المعارضة السورية

بقلم: معقل زهور عدي

ليس النظام الحاكم في سورية وحده من يواجه أزمة مصيرية ولكن المعارضة أيضا، وفي حين تتسلط الأضواء على مختلف جوانب أزمة النظام، وينشغل الجميع بمسألة التغيير الديمقراطي باعتبارها واقعة ضمن منطقة النظام، فان القليلين فقط يعطون لأزمة المعارضة حقها من التأمل.
يتمثل أحد التحديات الذي يواجه المعارضة في امكانية فقدانها المصداقية نتيجة عجزها عن التحول الى قوة للتغيير بدلا من كونها ثقافة للتغيير كما مثلت حتى اليوم.
نجحت المعارضة في صنع ثقافة للتغيير انتشرت ضمن النخب السياسية والثقافية في سورية وتساقطت أمامها حجرا بعد حجر الثقافة الشمولية التي تمتع بها النظام لفترة تقارب الأربعين سنة. واليوم من الصعب أن تجد مدافعا عن الثقافة الشمولية البائدة حتى داخل معسكر النظام.
تمفصل الوعي الجديد مع انتشار وعي مماثل على نطاق المنطقة العربية والعالم، وحين يقرأ المرء تقرير برنامج الأمم المتحدة الانمائي لعام 2005 والذي تركز حول مسألة الحرية والحكم الصالح والإصلاح السياسي يشعر انه أمام دراسة تتطابق مع تحليلات ومفاهيم المعارضة السورية أو لنقل انه يشبه بحثا تأصيليا صيغ بلغة علمية رصينة يتضمن معظم أهداف المعارضة السورية المعلنة، يقول مثلا حول حالة الطوارئ: تجرد حالة الطوارئ المواطن من كثير من حقوقه الدستورية مثل حرمة المسكن، والحرية الشخصية، وحرية الرأي والتعبير، والصحافة، وسرية المراسلات، والحق في التنقل، والحق في الاجتماع.
مقابل ذلك الانتصار على صعيد الوعي نجد حالة عجز سياسي وانقطاع عن القواعد الشعبية والشباب، وتتشكل الطبقة السياسية المعارضة من مجموعات حزبية وشبه حزبية ولجان ومثقفين محدودي العدد يتحركون ضمن مساحة سياسية تكاد ان تكون هامشية.
بقاء الوضع السابق على حاله لفترة من الزمن سيؤدي الى تفكك المعارضة وتحللها، فالتيارات السياسية التي لا تستطيع التقدم نحو الأمام محكومة بالتقدم نحو الوراء، أما المراوحة في المكان فلا يمكن أن تستمر سوى لفترة قصيرة.
كيف ستتمكن المعارضة السورية من حل تلك الاشكالية؟ ذلك هو أحد التحديات.
أما التحدي الثاني فيتمثل في بقائها موحدة بينما تلوح في الأفق نذر اصطفاف جديد.
ليس خافيا وجود أكثر من تيار سياسي ضمن المعارضة ليس فقط عبر التمايزات بين البرامج والرؤى لمختلف أحزابها وتشكيلاتها، ولكن عبر التمايزات داخل تلك الأحزاب والتشكيلات أيضا، وشيئا فشيئا تظهر ملامح تيارين رئيسين:
التيار الأول يتبنى المسألة الديمقراطية وانجاز الليبرالية كمهمة تاريخية راهنة، ويقوم باسقاط أو تنحية كل المهام الأخرى، ويدفعه ذلك للتركيز على الوضع الداخلي واعتبار كل انشغال بمهام (خارجية) مضيعة للوقت أو خدمة للنظام، ويتم تصعيد مفهوم المهمة المرحلية لدى ذلك التيار الى مرتبة الاستراتيجية ومن ثم الى مرتبة الايديولوجيا، فالنظرة السورية تصبح عقيدة في مواجهة النظرة القومية العربية، وكذلك الليبرالية في مواجهة الاشتراكية والاسلام، والانفتاح على الخارج (القوى الدولية) دون قيود يصبح نتيجة حتمية، وكذلك النظر بهامشية لمسائل مثل الاحتلال الأمريكي للعراق (ربما تطور الأمر الى اكتشاف محاسن ذلك الاحتلال المتمدن، مقابل المقاومة المتوحشة) وكذا المسألة الفلسطينية التي ينظر اليها كحمل قديم وثقيل (لاأحد يدري لماذا نستمر في وضعه على أكتافنا).
