"الهمجية المقدسة" يواجهنا بزيف وخطورة تاريخنا

كتاب رامي يحيى يوجه دعوة مستترة للأدباء والمثقفين ألا يتركوا ساحة الدين لرجال الدين.


انتظار إصلاح الخطاب الديني وتنقية التراث على يد الأزهر هو مثل انتظار أن ينصح الجزار الناس بأن يصيروا نباتيين!


لسنا بحاجة إلى إصلاح الخطاب الديني ولكن إلى مراجعة عامة للتاريخ والفقه الإسلامي

بقلم: حامد عبدالصمد

أكثر ما يثير غضب شيوخ الأزهر ورجال الدين من السلفيين والإخوان هو تعرّض "غير المختصين" للتاريخ والفقه الإسلامي بالنقد والتفنيد. ولعل الهجوم الشرس على طه حسين وتوفيق الحكيم وفرج فودة ونصر حامد أبوزيد من قبل المؤسسة الدينية أصدق مثال على ذلك، حيث عاب رجال الدين على المنتقدين خوضهم في قضايا الفقه والتاريخ دون إلمام أو دراسة كافية حسب قولهم. 
نفس الشيء ينطبق على هجومهم الشرس على إسلام البحيري وطريقة تناوله لمشاكل التراث. فهم يدعون أنهم يقبلون نقد الدين إذا جاء من دارس متبحر في علوم الدين والفقه والشريعة. ولكن هذه أيضًا كذبة كبيرة. علي عبدالرازق كان أزهريًا متبحرًا في تاريخ الإسلام ونصوصه، ولكن كتابه "الإسلام وأصول الحكم" قوبل بهجوم شديد لأنه ينسف فكرة الخلافة الإسلامية من جذورها. ولا يوجد مثال واحد لتقبل الأزهر لنقد للإسلام حتى لو قائم على أسس علمية وتحليل منطقي. فالناقد من وجهة نظر رجل الدين الإسلامي إما غربي مستشرق كافر أو مسلم مرتد أو من الرويبضة أو الخوارج. مستحيل أن ينتقد إنسان الإسلام دون أن يكون حقودا غيورًا يضمر الكراهية للإسلام والمسلمين.     
في الحقيقة الأزهر ورجال الدين من الإخوان والسلفيين يعتبرون الدين تكية خاصة بهم لا يجوز لغيرهم الخوض فيها، وحتى من ينتقد الإسلام أو أجزاءً منه من داخل منظومة الأزهر يتم طرده من التكية، لأن التكية هي مصدر رزق المعممين ولأن قداستها هي مصدر قوتهم وجبروتهم. "والفلاح مابيقصش فرع الشجرة اللي هو قاعد فوقه". لذلك فإن انتظار إصلاح الخطاب الديني وتنقية التراث على يد الأزهر هو مثل انتظار أن ينصح الجزار الناس بأن يصيروا نباتيين! ربما لم يكن الأزهر هو الجزار ولكنه صاحب الزريبة الذي يربي المواشي ثم يأتي الجزار ويتسلمها منه للذبح. المشكلة هنا أن صاحب الزريبة يتبرأ من الجزار فور رؤية دم المواشي.

فكرة نقد الدين غير موجودة في الإسلام من الأساس. هناك فكرة الاختلاف في مسائل فقهية هامشية مثل نواقض الوضوء وعقوبة تارك الصلاة أو مضاجعة الموتى

