النجف.. صمت المرجعية وعدم سكوتها

قد يصبح البحث في دوافع صوم النجف عن مخاطبة السياسيين في ظرف مثل التي يمر بها العراق ودولته المشلولة، اشبه ما يكون جافاً ومملاً دون ان يستحدث نتائج متطابقة مع الحقيقة، لكنه لا شك يمكن ان يحفز على قراءة المراحل التي تمر بها النجف بعد أكثر من 14 عاماً على انهيار الدولة المستبدة، واستحواذ الشيعة على الجزء الأكبر من عملية سياسية بدأت بـ "انتصار للمذهب" وانتهت تواجه وهي المذهب الذي تمكن لأول مرة في (31 نيسان 2016) من اقتحام الخضراء مركز صناعة القرار ومقر إقامة الصراع.

في الرابع من تموز 2015 قال زعيم المجلس الإسلامي "الأعلى" عمار الحكيم في محفل أقيم بمناسبة تأسيس منظمة "بدر" الـ 34: إن "فتوى المرجعية الدينية هي من أوقفت نداء قادمون يا بغداد". الحكيم يشير هنا إلى طبيعة الدعوة الصادرة على لسان ممثل السيد السيستاني في كربلاء الشيخ عبدالمهدي الكربلائي التي اشار فيها الى مسؤولية الجميع في مقاتلة تنظيم "داعش" على نحو "الواجب الكفائي" من خلال الانخراط في القوات الامنية.

الشيعة يقاتلون بالنيابة عن دولتهم

"الواجب الكفائي" بالرغم من انه كان بمثابة دور مباشر قادت منه المرجعية جولتها مع الشيعة في العراق، واستعرضت مدى حجم التأثير الذي تتركه على الأفراد والجماعات الشيعية حين تريد ان توجههم نحو طريق ما، خصوصاً في حالة كالدعوة الى "الشهادة"، وبالإضافة إلى ما قامت به المرجعية من القيام بالتحشيد لمجابهة تنظيم "داعش" عبر التطوع في الجيش أو الشرطة فقط، إلا أن أحزاب الإسلام السياسي الشيعي استطاعت استخدام الأمر كذريعة لصناعة ميليشيات مسلحة يقودها نواب ومسؤولون تنفيذيون بعد تفرغهم لـ "الجهاد"، وكأن كل شيء في تلك الفترة ينتظر الفتوى، الفتوى التي حولت سياسيين من أطراف في الأزمة إلى "قادة" و"مجاهدين" و"منقذين". وليست صدفة أن يرتدي السياسي الشيعي القميص العسكري لكنه لا يموت من أجل "المقدسات" ما دام من يضحي دائماً.. موجود في المقدمة دائماً، وهم الشيعة العراقيون.

لم يدم الوضع طويلاً حتى تحول نصاب كبير من الناس من "الجهاد" إلى التظاهر في تموز 2015 ضد إخفاق حكومة العبادي في تحسين مستوى الطاقة الكهربائية مع بلوغ الحرارة مستويات جهنمية لسعت المواطنين وجعلتهم يصرخون ضد هدر الأموال وبقاء الفاسدين دون محاسبة. بدأت حشود عراقية من المحتجين تتجمع في مراكز المحافظات العراقية لاطلاق احتجاجاتها مساء كل جمعة وقد حظيت مطالبهم بدعم المرجع الأعلى في العراق السيد السيستاني الذي دعا رئيس مجلس الوزراء حيدر العبادي إلى التمرد على الفساد والطائفية وأن يكون أكثر شجاعة وجرأة في قراراته الإصلاحية والضرب بيد من حديد على المفسدين وإبعاد كل مسؤول غير قادر على اداء مهامه مهما كانت طائفيته أو قوميته او حزبه.

واختزالاً للأحداث يمكن القول ان لا شيء من "الإصلاح" تحقق بعد هذا التكليف المباشر من النجف للحكومة سوى التنازع والتحارب والانشقاق بين الحزب الواحد والائتلاف الواحد، ما دفع السيد السيستاني إلى عدم عرض رأيه السياسي أسبوعياً في خطب الجمعة، منتظراً الضرورة التي لم تأت بعد.

إمساك المرجعية عن السياسة ولد مساحة من الفراغ سمحت لأطراف شيعية رئيسة ممارسة اللعب دون أن تتقيد بالنجف، فالمالكي والحكيم والصدر هم أضداد مرحلة جديدة سنكتشف لاحقاً من يتعاضد مع من على رجل واحد يبقى معزولاً إلى نهاية المطاف.

