الوحل المسمى هاشتاج

يعجز العقل عن تقبل مشاعر الابتهاج بموضوع الهاشتاج المسيء للمرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسي- (انتخبوا العر#). أمر مربك حقاً حين تصبح قمة النضال هي "تجاوز الخطوط الحمراء" و"كسر التابوهات" و"تحطيم الأصنام والآلهة" و"اختراق حواجز الصوت والضوء وكسر كل المعقول واللا معقول".

هذا النصر الوهمي والانحدار الأخلاقي الملحوظ لم يحدث من فراغ بل جاء على أنقاض عقود من الصمت، تحت وطأة وسطوة السلطة وقبضتها الأمنية الغليظة، التي تفتتت بعد ثورة فتحت البلد أمام الجميع طولاً وعرضاً بلا حاكم، وبلا أمن وبلا ضابط أو رابط، في وقت وجد الإعلام المصري تائهاً يبحث لنفسه عن صيغة وسط هذه المتغيرات الجديدة عليه، فلا هو بقى إعلام النظام، ولا هو أستطاع أن يكون إعلاماً للثورة، فحاول دون أرضية أن يصبح على الأقل إعلاماً للشعب، فصار نافذة عشوائية مفتوحة لأي شيء وكل شيء، خاصة وقد أصبح الناس أكثر جرأة واستعداداً لأن يتكلموا!

عقب سقوط نظام مبارك وخلال المرحلة الانتقالية للمجلس العسكري، كنا ننتقد ونتهكم ونسخر من كل شيء، حتى وصلنا لأبعد من حدود النقد إلى التطاول والشتم في أول رئيس مدني منتخب. نعم فعل البعض هذا كله بأريحية وشعرنا بنصر زائف، وتفرغ بالليل في ساعات الحظر للأكل والشرب والتحديق في الفضائيات، مستمتعاً توجيه سيل من السباب والشتائم، إلى جانب النقد والصراخ عبر الفضائيات والرسائل القصيرة الموجهة لشريط الأخبار بها، وكذا عبر الفيس بوك وتويتر، وأسكرتنا نشوة اسقاط جدار الخوف. وقتها شعرنا بأننا أجدع ناس، شعب الجبارين الذي أسقط نظامين، ويحاكم رئيسين ويتنمر على الرئيس القادم أي رئيس، حتى صار الأمر طبيعياً خلال ثلاث سنوات، حتى حدنا عن النقد الموضوعي المباح، وسقطنا في وحل مستنقع التردي اللفظي والأخلاقي، الذي يتم تداوله ليل نهار في البيت والشارع وأماكن العمل والخدمة، وجميع وسائل الإعلام خاصة علب الليل المسماة بالفضائيات وجميع مواقع التواصل الاجتماعي.

كنت قد رفضت تماماً استخدام مفردة الخرفان في وصف الإخوان المسلمين، وبالمثل أرفض وبكل شدة استخدام البذاءة نفسها مع المرشح الرئاسي عبدالفتاح السيسي، فالمواقف والمبادئ لا تتجزأ، بل تبقى كاشفة للتناقض والازدواجية، كما هي فاضحة للعقلية التبريرية مقابل العقلية النقدية، خاصة إذا أتت حملة (انتخبوا العر#) التي ملأت فضاء الانترنت ومواقع الفيس بوك وتويتر من خليط من الإخوان ومن يحترمهم - الذين لا يخفون فرحتهم وشماتتهم بهذا الهشتاج المسيء - وغيرهم ممن يرددون أفكارهم، أو حتى أولئك من غير الإخوان.

الإخوان تحديداً الذين رفضوا كل نقد أو تطاول على الرئيس مرسي مرددين قوله تعالى: "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول الا من ظلم"، متبوعاً بـتعففهم عن "السب" والفحش وإظهار الخبرة في استدعاء حديث النبي عليه الصلاة والسلام وقت اللزوم (لَيْسَ الْمُؤْمِنُ بِالطَّعَّانِ وَلَا اللَّعَّانِ وَلَا الْفَاحِشِ وَلَا الْبَذِيءِ)، وغير ذلك من طيب القول، باعتبارهم في خندق المظلومين والضحايا، ماذا حدث لهم؟ هل صار اللعن فريضة الآن، وبطولة ندعيها لنباهي العالم بأن الملايين يتبعون هاشتاج التويتر والفيس بوك (انتخبوا العر#)؛ وأية بطولة تلك حتى لو تابعه مليار وليس أكثر من مئة مليون حول العالم؟

