الموسيقي والرسام يعملان على نحو متواز

كتاب محسن عطيه يؤسس لبحث نظري وتطبيقي بين الموسيقى والرسم انطلاقا من فجر التاريخ.


الفنون البصرية والموسيقى وجهان ثقافيان تشترك فيهما كل الحضارات الإنسانية منذ فجر التاريخ


مثلما تؤثر الموسيقي على حواس الفنان، تلعب أعمال الفن البصري دورها في عملية التأليف الموسيقي


"الجواب" في الموسيقى ألوان قوس قزح في الرسم

تجمع بين التشكيل اللوني في كل صوره والإيقاع الموسيقي بكل صنوفه الإبداعية مساحات متداخلة، تؤكد العلاقة التي تربط الفن البصري والموسيقي باعتبارهما وجهين ثقافيين تشترك فيهما الحضارات الإنسانية منذ فجر التاريخ، وهذا الكتاب للناقد والباحث د. محسن عطيه يؤسس لبحث نظري وتطبيقي لتلك العلاقة انطلاقا من فجر التاريخ حيث الصور المرسومة أو المنحوتة التي ترجع إلى العهود السحيقة واكتشاف الموسيقى والممارسات الصوتية المبكرة، متتبعا وباحثا في النقوش المصرية القديمة وأعمال الفنانين التشكيليين الأجانب والمصريين في العصر الحديث، مؤكدا أن الفنون البصرية والموسيقى وجهان ثقافيان تشترك فيهما كل الحضارات الإنسانية منذ فجر التاريخ. وأن لكل ثقافة تفسيرها الخاص نحو صهر هذين المجالين بطريقة إبداعية. كما أن للبيئة والمجتمع تأثيرهما الذي يقف وراء اختلاف قدرة أنواع معينة من الألوان والأضواء والأصوات على استحضار مشاعر معينة في وجدان البشر ونفوذها عبر خبرتهم.
ورأى د.عطيه أنه مثلما تؤثر الموسيقي على حواس الفنان، تلعب أعمال الفن البصري دورها في عملية التأليف الموسيقي، وتستخدم في العديد من أشكال الفنون مصطلحات مماثلة لوصف خصائص فنية معينة، فمثلا في مجال الموسيقى، وكذلك في مجالات الرسم والنحت والعمارة، مصطلحات مثل التكرار، الكثافة، الإيقاع، التوازن، الوحدة، كما أن لكلمة "لون" وقعها في عالم الموسيقى، وفي هذه الحالة يصبح التتابع الزمني في الموسيقى حدثا متزامنا، مثلما هو في الرسم، عندما تحصل المقطوعة الموسيقية على ما يعادل الخط المحيطي في الرسم.
وأشار إلى أن عنصر "الإيقاع" يجمع بين الموسيقى والرقص والفنون البصرية، وأحيانا يقال إن للموسيقى بناء يتحرك. لأنها تعتبر فنا زمنيا حيث يرتفع اللحن وينخفض ويحلق وتتبع الأذن تطور سيرها، أما الفنون البصرية فهي مكانية لأنها تستحوذ على فراغ، وتتحقق "الصفة المكانية" التي تميز الموسيقى عندما يستخدم الموسيقار العزف في تتابع زمني. الذي يبدو مثل "الانعكاس في المرآة" فتعود الألحان التي اختفت مرة أخرى في تتابع الزمن. 

يمكن بتفحص لوحة "العشاء الأخير" للفنان الايطالي ليوناردو دافنشي الموسيقي استشعار أصوات قداس وموسيقى تصويرية تجسد عاطفة المسيح أثناء لحظة حاسمة في سرد الإنجيل

