المغرب يقترح بطولة إفريقية - أوروبية لجسر الهوة بين منتخبات القارتين

مبادرة فوزي لقجع لبطولة إفريقية أوروبية تعكس رؤية ملكية توظف كرة القدم لتعزيز الحوار الثقافي والانفتاح.

باريس - في خطوة تعكس طموحًا متزايدًا لتوظيف الرياضة كأداة للتقارب بين الشعوب وتعزيز الحوار بين القارات، دعا فوزي لقجع رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، إلى إقامة بطولة كروية مشتركة تجمع منتخبات من إفريقيا وأوروبا خلال الفترة المقبلة، معتبرًا أن مثل هذه المبادرة يمكن أن تشكّل جسرًا رياضيًا يقرّب بين المدرستين الكرويتين، ويساهم في تقليص الفوارق الفنية بينهما.

وقال لقجع في حديث لمجلة فرانس فوتبول الفرنسية، إن الفوارق الرياضية بين منتخبات القارتين لا تزال كبيرة، مضيفا "نسعى إلى تقريب هذه المسافات"، قبل أن يوضح أن فكرة تنظيم بطولة مشتركة طُرحت بالفعل، وإن كانت تحتاج إلى تخطيط ذكي يضمن التوازن والتكافؤ.

وأشار إلى أن التحدي لا يكمن في المبدأ، بل في كيفية بلورة صيغة تنظيمية عادلة قادرة على خدمة جميع الأطراف، مؤكدًا أن مثل هذه البطولة من شأنها رفع القيمة الفنية للاعبين الأفارقة، وفتح آفاق أوسع لاكتشاف المواهب.

وتأتي هذه الدعوة في سياق أوسع يندرج ضمن الرؤية المغربية المتكاملة للاستثمار في الرياضة، ليس فقط باعتبارها مجالًا تنافسيًا أو اقتصاديًا، بل كرافعة دبلوماسية ناعمة ووسيلة للتواصل الثقافي بين الشعوب، فمنذ سنوات، راهن المغرب على الرياضة، وفي مقدمتها كرة القدم، كأداة لبناء جسور التقارب بين إفريقيا وأوروبا والعالم العربي، مستفيدًا من موقعه الجغرافي والتاريخي كفضاء تلاقٍ حضاري بين ضفتي المتوسط وعمقه الإفريقي.

وتنسجم مواقف لقجع مع التوجهات الكبرى التي يرعاها الملك محمد السادس والتي تجعل من الرياضة ركيزة أساسية لتعزيز الانفتاح والتواصل الإنساني. فقد شدد العاهل المغربي في أكثر من مناسبة على أن الرياضة ليست مجرد منافسة أو استعراض للقوة، بل لغة كونية قادرة على تجاوز الحواجز السياسية والثقافية، وبناء روابط قائمة على الاحترام المتبادل والتعارف بين الشعوب.

وفي هذا الإطار، لم يكن الاستثمار المغربي في البنية التحتية الرياضية، ولا في التكوين والتأطير، معزولًا عن هذه الرؤية الشمولية، فالمغرب عمل خلال العقد الأخير على تطوير ملاعبه ومراكزه الرياضية وفق المعايير الدولية، وفتحها أمام احتضان تظاهرات قارية ودولية، ما جعله وجهة مفضلة لتنظيم البطولات الإفريقية والعربية، ومحطة عبور رياضية بين الشمال والجنوب.

وتحمل فكرة البطولة المشتركة بين إفريقيا وأوروبا بعدًا رمزيًا وسياسيًا يتجاوز الإطار الرياضي الصرف، فهي تعكس رغبة في كسر منطق المركز والهامش الذي طالما حكم العلاقات الرياضية بين القارتين، وتسعى إلى إعادة الاعتبار للكرة الإفريقية ضمن فضاء تنافسي أوسع، يتيح للاعبين والمنتخبات الاحتكاك المباشر بمدارس كروية متقدمة، بدل الاكتفاء بالمواجهات غير المتكافئة أو بهجرة المواهب الفردية نحو الأندية الأوروبية.

كما تندرج هذه المبادرة في سياق الدبلوماسية الرياضية التي يعتمدها المغرب لتعزيز حضوره الدولي، وتكريس صورته كبلد منفتح قادر على ابتكار صيغ تعاون جديدة، فالرياضة، وفق الرؤية المغربية، ليست أداة للهيمنة أو التفوق الرمزي، بل مساحة مشتركة لإنتاج الثقة وبناء الشراكات طويلة الأمد، سواء على مستوى الاتحادات الرياضية أو الجماهير أو الفاعلين الثقافيين.

ومن هذا المنطلق، تبدو دعوة لقجع أكثر من مجرد اقتراح تنظيمي، إذ تعكس فلسفة متكاملة ترى في الرياضة مجالًا للاستثمار الإنساني قبل أن تكون مجالًا للربح أو التنافس. فلسفة تجد جذورها في توجه ملكي يعتبر أن التقارب بين الشعوب يبدأ من مساحات التلاقي اليومية، وأن كرة القدم، بما تحمله من شغف جماهيري واسع، تظل واحدة من أقوى هذه المساحات وأكثرها تأثيرًا.

وبينما لا تزال فكرة البطولة المشتركة في طور التصور، فإن طرحها بحد ذاته يسلّط الضوء على الدور المتنامي الذي يضطلع به المغرب في إعادة صياغة العلاقة الرياضية بين إفريقيا وأوروبا، وعلى رهانه الواضح على الرياضة كجسر حضاري يعزز التواصل الثقافي والانفتاح، ويؤسس لمستقبل أكثر توازنًا في العلاقات بين الشعوب.