الملتقى العربي الدولي لدعم المقاومة، أية 'نتائج': ضعف المشاركة اللبنانية

بقلم: البر فرحات

أثارت الدعوة الى الملتقى العربي الدولي لدعم المقاومة بعض السجالات التي تناولت جدوى عقد مثل هذه الملتقيات، والصفة التمثيليّة للجهات الداعية والمشاركة.
واذا كان لا يمكن احدا أن يقلل من قيمة الكلمة كلما كان القصد منها تعبئة الرأي العام الداخلي والخارجي، وممارسة الضغط على القوى المعادية، وشرح القضيّة للآخرين بغية الحصول على دعمهم وتضامنهم، الا انه يبقى ان حدّة الصراع مع العدو وطول أمده باتا يستدعيان الإرتقاء بمستوى الكلمة، والخروج من هذه الملتقيات بجديد، وبمقررات عمليّة وبرامج يصار الى النضال من أجل تطبيقها.
وفي حين اني لم أشارك الا في اعمال المحور القانوني، الا ان هناك انطباعا اول خرجت به مع العديد من المشاركين والمراقبين، هو ضعف المشاركة اللبنانيّة، سواء في التحضير او في اعمال الملتقى. ذلك بالرغم من أن قضيّة المقاومة هي في لبنان مسألة تكاد تحظى بإجماع لا سابق له، مسألة ذات تاريخ لا يمكن ان يختصر بجهة او بحدث، مسألة جرى التوافق وطنياً على كونها قضيّة الدولة والجيش والشعب معاً. ان المسألة هنا هي قضيّة سيادية، لا سيما انه لا يزال هناك كثيرون يتعاملون مع لبنان وكأنه مجرد "ساحة" و أرض بدون شعب او دولة (بصرف النظر عن الموقف من الحكومات).
وثمة ملاحظة اخرى لا يمكن تجاوزها وهي التي تتعلق بالمرأة. فعلى الرغم من تعدد المحاور التي شملت الشأن السياسي، والإعلامي، والقانوني، والفني، فانه لم يجرِ تخصيص محور لدور المرأة. وتكمن اهميّة ذلك في ان المرأة ليست مجرد فئة من فئات المجتمع، بل نصف المجتمع بحيث لا يمكن الأخير ان يكون حراً بدون تحرر المرأة واعطائها دورها كاملاً في جميع الميادين.
اما المحور القانوني الذي شاركت في أعماله فثمة بعض الملاحظات حوله:
فقبل كل شيء لم تكن هناك ورقة مطروحة للنقاش. كما ان الرئاسة لم تلعب دوراً يزيد عن دور العرّيف الذي يعطي الكلام لطالبيه، ويكتفي بابداء الملاحظات حول التوقيت.
وهكذا قامت غالبيّة المشاركين بالقاء خطابات عاطفيّة يمكن ان تلقى في اية مناسبة، واي مكان- في حين كان ينبغي على الرئاسة ان تحرك النقاش من خلال طرحها للنقاط الواردة في الورقة (لو وجدت). وكان معظم المتكلمين يخرجون من القاعة بعد القاء كلماتهم لأنهم يحسنون الكلام ولكنهم لا يحسنون السماع، ولأنهم لم يأتوا لكي يناقشوا الآخرين، او لكي يستمعوا الى نقاشهم لكلماتهم.
وما عدا نفرا قليلا من الحقوقيين الذين طرحوا افكاراً واسئلة واقتراحات، فان ما ميّز غالبيّة المداخلات، بما فيها مداخلات الحقوقيين، هو الموقف العدمي من القانون. وقد تجلى ذلك الموقف في نظريتين الأولى هي القائلة بأن القويّ هو الذي يضع القوانين، وان المؤسسات الدوليّة واقعة تحت سيطرة قوى الإمبرياليّة- الصهيونيّة، وفيتو الدول الخمس الدائمة العضويّة، مما يستنتج منه عدم اهميّة المنازلة على صعيد القانون، وتكريس الجهود لتنمية القوة العسكريّة طبعاً.
والثانية هي التي تنادي برفع شعارات الحد الأعلى "انتقاماً" من تعنت الخصم عن القبول بما يتوافق مع حال الشرعيّة الدوليّة حالياً، متناسين ان طرح مثل تلك الشعارات من شأنه اتاحة الفرصة للعدو للتأثير على الرأي العام الدولي بدعوى كوننا متطرفين، وهو ما جرى عندما ادلى بعض المسؤولين بتصريحات ناريّة بصدد ازالة اسرائيل، او تصريحات لقادة المقاومة تتناول مصير اي عدوان اسرائيلي مقبل. وهي تصريحات اذا كان يقصد منها تحذير العدو، فانه ينبغي التفكير في وقعها في الداخل اللبناني لدى من يجري تخويفه من سلاح "حزب الله"، وجلهم ليسوا اعداء للمقاومة.