فكرة نقد الدين غير موجودة في الإسلام من الأساس. هناك فكرة الاختلاف في مسائل فقهية هامشية مثل نواقض الوضوء وعقوبة تارك الصلاة أو مضاجعة الموتى أو الزواج من الأم أو نكاح البهائم، لكن فكرة المراجعة العامة للتاريخ وأصول الفقه غير مقبولة بالمرة. 
نحن لسنا بحاجة إلى إصلاح الخطاب الديني ولكن إلى مراجعة عامة للتاريخ والفقه الإسلامي. وبما أن هذه المراجعة لن تأتي أبدا من داخل المؤسسة الدينية فلابد لغير المختصين أن يدلوا بدلوهم فيها. ليس عليك أن تكون أزهريًا أو مؤرخًا كي تعي مشاكل الفقه والتاريخ. يكفيك أن تكون قارئًا جيدًا لديه منهجية بحث واضحة وقدرة على الربط بين النصوص والأحداث التي أدت إليها أو النتائج التي ترتبت على هذه النصوص. قد يكون عدم التخصص هنا نقطة إيجابية وليست سلبية في رؤية مشاكل التراث، فالباحث يحتاج مسافة بينه وبين ما يبحثه ويحتاج حيادية، بينما رجل الدين المتخصص ملتصق بالدين والفقه ومطالب بالدفاع عنهم في المقام الأول. هو أحيانًا مثل الثور معصوب العينين الذي يدور حول نفس الساقية وهو يظن أنه يقطع مسافات طويلة كل نهار. تراه يغوص في تفاصيل غير مجدية تقوده لسراديب وتفاصيل أخرى، وتنتهي به إلى ثقب أسود تختفي فيه الأسئلة ولا تظهر فيه سوى الردود المعتادة على كل انتقاد مثل "يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون". 
المنهج التحليلي يتطلب الشك في المسلمات، والشك في الإسلام رذيلة. البحث الحر لا يعترف بالخطوط الحمراء، والدين ورجاله يتمترسون بالخطوط الحمراء.   
كانت تجربة طه حسين فريدة من نوعها، حيث تجرأ أديب معروف للمرة الأولى في العصر الحديث على التاريخ المقدس ووضع علامات استفهام كبيرة حوله، ولكنه للأسف لم يصمد كثيرا أمام دعاوى التكفير وتراجع عن كتاب "الشعر الجاهلي". أيضًا بعض المناوشات بين رجال الأدب ورجال الدين التي جاءت فيما بعد حول مسائل بسيطة مثل جدل توفيق الحكيم والشيخ الشعراوي حول حديث الذبابة لم ترقَ لدرجة المراجعة. اكتفى الأدباء والشعراء بالتلميح فقط، ولكن هذا لم يحمهم دائمًا من الاتهام بالكفر، ولعل قضية رواية "أبناء حارتنا" لنجيب محفوظ، وقصيدة "شرفة ليلى مراد" لحلمي سالم، ورواية "وليمة لأعشاب البحر" لحيدر حيدر أصدق أدلة.  
ولكننا اليوم نشهد ثورة معلوماتية بكل ما تحمله الكلمة من معاني. كتب فرج فودة وسيد القمني وخليل عبدالكريم صارت متاحة على "النت" بالمجان. لم تعد أمهات الكتب الإسلامية حكرًا على مكتبات كليات الدراسات الإسلامية، بل صارت متاحة أيضا على "النت". 
قام بعض السلفيين مشكورين بطرح كل كتب التراث المهمة مجانًا على "النت" ظنًا منهم أن هذا سيجعل المسلمين يتفقهون في دينهم أكثر فيصيروا أكثر ورعًا.. ولكن كان لإتاحة هذه المصادر للعامة آثارًا عكسية حيث انكشفت عورة التراث التي كان رجال الدين يغطونها طوال كل تلك القرون. 
ظهر على الساحة أدباء مثل يوسف زيدان وحمدي أبوجليل ومحمد داود وراحوا يدلون بدلوهم في قضايا التاريخ والفقه. فيلسوف مثل أحمد سعد زايد يقوم بطرح نظرة عقلانية لهذا التاريخ، وشاب مجتهد مثل شريف جابر يقوم بهجوم مباشر على كل السرديات الإسلامية. ويحاول برنامجنا "صندوق الإسلام" أن يقدم أرشيفًا نقديًا كاملًا لكل القضايا الشائكة في التاريخ الإسلامي. وكلنا نعتمد في عملنا هذا على القارئ أو المشاهد كجزء من منظومتنا النقدية. فعلى عكس رجال الدين، نحن لا نقول للمشاهد هذه هي الحقيقة المطلقة اقبلها كما هي وإلا فعليك غضب الله والملائكة والناس أجمعين، بل نقول هذه قراءتنا للتاريخ وهذه هي المصادر فاذهب ومحص وقرر بنفسك.   
وها هو شاعر مثل رامي يحيى يدخل أرض المعركة ويقدم تصوره للأزمة التي نعيشها اليوم مع الإسلام في ضوء النصوص والتشريعات الإسلامية. أكثر ما أعجبني في هذا الكتاب هو لغته البسيطة التي لا تخلو من السخرية أحيانًا ولكنها لا تبخس القضية حقها.

