الناقد المصري عبدالله سرور في حوار ما قبل الرحيل

في هذا حوار لم يكتب له ان يرى النور في حياة أستاذ الأدب الحديث نتعرف عن قرب على آراء وأفكار وأحلام ناقد كبير ترك مؤلفاتٍ وآثارًا أدبية قيمة وجدت صدى جيدًا في الوسط الأدبي والثقافي في مصر بعامة، وفي الإسكندرية على وجه الخصوص.


عبدالله سرور: الادعاء بوجود أزمة نقد هو ادعاء باطل


الناقد المصري يؤكد أن قصيدة النثر نزوع أصيل في نفس الفنان إلى التجريب والمحاولة


سرور يعترض على تسمية 'في غير العمودي والحر'


أهم شارعين في الإسكندرية هما من صنع الإسكندر الأكبر عام 331 قبل الميلاد

رحل الناقد الدكتور عبدالله سرور أستاذ الأدب الحديث بكلية التربية جامعة الإسكندرية في الرابع والعشرين من شهر ديسمبر/كانون الأول 2020 متأثرًا بفيروس كورونا، وقبل أن يرى حواري معه منشورا في ثقافة ميدل إيست أونلاين.

وفي هذا الحوار نتعرف عن قرب على آراء وأفكار وأحلام هذا الناقد الكبير الذي ترك مؤلفاتٍ وآثارًا أدبية قيمة وجدت صدى جيدًا في الوسط الأدبي والثقافي في مصر بعامة، وفي الإسكندرية على وجه الخصوص.

تتلمذ الناقد الدكتور عبدالله سرور على عالمين جليلين هما الأستاذ الدكتور محمد مصطفى هدارة، والأستاذ الدكتور محمد زكي العشماوي، واللذان كانا يشاركان بفعالية في الحياة الأدبية والنقدية، وخرجا بالنقد الأدبي من داخل أسوار الجامعة إلى التجمعات والأندية الأدبية والثقافية المختلفة في الإسكندرية.

وقد تخصص عبدالله سرور في الأدب الحديث، وقام بالتدريس في قسم اللغة العربية بكلية التربية – جامعة الإسكندرية، وأوضح أن لفظة "الحداثة" اصطلاح يعني مدلولات محددة تعددت وتغيرت مع تطور حياة العقل العربي، فهي قد تعني مدلولا زمنيا، بمعنى قرب تاريخ إبداع النوع الأدبي، فالنص الحديث هو النص الذي قرب تاريخ إنتاجه أو هو آخر ما وصل إلينا من إبداعات الشاعر، فالحداثة هنا تعني جدة الزمن وقربه وحداثة عهدنا بالنص الأدبي شريطة أن يكون المبدع معاصرًا.

وهناك معنى آخر للحداثة هو أن يملك النص الأدبي من عناصر البقاء والخلود والحيوية والجدة ما يجعله صالحًا للبقاء والظهور والتعامل معه في عصرنا الحالي على الرغم من بُعد تاريخ إنتاجه بُعدًا سحيقًا، وهذا هو السبب في بقاء وحياة عديد من النصوص الأدبية التي مات مبدعوها منذ مئات أو آلاف السنين، فالحداثة هنا تعني امتلاك النص الأدبي لعديد من عناصر التميز والتفوق التي تضمن له حياة طويلة تقهر السنين والأيام. ووفقا لهذا المعنى فإن كل عمل فني حديث هو معاصر لنا، كما أن كل عمل معاصر ليس شرطًا أن يكون حديثًا.

ويضيف: أما الحداثة بمعناها الذائع الآن في العالم العربي، فتعني اتجاهًا فنيًّا، ونظرة خاصة، وموقفًا حضاريًّا جديدًا، وهي اتجاه حديث الولادة في أدبنا العربي، ولا يُطلق هذا الوصف إلا على العمل الأدبي الذي يمتلك هذه العلامات الفارقة أو الحساسية الخاصة التي تميزه عن غيره، ومن ثم فقد اختلف المعنى الجديد للحداثة كل الاختلافات عما سبقه من المعاني التي أشرت إليها وصارت منحى فنيًّا خاصًّا له نظرته وموقفه وركائزه الفنية المغايرة، وبالتالي فإن هذه الحداثة معاصرة ولا ينسحب مفهومها على أي من الإبداعات الأسبق كما لا ينسحب مفهومها على الإبداعات المعاصرة المغايرة لها فنيًّا.

ويشير سرور إلى أنه تناول هذه القضية تفصيلا في الجزء الثالث من كتابه "الشعر العربي الحديث" بالاشتراك مع العالم الكبير الأستاذ الدكتور محمد مصطفى هدارة.

