المصريون يصوتون في انتخابات الشيوخ وسط مخاوف من عزوف شعبي
القاهرة - انطلقت انتخابات مجلس الشيوخ المصري، الذي يمثل الغرفة العليا في البرلمان، صباح اليوم الاثنين، وسط حشد رسمي وإشراف قضائي مكثف، وذلك في ثاني عملية اقتراع من نوعها بعد إعادته إلى المشهد السياسي بموجب التعديلات الدستورية الأخيرة.
ويتكون مجلس الشيوخ من 300 عضو منهم 200 بطريق الانتخاب المباشر و100 يعينهم رئيس الجمهورية.
ويشارك في هذا الاستحقاق الوطني الذي انطلق في تمام الساعة التاسعة صباحا (7:00 ت.غ) نحو 69 مليون ناخب، يتوزعون على أكثر من 8 آلاف مركز اقتراع في جميع أنحاء البلاد.
وتأتي هذه الانتخابات، التي يصفها المسؤولون بأنها خطوة أساسية نحو استكمال بناء المؤسسات الديمقراطية، في ظل ظروف سياسية واقتصادية معقدة، وتطرح تساؤلات حول مدى الإقبال الشعبي على صناديق الاقتراع، خاصة في ظل الدور الاستشاري للمجلس الذي يحد من صلاحياته.
وشهدت العملية الانتخابية في يومها الأول حراكا لوجستيا ضخما، حيث تولى الإشراف عليها ما يزيد عن 9 آلاف عضو من هيئتي قضايا الدولة والنيابة الإدارية، موزعين على 8825 لجنة اقتراع فرعية.
ويدعم هذا الجيش من المشرفين نحو 65 ألف موظف يعملون في اللجان المختلفة، مما يعكس اهتماما رسميا كبيرا بضمان سير العملية الانتخابية بشكل منظم.
وعلى صعيد المشاركة الرسمية، أدلى الرئيس عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء مصطفى مدبولي بأصواتهما في لجنتين مختلفتين بالقاهرة والجيزة، في رسالة واضحة لحث الناخبين على المشاركة.
وقد دعا مدبولي، عقب إدلائه بصوته، جموع الشعب المصري إلى "المشاركة الفاعلة والجادة في هذا الاستحقاق الوطني"، في محاولة لدفع عجلة الاهتمام الشعبي بالانتخابات.
وعلى الرغم من هذه الدعوات، يبقى الإقبال الشعبي محل ترقب، خاصة وأن نسبة المشاركة في الانتخابات السابقة لمجلس الشيوخ لم تتجاوز 14 في المئة. وللتغلب على هذا التحدي، أطلقت الهيئة الوطنية للانتخابات حملة توعية واسعة، وحذرت في الوقت نفسه من غرامة مالية قدرها 500 جنيه مصري (نحو 10 دولارات) لمن يتخلف عن التصويت.
وتعكس هذه الإجراءات، التي تجمع بين الترغيب والترهيب، وعيا حكوميا بضعف المشاركة الشعبية، وتحاول الحد من الفجوة بين الخطاب الرسمي الداعي إلى الديمقراطية، والواقع الذي يشير إلى فتور شعبي تجاه الحياة السياسية.
وعلى الجانب السياسي، يتنافس 424 مرشحا على مقاعد النظام الفردي، فيما تهيمن "القائمة الوطنية من أجل مصر" على نظام القوائم، حيث أنها القائمة الوحيدة المتقدمة في الدوائر الأربع.
وتضم هذه القائمة تحالفا من 13 حزبا، يتقدمها حزب "مستقبل وطن" المقرب من السلطة وصاحب الأغلبية في مجلس النواب، إضافة إلى حزب "الجبهة الوطنية" الذي يرأسه الوزير السابق عاصم الجزار بدعم من رجل الأعمال المقرب من السلطة إبراهيم العرجاني.
والمثير للاهتمام هو غياب مرشحي المعارضة المستقلين عن المشهد، وهو ما يعكس حقيقة أن المنافسة الحقيقية في هذه الانتخابات تبدو محدودة. ومع ذلك، تضم "القائمة الوطنية" بعض الأحزاب التي كانت تنتمي تاريخيا إلى صفوف المعارضة، مثل حزب التجمع اليساري وحزب الوفد الليبرالي والحزب المصري الديمقراطي الاجتماعي، وهو ما قد يُفسر كمحاولة لاستيعاب بعض القوى السياسية داخل إطار موحد يضمن التحكم في مخرجات العملية الانتخابية.
ويثير هذا الترتيب السياسي تساؤلات حول مدى جدية التعددية السياسية، ويشير إلى أن المشهد الانتخابي لا يزال يدار من خلال توافقات رسمية أكثر من كونه ساحة مفتوحة للمنافسة الحرة.
ووفقا للمادة (249) من الدستور فإنه "يؤخذ رأي المجلس فيما يخص الاقتراحات الخاصة بتعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور، ومشروع الخطة العامة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، ومعاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة".
بالإضافة إلى "مشروعات القوانين ومشروعات القوانين المكملة للدستور التي تحال إليه من رئيس الجمهورية أو مجلس النواب، وما يحيله رئيس الجمهورية إلى المجلس من موضوعات، تتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشؤون العربية أو الخارجية، ويبلغ (مجلس الشيوخ) رأيه في هذه الأمور إلى رئيس الجمهورية ومجلس النواب".
وتجعل هذه الصلاحيات المحدودة دور المجلس أقل تأثيرا من مجلس النواب، وهو ما يفسر جزئيا سبب عدم اهتمام قطاع كبير من الناخبين بهذه الانتخابات.
وتتزامن هذه العملية الانتخابية مع انتقادات دولية متزايدة لحالة حقوق الإنسان في مصر، حيث تتهم منظمات حقوقية السلطات بقمع المعارضة وحرية الإعلام. وعلى الرغم من إطلاق النظام المصري "حوارًا وطنيًا" انبثقت عنه "لجنة العفو الرئاسي" للنظر في أوضاع السجناء السياسيين، إلا أن منظمات تقدر عدد هؤلاء السجناء بعشرات الآلاف، وتتهم السلطات باستمرار استهداف المعارضين.
وتلقي هذه الخلفية السياسية بظلالها على أي حديث عن ديمقراطية حقيقية، وتجعل من الانتخابات، في نظر الكثيرين، جزءا من عملية إدارة المشهد السياسي، لا انعكاسا لإرادة حرة ومنافسة حقيقية.
وتمتد العملية الانتخابية داخل البلاد ليومين متتاليين، فيما جرت انتخابات الخارج على مدار يومي الجمعة والسبت الماضيين في 136 لجنة انتخابية.
ووفق الجدول الزمني المعلن من الهيئة الوطنية للانتخابات، من المقرر إعلان النتائج في 12 أغسطس الجاري، على أن تبدأ جولة الإعادة في الخارج يومي 25 و26 أغسطس، وفي الداخل يومي 27 و28 من الشهر نفسه. ومن المقرر إعلان النتيجة النهائية ونشرها في الجريدة الرسمية في 4 سبتمبر المقبل.
ومع اقتراب هذه المواعيد، تترقب الأوساط السياسية نتائج هذه الانتخابات، التي ستحدد ملامح الغرفة الثانية من البرلمان، قبل انطلاق انتخابات مجلس النواب في نوفمبر من العام الجاري.