ويفترض أن أي شكل يستحوذ على فراغ "حركة العين". لكي تتمكن من الإحاطة بأجزائه. كما أنه في تتابع الخطوط نوع من الاشتمال على عنصر زمني. وتوحي الموسيقى بتمثيل حركي. بالإضافة إلى كونها متعلقة بحاسة السمع. فترقى إلى المستوى الروحي، مثلما في الإنشاد الديني. وتخلق الأنغام الجو المناسب لتأدية الطقوس المختلفة. وقد يوحي نغم معين بالحنان وآخر بالشجن أو بالوداعة أو بالخفّة أو بالرزانة أو الهيام. ويمكن استخلاص كل هذه المشاعر من تعبيرات الوجوه في الرسوم والنقوش التي تصورها، حيث يمنحها الفنان طابعها الانفعالي. وبينما تعد قيمة النغم من أسرار "الموسيقى" نجد الخط هو أحد أسرار الرسم، وهناك ألحان فاترة وأخرى تهكمية أو بريئة أو عنيفة. وذلك الطابع الانفعالي يتدخل في تشكيل الإحساس الجمالي.
وأضاف د.عطيه أن العلاقة بين "فن الموسيقى" و"الفنون البصرية" نوعان أساسيان، إما "الهجرة" أو "التقارب" ويتحقق نوع العلاقة عن طريق "الهجرة" بمرور عنصر، أو تقنية، أو موضوع من فن إلى آخر. أما نوع العلاقة بالتقارب فيقصد به "التفاعل" بين اثنين أو أكثر من الأنواع أو الأساليب الفنية أو التقنيات في العمل الفني نفسه. وفي عالم "الأوبرا" على سبيل المثال، تتلاقى الموسيقى والدراما والأدب والأدب والفنون البصرية. 
ولفت إلى أن بعض الحشوات المزخرفة من منتجات الفن الإسلامي يجتمع فيها الأسلوبان الهندسي والنباتي، فتوحي الزخرفة النباتية بمرونة تفريعاتها التموجية بالأناقة وبالليونة، بينما تعطي الخطوط الهندسية الانطباع بالقوة، وينتج عن دمج العنصرين معا في عمل فني نغما موسيقيا ازدواجي الحركة، ذات إيقاع بهيج، ويقابل انسيابية الخطوط في أسلوب الأرابيسك أسلوب الهارمونية في فن التأليف الموسيقي حيث لا يبلغ الصوت استقراره إلا بعد انتظار وبعد تردد، فإن الجمال في الانحناء والثني، الذي يطيل من زمن التأمل الجمالي، ومن زمن الانجذاب الممتع نحو العمل الفني، وفي قبة السلطان طومان باي ـ 906 هـ ـ 1501 لم يكتف المصمم بشكل نباتي واحد وإنما نقشها بشبكتين مضفرتين، تعلوهما شبكة بارزة صماء من الخطوط المنحنية، وعندما تتجرد العناصر النباتية من أصولها الطبيعية في فن "التوريق العربي" فذلك يقرب فنون النقش من فنون الموسيقى بقدر تمثيل أسلوب التوريق لصورة الايقاع الأبدي الجميل المبهج. وكذلك يشبه إيقاع الشعر وأنغام الموسيقى. وحينما يعلو اللحن ويهبط في تدرج بحركة واسعة منسابة أو يجري بطيئا بخطى منتظمة وهادئة ورزينة في وقار، سوف يأخذ مكانه على محور من محاور الرسم، فيمنحه نغما موسيقيا ذا خصائص تعبيرية وعاطفية.
وفي تناوله القوالب الكلاسيكية في الفنون حيث انطلق د.عطيه من القرن العاشر راصدا ومحللا للتوافق والانسجام بين فنون العمارة والرسم والتأليف الموسيقي، ضاربا الأمثلة بكاتدرائية ميلانو مؤكدا أنه بوسع أي مبنى أن يستثير انفعالا أو حالة نفسية مثل الاختناق أو الكآبة أو المرح، وقال "ولما كان كل عمل فني موسيقى أو رسم يشتمل على عنصر معماري، فإن جمال بنيته يتوقف على استحالتها إلى ما هو أكثر من مجرد مادة، بسبب ارتباطها بالقيم الإنسانية وبالزمن. لذلك ليس من المنطقي التمييز بين فنون زمنية وأخرى مكانية، لأن الفن يتعلق بالإدراك وتسمح الموسيقى بالتعبير عن القيم المكانية بل وتتضمن صورا مكانية، فليس العمل الفني شيئا ساكنا وإلا بدا جامدا وميتا، مثلما لا يدرك الإنسان أي موضوع إلا عن طريق سلسلة من التفاعلات المختلفة، كذلك لا يدرك الانسان جمال أي مبنى إلا من خلال ما يتضمنه من قيم زمنية، وأيضا يستخدم المؤلف الموسيقي وأيضا المصور واسطتين مختلفتين من قيم زمنية مختلفتين للتعبير عن صفة جوهرية مثل صفة الصلابة في شيئين مختلفين أي صلابة التشكيل في اللوحة وتأليف سلسلة الأنغام التركيبية متجانسة، وهكذا أوحى جان فان أيك "1390 ـ 1441" بالعنصر المكاني بوصفه مجالا للحركة والنشاط في لوحة "أرنولفيني وزوجته" فهذه اللوحة تشعر المشاهد بالعالم الخارجي وراء الجدران بينما تصوير الأماكن في لوحة الفنان الايطالي تيتسيانو ـ 1488 ـ 1576 يظهر لا متناهيا.
ورأى د.عطيه أنه يمكن بتفحص لوحة "العشاء الأخير" للفنان الايطالي ليوناردو دافنشي الموسيقي استشعار أصوات قداس وموسيقى تصويرية تجسد عاطفة المسيح أثناء لحظة حاسمة في سرد الإنجيل، كذلك يمكن تفسير عناصر اللوحة من حيث قيمتها الرمزية في اللاهوت المسيحي على أساس أن لها دلائل موسيقية. وهناك دراسات كشفت عن شفرات موسيقية تخطها صور الخبز على الطاولة وأيادي المسيح والرسل.

