المغرب والقدس.. حين تتحول الرمزية إلى فعل إنساني مستدام
مرة أخرى، يؤكد المغرب بقيادة العاهل المغربي الملك محمد السادس، رئيس لجنة القدس، أن دعم مدينة القدس وأهلها ليس مجرد شعار دبلوماسي أو موقف سياسي ظرفي، بل هو التزام حضاري ممتد في الزمان، يجد ترجمته في مبادرات ملموسة تتجاوز الخطاب إلى الفعل.
الاستقبال الذي خصّه ولي العهد الأمير مولاي الحسن للأطفال المقدسيين المشاركين في الدورة الـ16 للمخيم الصيفي الذي تنظمه وكالة بيت مال القدس الشريف، ليس مجرد بروتوكول رسمي. إنه رسالة عميقة المعاني، تختزل رؤية المغرب لدوره في نصرة القضية الفلسطينية، وتُجسد، في الآن ذاته، تربية الأجيال المغربية على ثقافة التضامن والالتزام.
رمزية الحضور الملكي
أن يتم هذا الاستقبال بأمر من الملك محمد السادس وأن يتولاه ولي العهد، يحمل دلالة سياسية وتربوية بليغة، فهي إشارة إلى أن التمسك بالقدس، كقضية إنسانية وروحية وحضارية، ليس مرتبطاً بجيل دون آخر، بل هو عهد متجدد، ينتقل من ملك إلى وريثه، ومن شعب إلى أبنائه. إنها تربية على الاستمرارية، وعلى أن القدس تظل في قلب انشغالات المغرب مهما تغيرت الظروف والأولويات.
"حارة المغاربة".. استعادة للذاكرة
إطلاق اسم "حارة المغاربة" على الدورة الحالية للمخيم لم يكن اختياراً اعتباطياً. إنه استحضار لجزء أصيل من الذاكرة المقدسية، وللوجود المغربي التاريخي في القدس، الذي لم تنجح محاولات الطمس والاقتلاع في محوه. بهذا المعنى، يصبح المخيم أكثر من مجرد فسحة صيفية للأطفال، إنه فعل مقاومة ناعمة، وإحياء للذاكرة الجماعية المشتركة بين المغاربة والفلسطينيين.
التضامن بالممارسة لا بالخطاب
منذ 2008، استفاد ما يقارب 800 طفل مقدسي من برنامج المخيمات الصيفية لوكالة بيت مال القدس الشريف، إلى جانب 80 مؤطراً. هؤلاء لم يكتفوا بزيارة المغرب واكتشاف ثقافته، بل لمسوا بشكل مباشر معنى التضامن المغربي معهم، وهو تضامن لا يقتصر على التصريحات السياسية، بل يتجسد في التعليم والصحة والدعم الاجتماعي، في مشاريع تعطي الأمل لأطفال ونساء وأسر تعيش وضعيات صعبة.
أكثر من سياسة.. إنه خيار حضاري
في زمن تتعدد فيه المزايدات حول القضية الفلسطينية، يقدم المغرب نموذجاً مختلفاً: العمل بصمت، بعيداً عن الشعارات الرنانة، مع الحرص على أن يظل الإنسان المقدسي في صلب الاهتمام. وهذا ما يجعل مبادرات مثل هذه المخيمات، التي قد يراها البعض تفصيلية، تعبيراً عن رؤية بعيدة المدى، ترى أن مستقبل القدس يمر عبر دعم أطفالها وتربيتهم على الأمل لا على اليأس.
إن المغرب، وهو يجدد من خلال ولي عهده هذه الرسالة، يؤكد أن قضية القدس بالنسبة له ليست مجرد ورقة دبلوماسية، بل التزام روحي وتاريخي وأخلاقي. التزام يجعل من المبادرات الصغيرة جسوراً لبناء الثقة والأمل، ويحوّل الرمزية إلى فعل إنساني مستدام.