وأوضح أن مصطلح الحداثة شغل أذهان جمهرة المثقفين في عالمنا العربي مما مهّد الطريق لكثير من الخلط والتضارب، إضافة إلى ما وقع فيه كتاب ومبدعو هذا الاتجاه من تنظيرات باطلة. ولعل السبب في هذا هو قسوة ما لاقوه من هجوم واعتراض على آرائهم واتجاهاتهم. ومن هنا أردت أن أضع هذه الحركة بأكملها أمام النظر العلمي السديد، فنفصل آراءهم ثم نناقشها تفصيلا مع وضعها على أرضية الشعر العربي الحديث لبيان ما قدمته من إضافات حقيقية، وما ظهر فيها من قصور مخل.

أما عن قصيدة النثر فيرى الدكتور عبدالله سرور أنها تجربة جديدة، وهي جزء من النزوع الأصيل في نفس الفنان إلى التجريب والمحاولة، وواجب علينا أن نفسح المجال أمام كل تجربة جديدة لتستكمل أدواتها وعناصرها وتستوي على ساقيها. ويقول: من هنا أعتقد أن إصدار الأحكام على مثل هذه التجارب فيه كثير من التسرع وعدم الموضوعية.

غير أنه يعترض فقط على التسمية، فلا يرضى تعبير "قصيدة النثر" ويقول: على هؤلاء المبدعين أن يختاروا لكتاباتهم اسمًا آخر غير لفظة "قصيدة" لأنهم لن يستطيعوا إقناع العقل أو الوجدان العربي بالتخلي عن مجموعة الضوابط الفنية المرتبطة بلفظة "قصيدة" والتي ظلت موجودة في الشعر العربي بشكليه التقليدي والحر.

وكانت مجلة "الفكر" التونسية – في الثمانينيات - قد أطلقت تسمية جديدة على هذا اللون من الأدب، وهي "في غير العمودي والحر"، ويرى سرور أن هذه التسمية أيضا غير دقيقة، لأن الشعر العربي بشكله التقليدي ليس عموديا، لأن هذه الكلمة هي اصطلاح علمي يعني شرائط محددة لم تعد موجودة بأكملها في شعرنا الحديث. ويوضح أن عدم الاستقرار على اسم بعينه للتعبير عن هذا اللون من الأدب دليل قوي على أنه تجربة لم تتجاوز بعد طور التجريب والمحاولة.

الدكتور الراحل عبدالله سرور
'هناك معنى آخر للحداثة هو أن يملك النص من عناصر البقاء والخلود والحيوية والجدة ما يجعله صالحًا للبقاء'

ويؤكد الدكتور عبدالله سرور أننا لسنا نعاني أزمة نقد، والادعاء بوجود أزمة هو ادعاء باطل، غير أننا نعاني من أزمات أخرى كثيرة أثرت على حركة النقد وامتدت إلى حركة الإبداع الأدبي. ويقول: أظن أن افتعال موضوع أزمة النقد سببه إعراض النقاد عن تناول أعمال ناشئة الأدباء لعدم رضاهم عنها، أو لما يعتريها من عناصر الضعف والتهافت أو إيثارًا للدعة والسكينة ورغبة عن الدخول في مواجهات لا طائل  من ورائها قد لا تعين عليها عوامل منها السن والوقت، ولكني لا أتفق مع الرأي القائل بأن على هذا الجيل أن يفرز نقاده لأسباب كثيرة، لعل أبسطها أن تكوين ناقد جيد يحتاج إلى زمن غير قصير يشغله بالدرس والتحصيل والدربة والمران، وهو ما لا يتأتى لجيل ناشئة الأدباء، وليس صحيحا أن الناقد المؤهل والمنظر لاتجاه فني لا بد أن يكون من جيل أدبائه فقد يكون سابقًا لهم أو لاحقًا عليهم، إضافة إلى أن تأهيل اتجاه فني لا يكون إلا بعد أن ينهض هذا الاتجاه كاملا واضح القسمات وإلا فإن الساحة ستصيح ركامًا من الفوضى والعبث الشديد.

أما القول بأن عملية النقد سابقة على عملية الإبداع، فهو قول غير صحيح يرفضه تاريخ النقد الأدبي كله، لأن النقد في أبسط تعريفاته هو تفسير وتقويم النصوص، فهل يفسر النقد نصوصًا غير موجودة أصلا. ولكن يمكن القول بأن النقد يمكن أن يبشر باتجاهات فنية جديدة أو يساعد على قيامها حين يكون الناقد قادرًا على الوفاء بالجانب الثالث من جوانب عملية النقد الأدبي وهو توجيه النص الأدبي وجمهور الأدباء، وذلك بأن يطرح الناقد أمام الأديب عديدا من البدائل والتصورات الأفضل للوصول إلى روعة الإبداع الأدبي.