بعد فوات شهر كامل على ابتعاد السيستاني عن النصح السياسي، ظهر العبادي حاملا دعوة الكتل السياسية إلى أن تقدم مرشحين "تكنوقراط" لمناصب وزارية. قرأت أطراف سنية وكردية الأمر بأنه محاولة لجرهم إلى مواجهة مع آلاف الغاضبين الذين صاروا فيما بعد معتصمين حول الخضراء ومقتحمين لمؤسساتها، بينما ظلت القوى الشيعية تراوح بين دعم العبادي في حال عدم القفز على استحقاقاتها من التغيير أو شموله بـ "الإصلاحات الجذرية"، وكانت جماعة السيد عمار الحكيم ابرز من تمسك بهذين الشرطين بعد وقوع ثلاث قيادات رمزية تدير وزارات النفط والنقل والرياضة بـ"حرج الاستبدال".

الصدر والعبادي من يحرج من؟

في هذه الأثناء استعاد الصدر دوره الميداني ليفرض امام بقية قوى التحالف الشيعي نموذجا محددا من "الإصلاح" قدمه العبادي فيما بعد للبرلمان داخل ظرف مغلق، لكنه كان مفتوحاً امام وسائل الإعلام فتسرب منه 16 مرشحاً تم اقتراحهم من لجنتي العبادي والصدر لشغل وزارة "التكنوقراط" الجديدة. عادت بقية الأطراف لرفض هذا التوجه، فذهبت للتوقيع على مبادرة تكرس "التوازن" بينها سميت فيما بعد بوثيقة "الشرف" التي رعاها عمار الحكيم ووقع عليها اغلب المتصدين من القوى السياسية بضمنهم حيدر العبادي الذي كان قبل وقت قصير مندداً بالمحاصصة ومستجيباً للصدريين! كان ذلك بين (1 نيسان – 26 نيسان 2016).

الصدر وأنصاره نجحوا في كسب الوقت لصالحهم، واستطاعوا ملء ساحات الاحتجاج في بغداد بآلاف المتظاهرين وكسروا بذلك الفرصة التي كان من الممكن أن تتصرف بها الجماعات الموالية لإيران. كان الحساب في ذلك الوقت دقيقاً وحساساً، إلى درجة انه أضعف تجوال الفصائل المسلحة المنشقة عن التيار الصدري تحت مسميات منتمية الى هيئة "الحشد الشعبي" لأكثر من شهرين في العاصمة، بل يقال أن مكتب السيد السيستاني كان غير منفصل عن حركة الصدريين في بغداد ومطمئن بأن الأمور تسير باتجاهات لا تسمح للمالكي والفصائل المسلحة المتعاطفة معه من ركوب احباط المرجعية من السياسيين والعودة بنظام يجعله في الواجهة من جديد تحت لافتة المُصلح، لا سيما وأن فتوى "الجهاد" كانت تجربة قريبة استطاعت من خلالها الميليشيات ان تنفذ في مدن لا وجود لداعش فيها كالبصرة وبغداد والديوانية وميسان. لكن المرجعية استدركت الأمر أكثر من مرة بالدعوة الى إعادة تقييم المتطوعين والسيطرة عليهم من قبل المؤسسة الأمنية، فضلا عن حصر السلاح بيد الدولة.

كان الطريق متاحاً للصدريين أكثر من غيرهم لضرب المبدأ الذي تأسس عليه تمثيل الشيعة في النظام والذي يحتكر حزب الدعوة الاسلامية فيه رئاسة مجلس الوزراء، او على الاقل كان الصدر يستطيع سحب العبادي الى جانبه دون ان يبقى تابعاً للمالكي في تسلسله القيادي بالحزب، لكن ذلك لم يكن يسيراً ابداً، وكما يبدو من فيديو نشر على مواقع التواصل يظهر فيه العبادي مرحباً بمقتحمي المنطقة الخضراء، ان الرجل كان يتعامل برضى مع ما جرى إذا ما كان مُخططاً له. أما مشاهد ضرب نواب ومحاصرة سياراتهم داخل المنطقة المحصنة، فقد كانت تشكل استقطاباً لعواطف البغداديين الذين نفروا من بيوتهم يوم 30 نيسان 2016 لالتقاط السيلفيات مع اشجار وشوارع كانت تحجبها عنهم اجراءات حرس المنطقة وجدارها الكبير.