ينمو التيار السابق بسرعة، ويكتسب كل يوم أرضا جديدة داخل المعارضة السورية، وفي مرحلة لاحقة حين يشتد عود ذلك التيار فان سؤالا من نوع هل يحق الاستقواء بالخارج؟ ربما يعاد طرحه وسيجد من يقوم بتبرير ذلك تحت مختلف الذرائع مع بعض الديكورات واللعب على المصطلحات.
ثمة فرق أساسي بين ما يفكر به الكثيرون ممن يتبنون الى هذا الحد أو ذاك مقولات ذلك التيار (هناك منطقة وسطى بين هذا التيار والآخر الذي سآتي على ذكره) وبين المجرى الذي الذي يشقه في الواقع يوما بعد يوم، اذ أن تيارا كهذا يعمل في ظل هيمنة أمريكية طاغية على المنطقة، ويزعم أنه لا يرى تلك الحقيقة أو أن تلك الحقيقة لاتهمه، سينتهي به المطاف ليصب في بحر تلك الهيمنة ويصبح أداة من أدواتها.
تنشغل الادارة الأمريكية في الوقت الراهن في وضع مرتكزات البديل للنظام السوري وتشير دلائل متطابقة الى أنها تراهن على ثلاثة تيارات.
الأول ربما يكون مشتقا من النظام ذاته ويتضمن الفئات الاقرب لرجال الأعمال وكبار أصحاب المصالح الاقتصادية الجدد مع توسيع ذلك التيار ليشمل الشرائح العليا للبورجوازية السورية التقليدية.
الثاني ما يسمى بالاسلام السياسي المعتدل الذي يقبل التكيف مع مشروع الهيمنة الامريكي ولا يشمل كامل تيار الاسلام المعتدل بل جزءا منه فقط، وتتم المراهنة على مثل ذلك التيار كمرتكز شعبي مشابه للتيارات الدينية في العراق التي تكيفت مع حالة الاحتلال ومشروع الهيمنة الأمريكي (السيستاني).
التيار الثالث اليسار الليبرالي الذي سبق التعرض له وغني عن القول ان مثل ذلك التيار هو الأضعف والأقل أهمية بين التيارات الثلاثة وربما يقتصر دوره على تأمين تغطية ثقافية وفكرية ضرورية لتمرير مرحلة انتقالية.
تلك هي المرتكزات الثلاثة التي يعقد الأمل عليها لايجاد بديل اجتماعي – سياسي للنظام الحالي أكثر تكيفا مع شروط العولمة ومشروع الهيمنة الأمريكي على المنطقة العربية (الشرق الأوسط الكبير)، وتتضمن سيناريوهات التحول السابق على الأغلب استخدام أدوات متنوعة بعضها ذات صفات طائفية وأخرى عرقية وثالثة تقوم على اختراقات تسبب في زعزعزة الاستقرار الاجتماعي-السياسي (الفوضى الخلاقة).
عرضت سابقا مخاطر تحولات التيار الليبرالي ضمن المعارضة، وهي مخاطر لا يجب أن نهملها من جهة ولا أن نجعل منها من جهة أخرى واقعا نخرج منه بادانة مسبقة قاطعة لذلك التيار قيد التشكل والذي يواجه على أية حال صعوبات في طريقه وامكانية تعديل اتجاهاته الرئيسية وتلك هي مسألة مطروحة للحوار.
