المسجد الأبيض بالرملة.. يقاوم تشويه التاريخ

القبلة تواجه مكة المكرمة

المسجد الأبيض.. مسجد أثري تمّ تشييده في مدينة الرملة خلال العهد الأموي القديم، تمّ بناؤه من قِبَل الخليفة سليمان بن عبدالملك في عام (715 – 717) ولكن تمّ الانتهاء من بنائه في عهد الخليفة عمر بن عبدالعزيز عام 720، وشيّد المسجد من الرخام والحجر المحلي.

وسُميت الرملة بهذا الاسم في إشارة إلى الكثبان الرملية التي تنتشر بالمدينة التي أسسها الخليفة الأموي سليمان بن عبدالملك في القرن الثامن الميلادي، وكان سكانها خليطاً من المسلمين واليهود والمسيحيين، ومع تأسيس المدينة من المنشآت والمباني تمّ تشييد مسجد أُطلق عليه المسجد الأبيض، الذي يُوصف بأنه من أكثر جوامع البلدة القديمة في فلسطين جمالاً وروعة، كما يضمّ محراباً وقاعة صلاة واسعة مزيّنة بنقوش وعبارات دينية.

كما أن منبر المسجد الأبيض من أروع مساجد فلسطين التاريخية، فضلاً عن وجود مئذنة جميلة بناها الخليفة هشام بن عبدالملك من أعمدة من الرخام، بالإضافة إلى أن أبواب المسجد الرئيسية مشيّدة بخشب السرو وخشب الأرز، ومنحوت عليها عبارات دينية.

وفي عام 1034 تمّ تدمير المسجد بعد زلزال شديد وقع في بلدة فلسطين القديمة، وأصبح الجامع الأبيض كومة من الأنقاض. وفي عام 1047 تمّ إعادة بناء المسجد بإشراف من المهندس المعماري إلياس بن عبدالله. وفي عهد الدولة الأيوبية ألحق بالمسجد سور غربي وميضأة واسعة في عام 1190.

وفي عام 1267 بدأت المرحلة الثالثة لترميم المسجد بعد أن تمّ إنهاء الاحتلال الصليبي للقدس، بناء على أوامر من السلطان المملوكي الظاهر بيبرس، وتمّ دمج القبة ووضع المنبر وتشييد مئذنة، لكنها هدمت بعد زلزال كبير، وهو ما جعل السلطان محمد الناصر بن قلاوون يأمر بتجديد المئذنة في 1318.

ويحتوي المسجد على مناطق كثيرة مشيّدة من الرخام الأبيض مع السرو والأرز الخشب المستخدم للأبواب، بجانب أربع واجهات. وهناك المئذنة مربعة الشكل وبها خمسة طوابق مزيّنة بنوافذ ومحاريب للتهوية والإنارة، ويبلغ طول المئذنة 27 متراً.

وكشفت الحفريات التي أُجريت في عام 1949 من قِبَل وزارة الشؤون الدينية الفلسطينية ووزارة إسرائيل للآثار والمتاحف، وجود ثلاثة خزانات جوفية تحت الأرض مع ممرات مقببة، ويرجع تاريخها إلى عام 789، حيث أمر هارون الرشيد ببناء خزانات ضخمة لتخزين المياه، وتمّ بناء الخزانات من أعمدة واسعة تدعم السقوف، وتمتلئ بمياه الأمطار ومياه المنطقة حول المسجد الذي يحمل قناة مائية من الينابيع في التلال شرقي الرملة، بالإضافة إلى اثنين من النقوش الرخامية التي كانت في وقت الإصلاحات القديمة، والتي يعود تاريخها إلى السلطان بيبرس، بالإضافة إلى اثنين من الأروقة القديمة على طول الجدران شرقاً وغرباً في باحة الجامع وحتى الجدار الشمالي.

ويجسّد المسجد بهيكله الحالي مراحل متميّزة من التجديد والبناء في أزمنة تاريخية مختلفة، حيث شيّد مجمع مباني المسجد على ثلاث مراحل رئيسية. المرحلة الأولى كانت في فترة الأمويين، عندما تمّ تشييد السور الذي يُعدّ من أقدم مباني المسجد، وأيضاً الجدار الشرقي مع الرواق، والصهاريج الجوفية الثلاثة.

كما تمّ تشييد السور الغربي وبناء غرفة الوضوء في المرحلة الثانية خلال حقبة صلاح الدين، فضلاً عن نقوش وُجدت في الحفريات التي أُدخلت على المسجد، والنقش الأول يتعلّق بالسلطان بيبرس، حيث بُنيت القبة على المئذنة. كما يرجع النقش الثاني إلى عام 1408 خلال حقبة سيف الدين الظاهري. وتضمّنت المرحلة الثالثة بناء المئذنة، والرواق الشرقي من المئذنة، وقاعتين على امتداد الجدار الشرقي.

ويقول د. مختار السعيد، الخبير الأثري: إنه بعد سقوط مدينة الرملة في الحرب العربية الإسرائيلية عام 1948، قامت الدولة العبرية بطرد آلاف السكان الفلسطينيين من المدينة وتهجيرهم إلى منطقة تُسمى "السكنة القديمة". كما تمّ تسكين اليهود وتغيير هوية المدينة تماماً بعد حرب 1967. وعلى مر سنوات الاحتلال تمّ بناء الكثير من المستعمرات والمستوطنات الإسرائيلية.

وتابع: كما أقدمت إسرائيل على تدمير ومحو الكثير من الآثار العربية والفلسطينية داخل مدينة الرملة، وكان من بين هذه الآثار المسجد الأبيض، وأطلقت الدولة العبرية عليه اسم "البرج الأبيض"، خاصة وأنه لم يتبق من المسجد حالياً سوى المئذنة، بالإضافة إلى أن الرملة تعجّ بقوات عسكرية وأمنية إسرائيلية مكثفة ودوريات أمنية متنقلة، لا سيما وأنها تبعد عن مدينة تل أبيب العبرية بحوالي خمسة كيلومترات فقط.

ويضيف: إن المسجد يحتوي على جدار طويل يضمّ القبلة التي تواجه مكة المكرمة، مع محراب في وسط الجدار، كما أن سقف المسجد يبدو أنه ينتمي إلى مرحلة لاحقة من التجديد تمّ تنفيذها في الفترة الأيوبية. كما كشفت الدراسات الأثرية أن النصف الأيمن من المسجد ينحرف نحو ست درجات شمالاً من اتجاه الشرق والغرب.