على كل حال فان الرد على ذلك المنطق العدمي يأتي من العدو نفسه. والا لماذا رأيناه يتآكله القلق من تقرير صدر عن هيئة "حياديّة" ادانته وادانت "حماس" معاً؟ وفي حين يقول دعاة الازدراء بالقانون وبالقرارات الدوليّة ان رجوع بلجيكا واسبانيا عن اعطاء قضائها "صلاحيات دولية شاملة" يدل على عدم جدوى النضال في هذه الساحة، فاننا نسألهم عما اذا كانوا لا يدركون ان الحرب سجال، يوم لك ويوم عليك، وانها في النتيجة ليست سوى "الجهاد الأصغر".
لكننا اذا جئنا الى الصعيد النظري فقد كان هناك دوماً، عندنا وفي كل مكان، في الماضي كما في الحاضر، موقفان خاطئان من القانون والشرعيّة. الأول (اليساروي) الذي يزدري بدور القانون في المجتمع وبالنشاط العملي بذريعة ان القوى الظالمة (البورجوازيّة، والاقطاعيّة، والطائفيّة على الصعيد الداخلي والإمبرياليّة على الصعيد الدولي) هي التي تضع القوانين وتفرض شرعيتها. اما الثاني (الشرعوي légaliste) فهو الذي يقول بعدم القيام بأي نشاط عملي قبل التأكد من أنه "شرعي" مطابق للقوانين.
واذا ما ذهبنا الى ابعد في مناقشة الموقف العدمي من القانون والشرعية، وقبلنا بذلك المنطق، فكيف لنا ان نفسر كيف انتقلت البشريّة من عهود الرق الى ما هي عليه اليوم، بالرغم من اننا لا ندعي انها وصلت الى خاتمة مسيرتها التاريخيّة؟ ذلك أن القوى المسيطرة التي كانت ولا تزال تشكل اقليّة في المجتمع تضطهد الأكثريّة، قد اضطرت، وتضطر في مجرى الصراع، الى تقديم التنازلات للأخيرة، والى الإقرار بحقوق لها في الشرائع والقوانين، وهو اقرار لا يشكل سوى خطوة اولى لا تجري ترجمتها في الواقع الا عبر النضال ايضاً، لكي لا تتراجع عنها تلك القوى عندما تسنح لها الفرصة، ولكي تكمل قوى الرفض مسيرتها نحو العدالة.
تبقى مسألة لا بد من طرحها هنا، وهي مسألة الطابع الاسلاموي الغالب على الملتقى، والذي تجلى منذ حفل الإفتتاح الذي سبقت فيه تلاوة آيات من الذكر الحكيم النشيد الوطني اللبناني. واين؟ في أكثر البلدان العربيّة غنى من حيث التنوع الديني والمذهبي، وفي مناسبة حظيت بالرعاية الرسميّة من الدولة.
واذا كان البعض يحاول تبرير هذه الغلبة بضرورة جمع الإسلامويين الشيعة والسنة لكي يتحاوروا ويتناقشوا ويتفقوا على التصدي لمحاولات الفتنة المذهبيّة التي يعمل العدو واعوانه على تأجيجها، وهو هدف نبيل من حيث المبدأ، فقد كان الأحرى حصر اللقاء بهم، وفي عاصمة غير بيروت (أين؟).
وبدون أية محاكمة للنيات - من نوع اعتبار البعض غير المسلمين "أهل ذمة" يجري التعامل معهم "صاغرين" - فان المرء يتساءل عن عدم صدور اي كلام، وليس فقط اي قرار، يدين الجرائم التي يتعرض لها الأقباط في مصر، وسائر المسيحيين في العراق على يد من يدّعون الإسلام منفذين بذلك خطط الأعداء .
نعم لقد ساهمنا في أكثر من نشاط دعا اليه "المركز العربي الدولي للتواصل والتضامن" ورحبنا بتلك الأنشطة التي دارت حول القدس والحق في العودة والجولان. الا انه يجب القول، حرصاً على القضيّة ان هذا النشاط الأخير لم يكن موفقاً. البر فرحات (محام)
بيروت - لبنان