الموسيقا الكردية.. ذاكرة تتوارثها الألحان
دمشق ـ تحملُ أصواتُ 'الدنغبج' — المنشد الشعبي الكردي — ملاحمَ الحبّ والفقد والبطولة، وتجعلُ من الموسيقا الكردية أكثر من مجرد فنٍ غنائي، إذ تصوغُ هوية ثقافية نابضة تختزن في أنغامها روحَ المكان وذاكرةَ الإنسان وتاريخه الممتد عبر قرون.
ورغم تنوع البيئات الجغرافية التي عاشت فيها المجتمعات الكردية، حافظت موسيقاها على خصوصيتها الفنية والوجدانية، مستندةً إلى إرثٍ شفهي عريق، وإلى تداخلٍ ثقافي واسع مع الموسيقا العربية والتركية والفارسية والأرمنية، ضمن فضاءٍ مشترك أسهم في تشكيل هوية موسيقية غنية ومتداخلة الأبعاد.
وتُعد الموسيقا الكردية من أقدم الفنون الموسيقية في المنطقة، إذ ارتبط حضورها التاريخي بالحياة الاجتماعية والاحتفالية، وأسهم عدد من الموسيقيين الكرد في ازدهارها خلال العصور الإسلامية، وكان من أبرزهم الموسيقي زرياب الذي سمته المستشرقة الألمانية زيغريد هنكه بالفتى الكردي، إذ نقل تقاليد موسيقا الشرق الأوسط إلى الأندلس، وطوّر آلة العود بإضافة الوتر الخامس إليها، إلى جانب إدخاله تحسينات على أساليب الغناء والإيقاع.
كما شهد العصر العباسي حضور شخصيات موسيقية كردية بارزة، مثل محمد الخطيب الآربيلي الذي أفرد له المؤرخ مهرداد إيزادي مساحة خاصة في مؤلفه 'الكرد: دليل موجز'، مسلطاً الضوء على إسهاماته وبصمته التي رسخته كواحد من أبرز المبدعين القدامى في المشهد الموسيقي الإقليمي.
وبدأ الاهتمام الأكاديمي بتوثيق الموسيقا الكردية مطلع القرن العشرين، وخاصة في أرمينيا ومنطقة القوقاز، حيث أسهمت دراسات الموسيقا الفولكلورية في حفظ جانب من التراث الغنائي الكردي، ولا سيما فن 'الدنغبج' الشفهي، كما عمل الأكاديمي الكردي سيميلا سيليل على جمع الأغاني الكردية وتوثيقها في كتابين صدرا خلال عامي 1964 و1965، وفق دراسات تناولت التراث الموسيقي الكردي.
وتنوعت أنماط الموسيقا الكردية بين الأغاني الملحمية والعاطفية والدينية والشعبية، ومن أبرزها 'اللاوكس' التي تستعيد بطولات الشخصيات التاريخية والأسطورية، و”الهيرانس” المرتبطة بأغاني الحب والفراق، إلى جانب أنماط أخرى ارتبطت بالمناسبات الاجتماعية والطبيعة والحياة اليومية، بحسب دراسة منشورة في مجلة 'كوردش ستاديز جورنال' المحكمة.
ويحتل 'الدنغبج' مكانة محورية في التراث الموسيقي الكردي، بوصفه حارسا للذاكرة الشفهية، حيث يروي المغنون الشعبيون عبر أصواتهم الملاحم والحكايات والتجارب الإنسانية، محافظين على تاريخ اجتماعي كامل انتقل شفهياً عبر الأجيال.
وتقوم الموسيقا الكردية على تداخل تاريخي وثقافي مع محيطها الإقليمي نتيجة قرون طويلة من التعايش والتبادل الثقافي، وهو ما يشير إلى شبكة تأثيرات موسيقية تشكلت عبر الزمن داخل فضاء اجتماعي وجغرافي مشترك.
وفي سوريا، استطاع عدد من الفنانين الكرد ترك حضور مؤثر في المشهد الموسيقي رغم غياب التعليم الأكاديمي الموسيقي لفترات طويلة، ومن بينهم غيرابيتي خاكو، وسعيد يوسف المعروف بـ 'أمير البزق'، وآرام تيغران، ومحمد عزيز، وسيوان هاكو، وخيرو عباس، ومحمد شيخو صاحب الأغاني المناهضة للنظام البائد، الذي رحل في آذار عام 1989.