تيار المعارضة الثاني: يعترف ذلك التيار بأهمية المسألة الديمقراطية وراهنيتها ولكنه ينظر الى تلك المسألة كجزء من مهام متعددة مندمجة مع بعضها بحيث لايمكن تجزئتها زمنيا، (يحتاج المرء الى آلة الزمن الأسطورية لاستعادة المرحلة الليبرالية لسورية الخمسينات كما يحلم التيار الليبرالي)، وتلك هي احدى المميزات الرئيسية لمرحلة العولمة ونعني بها اندماج كل المهام التاريخية التي تأخر انجازها في بوتقة زمنية واحدة مع النضال ضد مشاريع الهيمنة، فالمسألة الديمقراطية وتحقيق المهمة الليبرالية سيتم حلها في خضم الصراع الجاري على نطاق المنطقة العربية والعالم وليس خارج ذلك الصراع، وبالتالي يرى ذلك التيار أن البداية الصحيحة تكمن في رؤية لوحة الصراع بشموليتها وتحديد موقف مبدئي من ذلك الصراع، ومن يتعامى عن حقائق الصراع سيصبح لاحقا موضوعا له، أو أداة موضوعية لأحد أطرافه.
لا يقبل ذلك التيار الانسلاخ عن الهوية الحضارية العربية الاسلامية ويعتبر ذلك الانتماء بدهية مرجعية، ولا يقبل بوضع سور وهمي يفصل مصالحه ومصيره عن بقية الشعوب العربية، فالمعركة بالنسبة له واحدة والمصير واحد. من أجل ذلك يعتبر احتلال العراق وفلسطين قضيته مثلما هي الديمقراطية ومناهضة الاستبداد.
ينحاز ذلك التيار لأفضل ما في الميراث الفكري العالمي، ويقع ضمنه الفكر الاشتراكي، وينحاز أيضا لمصالح الطبقات الشعبية والشعوب المضطهدة في وجه هيمنة قوى العولمة وتسلطها الذي أخذ شكلا عسكريا ووحشيا، ويقدر أهمية النضال الأممي وما يتيحه العصر من امكانيات تتزايد لدفع ذلك النضال وجعله رافعة للتحرر، كما ينحاز بصورة تامة لحق الأمة العربية في الاتحاد الديمقراطي الطوعي.
وفي حين يبدو التيار الأول كموضة للمثقفين، فان التيار الثاني يعبر عن المستقبل ويعكس حقائق العصر.
يرى ذلك التيار أنه في ظل الاستقطاب الحاصل في المنطقة العربية والعالم لا يمكن انشاء ديمقراطية حقيقية ووطنية في سورية دون أن يتم ذلك في خضم الصراع ضد أذرع الهيمنة الأمريكية، فمشروع الشرق الأوسط الكبير لا يتضمن ديمقراطية حقيقية لسورية مثلما لم يتضمن ديمقراطية حقيقية للعراق بل ديمقراطية – طائفية واثنية تعمق انقسام المجتمع وتكون أداة للهيمنة، وهكذا فان الابتعاد عن مثل ذلك المسار الذي تخطط له الادارة الأمريكية مثلما خططت لاحتلال العراق وتفكيكه يقتضي اتخاذ موقف مبدئي من الهيمنة الأمريكية وأدواتها ومشاريعها والتكاتف مع الشعوب العربية والعالم للنضال ضدها بقدر النضال المطلوب لانتزاع الحريات وتأسيس الديمقراطية.
التكيف مع العولمة والهيمنة الأمريكية سينتج ديمقراطية – طائفية في سورية أسوأ من تلك المفروضة في العراق.
لقد زعزع الاحتلال الأمريكي للعراق ثقة كثير من النخب الثقافية بذاتها وأورثها مشاعر الهزيمة التي ولدت ثقافة الهزيمة، لكن حال الأمة مختلف، والتيار المعبر عن حال الأمة وعنفوانها هو المؤهل للبقاء وان أظهرت الساحة الثقافية مشاهد مغايرة لذلك في لحظة تاريخية زائلة. معقل زهور عدي