المغرب وفلسطين: القيادة الملكية في خدمة الحل العادل والدائم
في زمن تتقاطع فيه المصالح وتضيع فيه البوصلة الأخلاقية، تظل الدبلوماسية المغربية بقيادة العاهل المغربي الملك محمد السادس نموذجًا نادرًا للوضوح والثبات، خاصة في ما يتعلق بالقضية الفلسطينية التي باتت، في كثير من المحافل، عرضة للتوظيف السياسوي والمزايدات الانفعالية.
منذ توليه العرش، رسم الملك محمد السادس معالم سياسة خارجية ترتكز على التوازن والمسؤولية، وتقوم على الجمع بين الوفاء للمبادئ والحرص على المصالح الوطنية العليا. وفي قلب هذه الرؤية، تحتل القضية الفلسطينية موقعًا ثابتًا باعتبارها قضية عادلة وذات أولوية مركزية، تعالجها المملكة بمنطق استراتيجي ومقاربة عملية تنأى عن الانفعال، وتعتمد المبادرة الفاعلة بدل الخطاب المرتجل.
وقد ترجم المغرب هذا الالتزام بشكل ملموس خلال الاعتداءات الأخيرة على غزة، حيث تحركت المملكة، بتعليمات سامية من العاهل المغربي، لإرسال مساعدات إنسانية وطبية عاجلة إلى الفلسطينيين عبر مسارات غير تقليدية. هذه الخطوة، التي جاءت في وقت التزمت فيه العديد من الدول الصمت أو الحذر، حملت رسالة واضحة: الرباط تدعم الفلسطينيين بالفعل لا بالخطابة، وتنتصر للحق بوسائل نابعة من إرادتها السيادية المستقلة.
وفي ظل تصاعد الهجمات الإسرائيلية على المدنيين، لم يسقط المغرب في فخ الشعارات الصاخبة، بل اختار أن يمارس دبلوماسية التأثير الهادئ، فالإدانة الملكية للاعتداءات الإسرائيلية جاءت واضحة، لكنها لم تقف عند حدود التنديد، بل اقترنت بتحرك إنساني ملموس، ما عزز مكانة المغرب كفاعل مسؤول في المشهد الإقليمي.
وتبرز أهمية هذا الموقف بشكل أكبر في ضوء الدور القيادي الذي يضطلع به الملك محمد السادس بصفته رئيسًا للجنة القدس، المنبثقة عن منظمة التعاون الإسلامي، فهذه اللجنة، التي تعمل ميدانيًا من خلال وكالة بيت مال القدس الشريف، تمثل أحد أوجه الالتزام العملي العميق للمغرب تجاه المدينة المقدسة وسكانها. وليس من قبيل الصدفة أن تحظى هذه الوكالة بتقدير دولي متزايد، نظرًا لما تنفذه من مشاريع تنموية واجتماعية لحماية هوية القدس، وتعزيز صمود أهلها، والحفاظ على طابعها التاريخي والديني كرمز للتعايش بين الأديان.
وما يميز المقاربة المغربية أنها تجمع بين الواجب الديني والإنساني، والرؤية السياسية المتبصرة التي ترى في القدس ملفًا محوريًا لا يقبل العبث أو التجزئة، فالمغرب لا ينظر إلى المدينة كرمز ديني فحسب، بل كفضاء مشترك للسلام، ينبغي أن يكون عنوانًا لحل شامل لا لبؤرة صراع دائم.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال الرسائل السياسية العميقة التي حملها التأكيد الملكي المتكرر على أن القضية الفلسطينية تحتل لدى المغرب نفس مستوى الأهمية التي تحظى بها قضية الصحراء المغربية. وهو إعلان استثنائي في دلالاته، يعكس وعيًا سياديًا متقدمًا، يؤمن بأن ترسيخ مغربية الصحراء لا ولن يكون أبدًا على حساب حقوق الشعب الفلسطيني، بل إن الدفاع عن القضيتين ينبع من منطلق واحد: الالتزام بالحق المشروع، ورفض منطق الاستقواء أو المساومة.
وبهذا المنطق، وضع الملك محمد السادس معادلة نادرة في السياق العربي: أن تكون وطنيًا حتى النخاع، ومدافعًا عن سيادة بلدك، دون أن تتنازل قيد أنملة عن دعمك للمظلومين. وهذا ما أكسب المغرب مصداقية عالية ومكانة وازنة في المنتديات الإقليمية والدولية، حيث يُنظر إليه كطرف عاقل ومتزن، يسعى إلى حل عادل ودائم للقضية الفلسطينية على أساس قرارات الشرعية الدولية، ومبدأ إقامة دولة فلسطينية مستقلة، عاصمتها القدس الشرقية.
في المقابل، لم تغب عن الساحة تلك الأصوات التي تحاول النيل من هذا المسار الرصين، عبر حملات تشكيك أو مزايدات عاطفية، غير أن الرأي العام المغربي، الذي يثق بقيادته ويدرك عمق مواقفها، كان دائمًا حصنًا منيعًا أمام هذه المحاولات، مسلحًا بوعي جماعي يميز بين التضامن الحقيقي والتوظيف السياسوي للقضية.
لقد علمنا التاريخ أن القضايا الكبرى تحتاج إلى قادة كبار. والمغرب، تحت قيادة الملك محمد السادس، برهن على أن الحكمة لا تعني الحياد، وأن الدعم لا يعني التبعية، وأن الالتزام لا يعني التصعيد. بل إن السياسة الحقيقية تُبنى على مواقف واضحة، ومبادرات ملموسة، ورؤية تتسع للأفق ولا تضيع في التفاصيل.
وهذا بالضبط ما يجعل من الدور المغربي بقيادة الملك محمد السادس أحد أكثر الأدوار الريادية مصداقية في العالم العربي: لأنه لا يبحث عن الضوء، بل عن الأثر. ولا يراهن على اللحظة، بل على التاريخ.