المغادرة.. كفعل حضاري
حين قرر البطريق المغادرة، لم يكن يعلن قطيعة مع الجليد، بل كان يقرأ تحوّل البيئة من مجال للحياة إلى فضاء للاختناق. لم يكن هروبه تعبيرًا عن ضعف، بل اعترافًا بأن الثبات حين يفقد معناه يتحول إلى شكل راقٍ من أشكال العمى. بعض الكائنات لا تحتاج إلى صراخ كي تفهم أن المكان الذي لا يتجدد، يبتلع ساكنيه ببطء.
في الواقع الحضاري العربي، يشبه هذا القرار كثيرًا تلك اللحظة التي نصرّ فيها على البقاء داخل أنساق فقدت قدرتها على إنتاج المعنى، ومع ذلك نُقدّسها باسم الوفاء للتاريخ. نحن لم نعجز عن الحركة، بل أقنعنا أنفسنا أن السكون فضيلة، وأن الاستمرار داخل البنى المتآكلة دليل حكمة، بينما هو في الحقيقة خوف مقنّع من المجهول. البطريق، في رمزيته، لم يكن أكثر شجاعة منا، لكنه كان أكثر صدقًا مع شروط الحياة.
المشكلة في وعينا الحضاري ليست في التراث، بل في تحويله إلى مناخ مغلق لا يسمح بالتنفس. فكما أن الجليد حين يذوب لا يعود أرضًا صالحة للبقاء، فإن الأفكار حين تتجمد خارج زمنها تتحول إلى عبء على العقل. ومع ذلك نصرّ على التمسك بها، لا لأنها صالحة، بل لأنها مألوفة. وهنا تحديدًا يصبح الرحيل الفكري ضرورة لا خيانة، ويغدو السؤال أخلاقيًا قبل أن يكون معرفيًا: هل نستمر لأننا نؤمن، أم لأننا نخاف؟
الحضارات لا تموت حين تخطئ، بل حين تفقد قدرتها على الاعتراف بالخطأ. وما يميز لحظات الانبعاث التاريخي ليس كثرة الشعارات، بل شجاعة إعادة التموضع، والقدرة على مغادرة أنماط التفكير التي استنفدت أغراضها. البطريق لم يبحث عن جليد أكثر قسوة، بل عن فضاء يسمح له بالعيش. وكذلك الحضارة لا تحتاج إلى مزيد من الصلابة، بل إلى مرونة ذكية تحمي جوهرها دون أن تحنّطها.
في عمق الأزمة العربية اليوم، لا يكمن الخطر في العواصف الخارجية بقدر ما يكمن في الإصرار على البقاء داخل مشهد لم يعد قادرًا على إنتاج المستقبل. الرحيل هنا ليس جغرافيًا، بل ذهنيًا مغادرة أنماط التفكير التي جعلتنا نخلط بين الصبر والاستسلام، وبين الثبات والعجز. حينها فقط يصبح قرار المغادرة فعلًا حضاريًا، لا هروبًا، تمامًا كما فعل البطريق: غادر ليبقى حيًا، لا ليختفي.
"إِن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم" (سورة الرعد، الآية 11).