وقال د.عطيه "من المعتاد سماع ألحان الموسيقى بالأذن، لأن مجال الصوت حاسة السمع، فهل يمكن للموسيقى أن ترى أو يحس ملمس سطوحها؟ لقد حدث هذا في لوحة "رقص جنون" 1989 التي رسمها حامد ندا "1924 ـ 1990" إذ تحولت الموسيقى إلى مادة لها لون وملمس وشكل، وتشغل حيزا من الفراغ فكيف استطاع الفنان أن يحقق المستحيل، وأن يرسم الموسقى؟ يمكن الإجابة بأن الفنان وقد أسعفته مخيلته وتصوراته المختزنة في ذاكرته، حول أشياء ملموسة ومواقف اختبرها متعلقة بالموسيقى والرقص، مثل فرق الموسيقى التي تغني بمصاحبة دقات الدف وعزف الكمان أو العود أو الأكورديون. أما صخب الموسيقى وإيقاع الرقص المتسارع، فتحول في الرسم إلى تكوير وانحاءات في الخطوط التي تحوط الأشكال، وإلى ألوان تقفز أمام العين وتتنقل متسارعة من الأصفر للأحمر الطوبي أو للأزرق الفيروزي، وتتحور الشخوص فتتأرجح وتتماوج وتهتز، مثلما تهتز وتتماوج أصوات الموسيقى الوثابة ـ الصاخبة التي تخرجها آلة الترومبيت مع إيقاع الدربوكة والدفوف".
وأوضح أن الرسام والموسيقي يعملان على نحو متواز ويؤازران بعضهما البعض، ليصبح الرسم معادلا تشكيليا للقطعة الموسيقية. وعندما تعمل الصورة مع الفكرة والصوت، سوف يصبح ممكنا تأليف مقطوعة موسيقية بالألوان أو رسم لوحة بالنغمات وأحيانا يؤلف الموسيقى بعينه أكثر مما يؤلف بأذنه، أي أن هناك دورا للصورة المكانية البصرية في عالم الموسيقى، مثلما أن للموسيقى دورا بالنسبة للفنان التشكيلي بل إن الإيحاء متشابه في كل من الموسيقى والفنون البصرية رغم اختلاف الوسائط، وعندما يتوقف الفنان ويصبح غير قادر على استئناف العمل، فمن الأفضل أن يوجه اهتمامه نحو أشياء أخرى، لأن اللاتعمد هو السبيل للإبداع، ومن الممكن بفضل الادراك الحسي التحولي أن يعثر الموسيقي على أصول مرجعية لمقطوعته الموسيقى في صورة مكانية/ بصرية، حيث يندمج الشيء المحسوس أثناء التأليف الموسيقي في شكل تحولية متعاقبة.
وأكد د.عطيه أن الموسيقى مثل النحو والنحت تمس شعور الناس وعواطفهم من خلال حواسهم، فأثناء سماع أصوات الموسيقى يتصور المستمع حركتها مجسدة ويتعاطف مع تعبيراتها، وعندما تخترق الموسيقى البدن، تحدث فيه الموجات اضطرابا، حتى تنزع منه جموده، كذلك يشعر المشاهد للخطوط في الرسم، وكأنها تنطلق بحركة سريعة، في حالة إدراك حدسي.
وأضاف أنه في عالم الألوان يقابل سطوع اللون جهارة الصوت في الموسيقى، ويقابل شدة اللون "نقاء الصوت" في الموسيقى، أما الضوضاء فليس لها لون، بل هي رمادية، وأما الكروماتي في الرسم أي الألوان الزاهية فيقابله "تردد الصوت" أي ذبذبته في الموسيقى، ويعني "الأوكتاف". "الجواب" في الموسيقى ألوان قوس قزح في الرسم، ولقد اعتبر مارك روثكو "1903 ـ 1970" مثلما تؤثر الموسيقي على حواس الفنان، تلعب أعمال الفن البصري دورها في عملية التأليف الموسيقي، أن لمبادئ موتسارت "1756 ـ 1791" الأسلوبية والشكلية في مجال الموسيقى تأثيرها المباشر على لوحاته الفنية، من حيث شفافية ملامسها وقوة تعبيرها، ومن حيث عباراتها الموسيقى وأنغامها التي تتميز بطبيعية تامة، كذلك ليس للوحات "روثكو" إطارات، وتمثل الأصباغ البسيطة جسد العمل الفني. وهي أيضا بمثابة الشكل والمضمون معا، وتقابل تشكيلات الألوان في لوحات "روثكو" ألحان موتسارت التي وضعت بدون زخرفة، فيسمع رنينها الحر في قالب "السوناته" الذي يشبه أشكال المستطيلات في اللوحات الفنية، والشفافية التي هي السمة المميزة للغة التركيبية لموسيقى موتسارت تتخلل لوحات روثكو حتى تشيع خلالها الأصوات الداخلية ومنها بدت لوحات روثكو بسيطة في مظهرها، فإنها تكشف حقا عن تعمق أكثر بكثير عند النظر إليها في حالة من التأمل ومع مرور الوقت.