الهروب الى الافادات... حين تتحول الشهادة الرسمية الى ضحية جديدة للاستنزاف السياسي
في ذروة الكيديات والمناكفات السياسية التي تدور اليوم في لبنان حول مصير امتحانات الثانوية العامة، يقف عشرات الآلاف من الطلاب أمام معركة صامتة لا تقل ضراوة عن الحرب التي نشهدها، وهي معركة الصمود للدفاع عن حقهم في امتحان رسمي عادل يحمي تعب سنواتهم ويؤمّن عبورهم نحو غدٍ يملكه هم، لا التوازنات السياسية.
ومع انقسام الآراء بين مطالب بالإلغاء كلياً ومنح إفادات ترفيع استثنائية، وبين متمسك بإجراء هذا الاستحقاق الوطني، يظهر أمامنا سؤال جوهري يطرح نفسه متجاوزاً الشأن التربوي التقني ليدخل في عمق السياسة اللبنانية العقيمة: هل نُعالج الظلم الواقع على شبابنا بالهروب إلى الأمام واستسهال تجهيل الأجيال، أم أن هذا الإلغاء هو طعنة جديدة لجيل يُراد له أن يدفع منفصلاً فاتورة انهيار لم يصنعه؟
فلا أحد ينكر، ولا يمكن لأي متابع أن يتجاهل، حجم الكارثة الإنسانية والتربوية التي يمر بها البلد، فالقصف المستمر والتهجير القسري في الجنوب، والبقاع، والضاحية الجنوبية لبيروت حوّلا عشرات المدارس والثانويات الرسمية والخاصة إلى مراكز إيواء للنازحين، وفرضا على آلاف الطلاب تعليماً متقطعاً عبر الشاشات، الأمر الذي عمّق الفجوة واللامساواة التعليمية بين المناطق. ولكن، من المسؤول الفعلي عن هذا الواقع؟ فالقوى السياسية نفسها التي أهملت البلد وأسهمت بخياراتها وحساباتها الإقليمية في زج البلاد في آتون هذه الصراعات، تعود اليوم بكل بساطة وبلا خجل لتطالب بإلغاء الامتحانات بحجة الظروف الإنسانية التي صنعتها قراراتها. وكأن المطلوب من الطالب اللبناني أن يدفع الثمن مرتين، مرة عندما تعطلت حياته واستقراره وأمنه بفعل الحرب، ومرة ثانية عندما يُحرم من شهادة رسمية وطنية تُثبت جدارته الأكاديمية أمام العالم.
إن التسويق لفكرة إلغاء الامتحانات واستبدالها بالإفادات تحت غطاء إنساني هو في جوهره، ظلم مقنّع يهدد الأمن الاجتماعي والتربوي، فالشهادة الرسمية اللبنانية ليست مجرد ورقة بيروقراطية تصدرها الدوائر الرسمية، بل هي صمام الأمان الوحيد لتكافؤ الفرص، والمعيار الأخلاقي الأخير الذي يضمن ألا يضيع جهد طالب يرغب فعلاً في تأمين مستقبله رغم كل الظروف المحيطة، علاوة على ذلك، فإن قيمة هذه الشهادة تظهر بوضوح عند عتبات الجامعات الدولية في الخارج والتي باتت طوق النجاة الوحيد للشباب من الانهيار المالي والاقتصادي الذي نعيشه.
وحقيقة الأمر التي يعرفها أهل الميدان هي أن غالبية الجامعات العربية والأوروبية (ولا سيما في فرنسا وبريطانيا والدول الألمانية التي تستقطب الطلاب اللبنانيين) ترفض رفضاً قاطعاً الاعتراف بالإفادة الرسمية كبديل مكافئ للشهادة، وتعتبرها مبرراً لإسقاط طلبات الانتساب أو حرمان الطلاب من المنح الدراسية، مما يعني تبديد مستقبل جيل كامل لمجرد أن الدولة استسهلت الحل الإداري الأضعف.
العدالة التربوية لا تتحقق بالاستسلام لواقع الحرب وإلغاء أدوات التقييم، بل بمواجهة هذا الواقع عبر تدابير لوجستية مرنة تمتلك وزارة التربية والتعليم العالي كل الصلاحيات والقدرة على تطبيقها إن توفرت الإرادة السياسية الصادقة.
والخيارات هنا ليست نظريات، بل خطط طوارئ تمت مناقشتها بالفعل في اللجان التربوية، بدءاً من تقليص المناهج وحذف المحاور (وهو ما تم اقتراحه وتطبيقه في أزمات سابقة لتعويض الأيام الضائعة)، وتعديل آليات التصحيح لتراعي الضغط النفسي الحاد للطلاب، وصولاً إلى فتح دورات استثنائية متلاحقة ومخصصة للمناطق الأكثر تضرراً، فضلاً عن تأمين مراكز امتحانات بديلة في مناطق آمنة جغرافياً وتأمين خطوط نقل مجانية للنازحين. إن إلغاء الامتحانات هو الخيار الأسهل للسلطة للتملص من مسؤولية التنظيم اللوجستي، لكنه الخيار الأشد فتكاً بسمعة التعليم اللبناني وبمبدأ الجدارة الأكاديمية.
لقد تلقى القطاع التربوي في لبنان ضربات متتالية وممنهجة على مدار السنوات الأخيرة، بدءاً من تداعيات الانهيار الاقتصادي لعام 2019، والذي صنّفه البنك الدولي رسمياً كواحد من أشد ثلاث أزمات مالية في العالم منذ منتصف القرن التاسع عشر، مروراً بالانقطاع الطويل لعامين بسبب جائحة كورونا، وصولاً الى الحرب الحالية.
ورغم كل هذا التداعي في مفاصل الدولة، بقيت الشهادة الرسمية رمز الصمود المعرفي الأخير والهوية الثقافية لبلدٍ يعيش أزمات مزمنة. إن تحويل قرار الإلغاء إلى سابقة جاهزة للاستدعاء عند كل منعطف أمني يعني رسمياً إعلان انهيار التعليم الرسمي وتكريس الاستسلام كنهج عام للدولة.
إن هؤلاء الشباب الذين سهروا وتابعوا دروسهم عبر الشاشات الصغيرة وسط قلق النزوح ودوي الانفجارات لم يختاروا الحرب، ولم يشاركوا في صياغة المعادلات السياسية التي رهنت حاضرهم، لذا يجب ألا تتحول البكالوريا إلى ضحية إضافية من ضحايا العجز الإداري والمصالح الضيقة. حماية الامتحانات الرسمية هي المعركة الحقيقية للدفاع عن هوية لبنان المعرفية، وعن حق الأجيال الجديدة في غدٍ واضح الملامح، مبني على تعبهم وجدارتهم، لا على إفادات تُمنح كترضية مؤقتة عن وطنٍ يُسلب منهم كل يوم.