وأيضا يمكن للناقد أن يفتح الطريق أمام اتجاهات فنية جديدة حين يقوم بدور الوسيط بين النص الأدبي وجمهور المتذوقين بحيث يقرب بينهما بما يجعل المنحى الجديد متذوقا ومقبولا من الجمهور، وهنا يصدق القول بأن الناقد الأدبي قد يغير الذوق الأدبي العام. غير أن الثقافة النقدية عندنا تعاني من ضمور شديد، وهو ما دعاني إلى المساهمة في الحياة النقدية بكتابي الجديد "النقد الأدبي".

كانت أطروحتا الماجستير والدكتوراه لعبدالله سرور عن أدباء وشعراء سكندريين، أو عاشو في الإسكندرية، فرسالة الماجستير كانت عن الشاعر خليل شيبوب، والدكتوراه كانت عن الشعر السكندري 1900 – 1950، وقد أكد ناقدنا أن هناك عديدا من الخصائص التي تميز الشعر السكندري عن غيره من شعر البيئات الأخرى، ولكن كيف يكون هذا التميز؟ إن الشعر السكندري يحمل جميع الخصائص التي اتصف بها الشعر العربي الحديث غير أنه يمتاز عن غيره من شعر البيئات الأخرى بهذه الخصائص الدقيقة والعلاقات الفارقة التي هي بنت البيئة وزبدة إبداع هذا المكان.

وأكد سرور أن لموقع مدينة الإسكندرية دورًا خاصًّا في مصر والعالم العربي في العصر الحديث، لقد كان هذا الموقع هو حلقة الوصل بين أجزاء كثيرة من العالم، وهذا ما جعلها تهتم بأنشطة اقتصادية معينة، وهو ما جعل تركيبتها السكانية على نحو معين، وأيضا تكوينات المباني والتداخل الرائع بين عناصر الطبيعة والاهتمام بالفنون الجميلة، إضافة إلى التراث الفكري والفني الرائع لمدينة الإسكندرية والذي لا يزال حيًّا إلى اليوم. ويكفي أن تعلم أن أهم شارعين في الإسكندرية هما من صنع الإسكندر الأكبر في عام 331 قبل الميلاد، كل هذه العوامل شكلت مزاجًا سكندريًّا خاصًّا يُشبه المزاج الإيتكي عند اليونان القدماء والذي يعتز به الأوروبيون إلى اليوم. وكان لهذا أثره الكبير في تكوين عناصر الشخصية الأدبية السكندرية، إضافة إلى عناصر الأدب من مفردات اللغة والخيال والموضوعات والموسيقى الشعرية وغيرها.

ويوضح عبدالله سرور أنه تناول كل هذه الخصائص تفصيلا في كتابه "اتجاهات الشعر السكندري" الذي أشرنا إليه منذ قليل.

عبدالله سرور عمل أربع سنوات سابقة في المملكة العربية السعودية، وكان على اتصال بالأدب السعودي ومبدعيه خلال سنوات عمله، وقال: إن عاشق الأدب لا يستطيع الابتعاد عنه في أي زمان ومكان، ولقد كنت، ولم أزل، متابعًا للأدب السعودي الحديث والمعاصر، وهو أدب استطاع أن يضيف كثيرا إلى الرصيد الإبداعي للأمة العربية، إضافة إلى أن الأدباء السعوديين قد أخذوا بكل الاتجاهات الفنية الحديثة، وعلى الرغم من هذا يبقى للشعر في هذه البيئة مذاقه الخاص منذ الشاعر الكبير محمد بن عثيمين إلى اليوم، ولقد عشت الأيام الطول مع أشعار طاهر زمخشري وأحمد قنديل وحسن القرشي ومحمد حسن فقي ومحمد حسن عواد وعبدالله بن إدريس وحمزة شحاتة وأحمد إبراهيم الغزاوي، وغيرهم ممن يطول بنا المقام لو شئنا حصرهم إلى اليوم.

وعن حركة الإبداع الأدبي في المملكة العربية السعودية قال سرور إنها تشهد ازدهارًا لأسباب شتى لعل من أهمها الأندية الأدبية، وما تقوم به من دور كبير في نشر أعمال الأدباء وتقديمهم إلى جمهور القراء.