الوجبات السريعة سجائر العصر

حراك طبي دولي يتصاعد للمطالبة بتصنيف الأغذية فائقة المعالجة كـ'مواد إدمانية' وإخضاعها لقوانين رادعة وضرائب عقابية مماثلة لمنتجات التبغ، بعد ثبوت مسؤوليتها عن 'وباء' من الأمراض المزمنة والسرطانات.

لندن - تصاعدت حدة التحذيرات الطبية الصادرة عن مراكز أبحاث دولية رائدة، من بينها جامعات "هارفارد" و"ميشيغان"، بضرورة إعادة تصنيف الأغذية فائقة المعالجة (UPFs) قانونياً وتنظيمياً لتُعامل معاملة "منتجات التبغ".

ويأتي هذا التحرك في ظل تزايد الأدلة العلمية التي تربط بين هذه الأغذية وبين سلسلة من الأمراض المزمنة الفتاكة، محذرة من أن هذه المنتجات صُممت كيميائياً لإحداث حالة من "الاستهلاك القهري" تشبه إدمان النيكوتين.

"كتيب قواعد التبغ": هندسة الإدمان الغذائي

أفادت تقارير نشرتها مجلة The Lancet الطبية ومنصة Bloomberg، بأن كبرى شركات الأغذية العالمية تتبنى استراتيجيات مشابهة لتلك التي استخدمتها شركات التبغ في القرن الماضي.

وأوضح الخبراء أن الجمع بين الدهون المكررة، والسكريات، والمواد المضافة الصناعية، يخلق ما يُعرف تقنياً بـ "نقطة الغبطة" (Bliss Point)، التي تثير مراكز المكافأة في الدماغ بشكل مفرط، مما يجعل الامتناع عنها أمراً يتجاوز قدرة الفرد على ضبط النفس.

نقطة الغبطة

وبحسب الدراسة التي تداولتها الأوساط العلمية هذا الأسبوع، فإن هذه الأغذية لا تُصنف كمواد غذائية طبيعية، بل كـ "مواد بيولوجية مخلقة" تؤدي إلى ارتفاع مفاجئ في مستويات سكر الدم وتغيير في كيمياء الأمعاء، وهو ما يرتبط ارتباطاً مباشراً بزيادة مخاطر الإصابة بـ 12 نوعاً من السرطانات، وأمراض القلب، والاكتئاب الحاد.

مطالب بتشريعات "ردعية" وضرائب عقابية

دعا ائتلاف من خبراء الصحة العامة عبر منصة The Guardian الحكومات إلى الانتقال من مرحلة "التوعية" إلى مرحلة "التنظيم القسري". وتتضمن المطالب المقترحة:

  1. الملصقات التحذيرية: وضع صور وتحذيرات صحية صريحة على أغلفة المنتجات فائقة المعالجة، مماثلة لتلك الموجودة على علب السجائر.
  2. القيود التسويقية: حظر كامل للإعلانات التي تستهدف الأطفال والقاصرين، ومنع رعاية الفعاليات الرياضية من قبل شركات المشروبات الغازية والوجبات السريعة.
  3. الضرائب الصحية: فرض "ضريبة إدمان" على المنتجات التي تتجاوز حداً معيناً من المعالجة الكيميائية، وتوجيه عائداتها لدعم السلع الغذائية الطازجة.

ردود الأفعال وضغوط "الغسيل الصحي"

في المقابل، تشير تقارير Milbank Quarterly إلى وجود مقاومة شرسة من "لوبي الأغذية"، الذي يحاول الالتفاف على هذه الضغوط عبر ما يُسمى بـ "الغسيل الصحي" (Health Washing)، من خلال طرح منتجات تحمل ملصقات "قليلة الدسم" أو "معززة بالفيتامينات"، وهي ادعاءات يصفها الخبراء بأنها مضللة وتهدف إلى تأخير التشريعات الرقابية الصارمة.

ومن المتوقع أن تبدأ منظمة الصحة العالمية (WHO) ووكالة الغذاء والدواء الأمريكية (FDA) مراجعات شاملة لتعريفات "المواد الآمنة" في الأغذية المصنعة قبل نهاية عام 2026، في خطوة قد تمهد الطريق لأكبر تحول في السياسات الغذائية العالمية منذ عقود.