وتبرز تجربة محمد شيخو بوصفها إحدى التجارب الموسيقية التي جمعت بين التراث والانفتاح على المحيط الموسيقي العربي، إذ تنقل بين بيروت وبغداد وغيرها، وتأثر بالموسيقا العربية في لبنان والعراق، ما أسهم في تطوير بناء لحني جديد داخل الأغنية الكردية السورية، وفق ما ورد في كتاب 'مختارات لأغاني محمد شيخو' الصادر عن منشورات 'مشروع هنار الثقافي' في القامشلي.
كما يشير باحثون إلى أن الفنان تحسين طه شكّل جزءا من مرحلة تداخل فني مع موسيقيين عرب، من بينهم فريد الأطرش، ضمن سياقات فنية عابرة للحدود الثقافية.
ويرى عازف البزق والمغني الكردي ألان مراد في حديثه لوكالة الأنباء السورية (سانا)، أن الموسيقا الكردية تتقاطع مع العربية في عدد كبير من المقامات، مثل البيات والحجاز والصبا، بينما تظهر الفروقات في التوزيع اللحني وطريقة الأداء واستخدام المسافات الصوتية الدقيقة.
وأوضح أن ما يعرف في الموسيقا العربية باسم 'مقام الكرد' لا يرتبط بالموسيقا الكردية، بل هو مصطلح موسيقي مستقل، مشيرا إلى أن الغناء الكردي يعتمد على الأداء الصوتي المباشر وتقنية مرتبطة بالحنجرة، في حين تميل المدرسة العربية إلى البناء اللحني الأكثر زخرفة وتعقيداً، كما في أعمال أم كلثوم وأسمهان.
ولفت إلى استخدام إيقاعات مركبة مثل 6/8 و10/8، الذي يسمى إيقاع 'جورجينا' الشائع في عدد من البيئات الموسيقية في المنطقة، مع اختلاف أساليب الأداء المحلية.
أما على مستوى الآلات الموسيقية، فأوضح أن البزق والساز والطنبور تشكل ركائز أساسية في الموسيقا الكردية، إلى جانب آلات أخرى مثل السيتار والسنتور والدودوك، مشيراً إلى أن هذه الآلات تحمل امتدادات تاريخية واسعة ضمن ثقافات المنطقة المختلفة.
وختم مراد حديثه بالتأكيد على أن قيمة الموسيقا الحقيقية تنبع من أصالتها وارتباطها العميق ببيئتها وثقافة شعبها، فكلما بقيت قريبة من جذورها الأولى وملامحها البسيطة والعفوية، ازدادت قدرةً على البقاء في الذاكرة الجمعية والتأثير في الوجدان، وأشار إلى أن التراث الموسيقي ليس مجرد مادة فنية قابلة لإعادة الصياغة بمعزل عن سياقه، بل هو انعكاس لتجربة إنسانية وهوية ثقافية تشكّلت عبر الزمن، لذلك فإن الحفاظ عليه، وتقديمه بروحه الأصلية يمنحه استمرارية وحضورا أقوى من الأعمال التي تُفقده خصوصيته عبر القوالب المستوردة أو المعالجة.
وفي ظل التحولات الموسيقية الحديثة، استطاعت الموسيقا الكردية المعاصرة الحفاظ على روحها التراثية رغم انفتاحها على الأنماط العالمية، وبرز عدد من الفنانين الذين قدموا الأغنية الكردية بأساليب حديثة، من بينهم جوان حاخو وخوشناف تيللو، في تجربة تجمع بين التجديد والحفاظ على الجذور.
وتبقى الموسيقا الكردية، بأصواتها الخارجة من الجبال والذاكرة والاحتفالات الشعبية، واحدة من أكثر أشكال التعبير الفني ارتباطاً بالهوية والوجدان، إذ تختزن في ألحانها تاريخاً طويلاً من الحكايات الإنسانية، والتفاعل الحضاري المشترك بين شعوب المنطقة.