الدين ليس شأنًا خاصًا

يقدم رامي يحيى أدلة دامغة أن داعش والقاعدة والإخوان هم أبناء شرعيون للفقه الإسلامي، وأن الأزهر هو الراعي الرسمي لهذه التوجهات. يوضح الكاتب أن فكر كل هذه الفرق متطابق، من حيث المرجعية ومن حيث نظرتها إلى العالم، ويختلف فقط في تحديد لحظة الحرب، ومن له حق إعلان الجهاد وإقامة الحدود. ويوضح يحيى أن الإرهاب ليس تشويها أو اختطافًا للإسلام ولكن نتيجة منطقية لنصوص وتاريخ هذا الدين. 
في مقالات شيقة حول التاريخ الأسود للخلافة والجهاد والحجاب وعلاقة الإسلام بالآثار يوضح رامي يحيى أزمتنا مع سلطة الماضي الذي لا يمضي، فبينما تجاوزت المجتمعات الأوروبية قدسية الدين والتاريخ وتقدمت، ترى أغلب الدول الإسلامية التي استعادت استقلالها من دولة الخلافة وقت تحللها ما زالت "متعثرة وجدانيًا في هذه الحقبة المظلمة من تاريخ الإنسانية". وبينما تقيم الدول المتقدمة تشريعاتها حسب ظروف العصر وعلى أساس مبدأ المواطنة، ما زالت بلادنا تناقش قضايا تشريعية يندى لها الجبين مثل نكاح البهائم وزواج القاصرات وإرضاع الكبير وتهنئة النصارى بأعيادهم، وما زال القانون يتدخل في أمور شخصية للمواطنين مثل الجنس والأكل والشرب.
يقوم رامي يحيى بعملية مسح سريع لحقب الخلافة المختلفة من راشدة لأموية ثم من عباسية لفاطمية وأيوبية، وكيف أن مقدسات المسلمين هي أكثر من عانى التدمير والتدنيس بسبب صراع الخلافات. فلم يتورع ولاة الأمر عن هدم الكعبة ولا حتى عن نبش قبر الرسول، ناهيك عن مئات الآلاف من ضحايا المسلمين في حروب أهلية باسم الخلافة، مات بعضهم ذبحًا داخل الحرم المكي نفسه. يسرد يحيى تاريخ الاغتيالات السياسية في الإسلام ويبرز الجانب القبيح من تاريخ الخلافة التي جلبت على المسلمين دمارا وحروبا أهلية لا تحصى.   
لا يكتفي رامي يحيى بنقد التاريخ الإسلامي ونصوصه بل يوجه نقده أيضًا للمواطن المسلم المعاصر الذي يمجد هذا التاريخ دون أن يعرفه، ويدعي أنه ضد العنف لكنه يتعاطف مع الفكر الجهادي، ويدعي أنه مع مبدأ المواطنة لكنه يقبل النصوص التي تفرق بين المواطنين على أساس العرق أو الدين، ويدعي أنه يقبل حرية المرأة وحرية الرأي لكنه يفشل في أول اختبار عملي لذلك. كما ينتقد يحيى نفاق وازدواجية المسلمين الذين يستفيدون من حرية الرأي والعقيدة في أوروبا فيبنون مساجدهم وينشرون دعوتهم بحرية لكنهم يرفضون الحرية حين ينتقد أحد النبي أو يرسمه كما أوضحت أزمة الرسوم الدنماركية. بل يتعرض رامي يحيى لمسألة غاية في الخطورة وهي تغلغل الفكر الديني المتشدد داخل عقول رجال الشرطة الذين يضايقون شارب الخمر رغم عدم تجريم القانون المصري للخمور ويضايقون غير المحجبة والمفطر في رمضان رغم أن الحجاب والصيام غير مفروضين بالقانون ويضايقون مثلي الجنس رغم أن الحرية الشخصية مكفولة رسميا في الدستور. 
وهنا تتضح أهمية هذا الكتاب لأنه لا يفند أساطير التاريخ الإسلامي فقط، بل يصفع وبقوة كل من يحاول الاختباء خلف ساتر الإسلام الوسطي ويلقي بكل اللوم على داعش. هذا الكتاب يواجهنا بزيف وخطورة تاريخنا، وزيف وخطورة حياتنا القائمة على هذا التاريخ، ويطالب كل من يقرأه أن يتخذ قرارًا بأي إسلام يؤمن وأي تاريخ يتبنى! هو كتاب يوجه دعوة مستترة للأدباء والمثقفين ألا يتركوا ساحة الدين لرجال الدين، فبما أن الدين ليس شأنًا خاصًا بعد، فعلى كل من لديه المعرفة أن يكون جزءًا من النقاش حوله.