام ربه كالصلاة والصوم، وواجبات اجتماعية، وهي الاعمال التي يجب على مجموع الشيعة القيام بها وان لم يقوموا بها اثم الجميع لتقصيرهم، كانت قد اعتبرت مجمل مرجعيات النجف المشاركة في الانتخابات بعد اسقاط نظام صدام المستبد ضمن سياق الواجبات الاجتماعية لما تنتجه من نفوذ في سلطة تشريعية وتنفيذية تمكنهم من السيطرة على الحكم. واشهر ما جاء بهذا الصدد من اراء شرعية هو ما فسره مكتب اية الله السيستاني المرجع الاعلم لدى الشيعة، في 31 كانون الاول/ديسمبر 2004، على ان "المرجعية تبارك للقائمة (169) وترى المصلحة في التصويت لهذه القائمة". وهنا تصويب صريح من مرجعية دينية لصالح قائمة الائتلاف العراقي الموحد الكيان السياسي الذي تشكل بموجب انسجام احزاب وشخصيات عراقية شيعية مدنية ودينية.

لم يدم موقف السيستاني الراعي للائتلاف إلا سنة واحدة حتى اصدر امرا مستحدثا يحث أتباعه على التصويت لـ "الأصلح" ضمن انتخابات 2005. لكن هذا الموقف خسر ان يجنب اتباعه انتخاب الاحزاب الشيعية التي كسبت الرهان على المذهب، واغتنمت مواقعها في الحكم بعد الاجتهاد في تفسير معيار الاصلح لجانبها.

استمر حال المرجعية المضطرب بين السياسة والدين حتى انتخابات 2014 رغم الادعاء بأنها تقف على مسافة بعيدة من السياسيين، مكتفية بالتلميح لفشل السلطات دون أي اشارة صريحة من شأنها ان تقلص نسبة تمثيل المقصرين في البرلمان، بل ضاعف ذلك من صعوبة تحديد وجهة جماهيرها بعد سنوات من الاتكال على رأيها في تحديد المستقبل، وأعطى زخما من النفوذ لصالح احزاب الاسلام السياسي الشيعي، تحت ذريعة الخوف من مصير مجهول اذا ما تراجع تمثيل ألاثني عشرية عن الساحة السياسية.

ورغم دعوة مكتب السيستاني الشيعة للتغيير من خلال انتخابات نيسان 2014، الا ان توصيفها للمشهد العراقي بقي فضفاضا وتنقصه مفاهيم تحدد سياق الحكومة الممكنة لحكم بلاد معقدة بتنوعها القومي والديني، ما حشد الشيخ بشير النجفي احد المراجع الاربع في النجف، ليطرح تصوراته الشخصية بتحريم انتخاب قائمة رئيس مجلس الوزراء المالكي بسبب رفض الاخير تعديل مناهج مادة الدين في المدارس بما يوازي تعاليم الحوزة، دون ان يتماثل رفضه للولاية الثالثة مع دعوات احترام مؤسسات الدولة وصيانتها، فضلا عن انهاء حالة اختزالها من قبل شخص او حزب يسخر امكانيات الحكم ضد معارضيه السنة والشيعة على حد سواء.

ليس سليما ان يبقى مسار الحكم في العراق بعد 2003 متعلقا بمزاج الحوزة كقوة تمكنها الاشياء المقدسة من اللعب بنتائج السياسة في دولة هشة تفتقر لوعي يعيد ملامحها ويلغي شوفينية الطائفيين بالحكم، وما دام اندماج المؤسسات الدينية بالسياسة مباح ضمن منطق الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ما الذي يحرج الحوزة من ان تؤكد وظيفة الدولة وحدها من تتحمل مسؤولية الدفاع عن المناطق العراقية دون اشراك الميليشيات؟، ولماذا لا يلازم فتوى وجوب الانتخابات وجوب حضور النواب؟ ولماذا لا تستخدم اوراقها لدمج شيعة العراق بالمنطقة لتلغي عزلتهم عن العرب والخليج تحديدا؟ ثم وان عدم استشعار اتباعها نوع التوتر بين حكومة المالكي وبين المؤسسة الدينيّة والذي عكسه اغلاق براني السيستاني بوجه الحكومة، وعبور ائتلاف دولة القانون كيانات اخرى قريبة من المرجعية، الا يظهر تراجع تأثير خطاب العقائديين على اتباعهم التقليديين؟

صحيح ان الدور السياسي للحوزة العراقية مختلف عن الايرانية من ناحية انها لا تريد تطبيق ولاية مطلقة للمرجعية واعلان الدولة الاسلامية الشيعية. لكن احتكارها للقرارات المصيرية ومساعدتها على تنامي علاقة الشيعة بدين السلطة كمعيار يلازمها، فضلا عن عدم توجيه المذهب نحو تكوين دولة وليس طائفة، يضعها بمقام حكم العراق بالنيابة عن ايران حتى وان لم تمارس تطبيق نظام حكم الفقيه.