لقد جعلت تلك الاحداث الصدر وحيداً وملاماً من غالبية التيارات السياسية الشيعية، واقربهم اليه في التحالف وهم "المواطن" بزعامة السيد عمار الحكيم، صار ينظر للصدريين على انهم يريدون إجبار الآخرين بـ "التكنوقراط" على طريقتهم الشعبية.

صمت المرجعية مُحير؟

كل هذا يحصل والمرجع الأعلى لدى الشيعة يعيش فترة الصمت التي تحير الأتباع والخصوم، ويولد لديهم نوعاً من عدم الوضوح في المنهج الذي يسلكه، فكيف يمكننا تصور الوضع بعد ترقي النجف عن مخاطبة السياسيين ونقد ادائهم، متزامناً ذلك مع أسوأ ظرف اقتصادي تعيشه الدولة بسبب انخفاض اعتماد المنطقة على النفط، وتبدد الموازنات المليارية بشبهات الفساد، وترهل موظفي القطاع الحكومي دون ناتج ايجابي، بل أن غالبية منهم جاء إما عن طريق الرشوة أو الصلة الحزبية والعائلية أو كمكسب انتخابي؟.

التنقيب عن قناعات المرجعية في ما يجري ليس سهلاً، مع اتخاذ مكتبها في النجف "الصمت" عن الكلام لصالح أي طرف من الأطراف، لكن فترة اعتكافها عن السياسيين وان طالت فإنها لا تخفي رأيها في اشد الظروف وأكثرها تعقيداً. كما أن علينا ان نتذكر انها هي من قامت في 25 حزيران 2014 بحسم الامور بعد الرد على رسالة تلقتها من قيادة حزب الدعوة تطلب منها "الارشاد حول بقاء المالكي رئيساً للولاية الثالثة..؟"، وكان جوابها: "انني أرى ضرورة الاسراع في اختيار رئيس جديد للوزراء يحظى بقبول وطني واسع ويتمكن من العمل سوية مع القيادات السياسية لبقية المكونات لانقاذ البلد من مخاطر الارهاب والحرب الطائفية والتقسيم"..

فهل أضاع الدعاة ذاكرة الأيام وأحداثها، واضطراباتها، وانفعالاتها، التي بدأت مع أول رئيس لمجلس الوزراء منهم في 2005 ممثلاً بالدكتور ابراهيم الجعفري وصولاً الى الدكتور حيدر العبادي الذي ما زال غير منتبه بعد أنه من ممكن أن يكون آخر زعيم من الدعوة يتطلب ان تتخذ المرجعية قراراً سياسياً بحقه في حال تعمق الأحباط من تحسن الأمور على يديه؟

قد يظهر التحول لدى شيعة العراق في الأفق القريب، من النهج الذي كانوا يتمسكون به بعد 2003 وهو الإصرار على إحقاق حقهم في مسك الحكم، إلى النظرة باحتقار للتحالفات التي جاءوا بها عبر الانتخابات للتحدث باسمهم. وربما عكست الاحتجاجات حول المنطقة الخضراء مزاجاً صدرياً من خلال اعتصام زعيم التيار داخل المنطقة الخضراء في 27 اذار 2016، واظهرت نداءات جديدة ضد النظام المذهبي او "المحاصصة"، لكنها عبرت عن نهوض قوة سياسية – اجتماعية شيعية ضد شيعة الدولة الذين يشكلون طبقة وسطى تتمتع بمزايا عديدة، كشغل الوظائف في الحكومة، بعد ان كانت في السابق محسوبة على الفئات المضطهدة من نظام الدكتاتور، وتم استهوائهم بعد التحرير بتعويضات مالية وتوزيع الاراضي السكنية وتوفير فرص التعليم الجيد لها مع التقاعد طويل الأجل.

انه وضع يتطلب من الشيعة إعادة تعريف صورتهم، وتحديداً ارتباطهم بالجماعات السياسية بعد ان بني عليها ذهنية القلق من الحاكم غير الشيعي أو العلماني، وبالأحرى الذين اتخذ الاسلاميون منهم موقفاً عدائياً عزز مخاوف المجتمعات البسيطة وزاد من هواجسها تجاههم.