النَّجف.. فتوى الميليشيات وفتوى الدولة

داعش احتل الموصل. الحشد احتل العراق.


الميليشيات لا تلتزم بأوامر القوات المسلحة إلا عند استلام الأرزاق


مرجعيَّة النجف اعتادت التدخل في الأزمات دون التَّفكير بولاية كبرى أو سياسية


الجواهري في 1949: مستأجرينَ يُخرِّبون ديارَهمْ/ ويُكافَأون على الخرابِ رواتبا

أصدرت المرجعيَّة الدِّينية النَّجفية فتوى «الجهاد الكفائي» (13/6/2014) للتطوع في القوات المسلحة، ثم شرحت أنها لا تعني تشكيل ميليشيات خارجها. ومع صدور قانون مِن البرلمان بتشكيل الحشد الشَّعبي، إلا أن الميليشيات الولائيَّة لم تلتزم بأوامر القوات المسلحة، إلا باستلام الأرزاق من الخزينة العِراقيَّة. فمِن غير الاغتيالات وإطلاق الصَّواريخ، كان آخر ضحايا الولائيين طفلة عراقيَّة وعدد من الجرحى تأثراً بإطلاق سبعة صواريخ (17/11/2020).

نشأت الميليشيات الولائيَّة بالتوازي مع إعادة تنظيم الجيش العراقي (2003)، بعدها استغلت الموقف وأعلنت عن حشدٍ مستقلٍّ. كان وراء ترتيب ذلك قاسم سليماني، الذي قُتل فجر الجمعة، المصادف الثالث من يناير 2020، مع أبي مهدي المهندس، نائب القائد العام للحشد الشعبي، ومؤسس «كتائب حزب الله». ثم دُعيت الأحزاب والشَّخصيات السُّنَّية للاشتراك بألوية خاصة، وكذلك المسيحيون (100 شخص غير معترف به من قِبل الكنيسة) والشَّبك والتُّركمان. غير أن العنصر الأكثر والأهم في الحشد هو الألوية التي تُقلد الولي الفقيه الإيراني.

في تطور لاحق، أصدرت المرجعية الدينية بالنَّجف بيان إعادة هيبة الدَّولة، وهذا لن يتحقق مِن دون لجم تلك الميليشيات، وتعقب الفاسدين الكبار مِن مسؤولي الدَّولة السابقين والحاضرين.

يُعد هذا البيان بقوة بيان «الجهاد الكفائي» ضد «داعش»، فإذا كان اجتياح الموصل السَّبب وراء إصدار تلك الفتوى، فإن احتلال بغداد والمحافظات مِن قِبل الميليشيات والمسؤولين الفاسدين، سبباً لإصدار هذا البيان، الذي يُعد الأشد بلهجته لوقف الانهيار الكامل، وما يهدد وجود العراق كدولة، بتغذية الأزمات مِن الخارج، وقد لمحت المرجعيّة وهي تتحدث عن الميليشيات والفساد إلى هذا الخارج المدمر.

جاء في بيان المرجعية الذي صدر عقب استقبال مندوبة الأمين العام للأُمم المتحدة بلاسخارت (13/9/2020): أنْ تشرف الأمم المتحدة على الانتخابات، وتتوفر لها النَّزاهة الكافية كي تسفر عن مجلس نواب مؤهل لإخراج العراق مِن الأزمات. التأكيد على فرض هيبة الدَّولة، والسيطرة على المنافذ الحدوديَّة. تحسين أداء القوات الأمنية. عدم السَّماح بتقسيم البلاد إلى مقاطعات تتحكم بها الجماعات المسلحة، وهي ترتكب الخطف والاغتيال بلا رادع. أنْ تكون هناك خطوات استثنائية في مكافحة الفساد، وتسترجع من الفاسدين حقوق الشَّعب العراقي، مهما كان موقع الفاسد وأياً كان داعموه. الكشف عن الذين قاموا بأعمال إجراميَّة، وعمليات الاغتيال الأخيرة. إجراء العدالة ضد هؤلاء يبقى مطلباً ملحاً. الحفاظ على السيادة الوطنية، ومنع خرقها وانتهاكها والوقوف بوجه التدخلات الخارجية في شؤون البلد.

بعد أيام مِن بيان المرجعية، لإعادة هيبة الدَّولة، اعترض الخارج المقصود في البيان، على طلب النَّجف مِن الأمم المتحدة الإشراف على الانتخابات، جاء ذلك على لسان حسين شريعتمداري مستشار خامنئي ورئيس تحرير صحيفة «كيهان»، معتبراً الدَّعوة إفلاساً سياسياً (26/9/2020). كان سبب الاعتراض أنَّ انتخابات نزيهة وإدارتها بمهنية عالية، ستأتي ببرلمان لا يتحكم الخارج به. لذا يمكن تسمية هذا البيان بفتوى الدَّولة، ولا نقصد بذلك تشكيل دولة الولاية لمرجعية النَّجف، لكنَّ المرجعيَّة اعتادت التدخل في الأزمات، مِن دون التَّفكير بولاية كبرى أو سياسية، فكلُّ ما جاء في البيان، والفتاوى والخطب السَّابقة، تؤكد أنها مع دولة مدنيَّة، لا ترضى بها الأحزاب الدِّينية، فعلى الحكومة إذا كانت جادة في إعادة هيبة الدَّولة عدم ضياع الفرصة.

أمَّا الممتثلون والمجندون للخارج، بينما أرزاقهم مِن خزينة العِراق، فليس أبلغ مِن محمد مهدي الجواهري (ت1997) تعبيراً: «مستأجرينَ يُخرِّبون ديارَهمْ/ ويُكافأون على الخرابِ رواتبا» (قصيدة الوتري 1949)، فواقع الحال أرزاق الميليشيات الولائية مِن الخزينة العاجزة عن دفع رواتب موظفيها، وكان آخر ضحاياه- مثلما تقدم- طفلة ولدت في ظل التَّنمر الفظيع لتلك الجماعات.