المشهد السياسي ما بعد الانتخابات في العراق... ومن يحسم الصراع على السلطة

هل سيستخدم الصدر سلطته بعد الانتخابات للتأثير على تشكيل الحكومة؟

على الرغم من أن نسبة المشاركة في التصويت خلال انتخابات 11 نوفمبر 2025 لم تكن عالية، وأن نسبة المقاطعين لها ـ حسب تقديرات العديد من المصادر الإعلامية والمراكز المتخصصة ـ تجاوزت 70 في المئة، إلا أن الحملة الانتخابية شعبياً ركزت على أن هناك حاجة إلى تغيير سياسي جذري في البلاد: "العراق بحاجة إلى وجوه جديدة، إلى دماء جديدة — نحن بحاجة إلى أشخاص صادقين مع الشعب، يخدمون الشعب، لا أن يخدموا أنفسهم فقط". وهذا ما لم يحصل، إذ لم يطرأ تغيير جوهري في ميزان القوى اللاعبة على مسرح الحدث الانتخابي، وظلت سياسة ترتيب بيع وشراء أصوات الناخبين في مزاد احتكاري تمارس فعلها.

في هذه الدورة، وكما في كل مرة منذ الانتخابات التشريعية في مايو 2018، لا يوجد لدى السكان اهتمام كبير بالانتخابات، ونسبة المشاركين في التصويت في أفضل الأحوال لا تتجاوز 30 في المئة.

العديد من المرشحين في قوائم انتخابية مدنية ومستقلة مختلفة يتحدثون عن قضايا الفساد المستشري، فيما الأشخاص أنفسهم الذين شكّلوا المشهد السياسي في البلاد لأكثر من 20 عاماً يتحدثون صراحة عن الأزمات وسوء الإدارة وتقاسم الامتيازات والمحسوبية دون رادع قانوني.

والنتيجة: الانطباع العام يتحدث عن نفسه — لامبالاة واسعة النطاق بالانتخابات. "الوضع باقٍ كما هو — ولن يكون هناك تغيير. من الأفضل عدم التصويت بدلاً من إعطاء صوتك لمن لا يستحقه". فيما يتساءل كثيرون إن كان التصويت مجدياً أصلاً: "إذا صوتَّ، سيصل الأشخاص أنفسهم إلى السلطة، وإن لم تصوّت، فسيحدث الشيء نفسه". معظم الأحزاب أو التحالفات الانتخابية في البلاد متحالفة على أساس ديني أو عرقي. وهذا يعني أن هناك أحزاباً شيعية، وأحزاباً سنية، وأحزاباً كردية تتوافق فيما بينها. وينعكس هذا أيضاً في توزيع المناصب والمكاسب. وقد نشأ اتفاق، من الناحية القانونية غير دستوري، أصبح عرفاً بأن يكون الرئيس كردياً، ورئيس الوزراء شيعياً، ورئيس البرلمان سنياً. وتلتزم جميع القوى السياسية حالياً بهذا الاتفاق.

يبقى أن ننتظر لنرى كيف سيتصرف أحد أبرز الشخصيات السياسية العراقية، الذي يجمع بين الكاريزما الدينية والقومية والشعبوية الاجتماعية، ويُعتبر السياسي الأكثر شعبية في البلاد، ودعا إلى مقاطعة الانتخابات ولم يترشح حتى للبرلمان: رجل الدين الشيعي السيد مقتدى الصدر، فهو أعلن مراراً "أن كل من في السلطة فاسد". وهذا أحد أسباب دعم الشعب له، إذ لو أراد حشد أتباعه ضد الحكومة لأطاح بها في خمس دقائق. ورسمياً، انسحب الصدر من الساحة السياسية، لكن كلمته لا تزال مؤثرة. وقد دعا أتباعه، الذين يُقدّر عددهم في عموم البلاد بنحو ثمانية ملايين، إلى مقاطعة الانتخابات.

ويتساءل بعض السياسيين والمراقبين: هل سيستخدم الصدر سلطته بعد الانتخابات للتأثير على تشكيل الحكومة؟ قد يكون هذا عاملاً حاسماً بالنسبة للسوداني، الرجل الذي يحب أن يصور نفسه "مهندس بغداد"، للفوز بولاية أخرى. فيما يُنسب إلى السوداني الفضل في استقرار العراق وأمنه اليوم أكثر من فترات سابقة بعد سقوط نظام صدام. لذا يفترض الخبراء أنه سيخرج من الانتخابات أقوى. ومع ذلك، فإن بقاؤه رئيساً للوزراء أمر غير مؤكد: "انتخابه رئيساً للوزراء سيعتمد ـ بالتأكيد ـ على مهارته في بناء التحالفات" وضمان دعم بعض الأحزاب السنية والكردية من بين أحزاب أخرى. وقد يستغرق تشكيل حكومة جديدة أسابيع أو حتى أشهر، فالتنافس على المناصب يثني الكثير من الناخبين، والديمقراطية العراقية الناشئة تعاني من نقاط ضعف عديدة، إذ وردت في الأيام الأخيرة تقارير عن عمليات شراء بعض النواب الجدد وسلخهم عن كياناتهم.

السؤال المهم أيضاً: هل يمكن للحكومة المقبلة البناء على بعض الدعوات التي أطلقها السوداني؟ لا تزال هناك تحديات كبيرة، مادية ومعنوية. لا يزال التعايش بين الشيعة والسنة محفوفاً بالتوتر. وتتميز العلاقات بين الحكومة المركزية في بغداد وإقليم كردستان شبه المستقل في شمال العراق بصراعات على السلطة وصراعات مالية. علاوة على ذلك، تمارس الولايات المتحدة، القوة المحتلة سابقاً، نفوذاً على الحكومة العراقية، وكذلك إيران المجاورة التي تدعم الميليشيات المسلحة في العراق. ومن المرجح أن يكون مدى موازنة هذا النفوذ وإبعاد العراق عن الصراعات الإقليمية أمراً بالغ الأهمية للحفاظ على الاستقرار الذي تحقق بشق الأنفس في البلاد.

في أعقاب الإعلان الرسمي للمفوضية عن نتائج الانتخابات، والتي تُظهر صورة غير مثالية لفرز "الكتلة الأكبر" من بين الجميع — تلك التي يمكن أن تسيطر على أغلبية المقاعد البرلمانية — سيبقى الصراع السياسي محتدماً حول تشكيل الحكومة العتيدة. وإن تحقق عبر "تحالفات المصالح" فسيكون مشوباً بصراع على السلطة بين الحكومة والمعارضة، بالإضافة إلى دعوة الصدر لمقاطعتها. المشهد برمته يسوده التوتر، حيث يخضع توزيع السلطة الهش في البلاد للتدقيق وصراع النخب الحاكمة على المناصب. فيما تتحدث المعارضة عن عدم رضا عن النتائج، ولا يزال الشعب يشعر بخيبة أمل في ظل جمود سياسي يؤخر تشكيل الحكومة ويؤدي إلى إحباط شعبي.

الحقيقة: لم يكن لدى السكان سوى توقعات قليلة من النظام السياسي، حيث لم تحقق الانتخابات، ولن يتحقق ما بعدها، ما يطمح إليه المواطن من أحلام الأمن والحرية والديمقراطية والعدالة ومحاسبة الفساد والفاسدين، مما يزيد من منسوب تفاقم الأجواء المتوترة أصلاً.