أتفهم مرارات وعذابات هذا الفيصل، الذي مزق البلد بالميوعة وعرضها للهلاك؛ فعرض أنصاره للقتل والدمار والملاحقة والاعتقال والتجميد والوصم بالإرهاب، لكن المستغرب في المشهد العبثي الذي تعيشه مصر منذ ثلاث سنوات، أنه كما كان هناك من يعتبرون انتقاد الاخوان بالنسبة لهم كره للإسلام، فهنا أيضاً من يرون انتقاد السيسي بالنسبة لهم كره للجيش، وهذا منتهى الخلط والعبث؛ الذي قدر على المصريين أن يعيشوا ثنائية بغيضة من المر والأمر منه، السيئ والأسوأ، هذا الخلط البين بين مرسي والإخوان، السيسي والجيش، يجعلنا ندرك بمرارة أن الإخوان الذين وصلوا للحكم بعد عقود من العزلة، رفعوا فيها شعارهم "الإسلام هو الحل". وتلك كانت مغامرة ومقامرة كبرى جعلت الناس تنفر منهم بعد أقل من عام واحد على وجودهم في السلطة، لفشلهم وإفشالهم بأداء باهت يشبه المراهقة السياسية المصحوبة بكل أمراض القصور في الرؤيا والضحالة وضيق الأفق والرعونة والتخبط، وكلها أعباء على الدولة المصرية، ظهرت تجلياتها في إجراءات وقرارات تكتنفها من الأخطاء والخطايا الكثير، ويتم الاصرار علي بعضها والتراجع عن أغلبها، ما جعل الناس تفكر وتسأل نفسها: هل كان "الإسلام هو المشكلة" وليس الحل؟!

الآن أنفض المولد، وعقارب الزمن لن تعود للوراء لما قبل 30 يونيه 2013، وصارت معركة السيسي الإخوان حتى وإن أتت تحت مسمى هلامي هو الحرب على الإرهاب، هي سيدة المشهد ومنتهاه، وفق منطق السلطة القائمة منذ 3 يوليو 2013، وحتى أجل غير معلوم يحصد في وجهه العشرات والمئات من المصريين جنودا وضباطا، طلابا ومدنيين، أقباطا ومسلمين، في وقت تدير النخب البائسة وجحافل اللجان الإلكترونية هذا المشهد العبثي باللعن والتشويه وتحطيم المعنويات، الذي أراه اليوم محموداً ومرحباً به بل ومبرراً أكثر لدى بعض المخربين، وممثلي تيارات الإسلام السياسي والكيانات ذات المرجعية الدينية، وخليطا من الثوار والنشطاء والرافضين لحكم العسكر أصحاب مقولات «الثورة مستمرة» و«مكملين»؟!

هذا التناقض لا افهمه ولا اقبله ولا أستسيغه، خاصة وقد حول مصر والمصريين إلى قطيع بلا خلق ولا حياء أمام شعوب العالم أجمع، وهو الحال نفسه الذي حذرنا منه خلال سنة حكم الدكتور محمد مرسي، الذي أحسبه أكثر رئيس في العالم تعرض للإساءة والتطاول والتجريح، بعيداً عن النقد المنضبط المتعارف عليه!

من جانبي أدرك أن المولد قد انفض مبكراً وقبل شهور من إعلان السيسي ترشحه للرئاسة، وأرى أنه لا توجد انتخابات ولا معركة ولا تنافس ولا يحزنون، العملية صارت وضع يد، الكوميدي فيها أن الرئيس الفعلي للبلاد منذ 3 يوليو 2013م قرر أن يترشح لانتخابات الرئاسة!

ما أسهل الشتم والبذاءة المتبادلة بين كل الأطراف، هذا يروج لهشتاج (انتخبوا العر#)، وذاك يرد بهشتاج آخر (انتخبوا العر#..اللي شال العر#) وجحافل فضائيات السلطة القائمة تصرخ وتطالب بتعقب من يقف وراء حملة (انتخبوا العر#)، وداخلية السلطة تفقد صوابها وتردد في بيان أنها ستتعقب مصدر الهشتاج المسيء، والمحصلة صفر كبير لمصر وأخلاق المصريين، التي باتت محصورة خلال عامين بين ثنائية من الإسفاف وقلة الأدب حيال رأس الدولة ورئيسها (الخروف مقابل العر#)!.

وحتى نكمل اللعبة الهزلية في إهانة أنفسنا وبلدنا، وإهانة الاستحقاق الانتخابي - على عبثيته - دعونا لا نفيق أكثر لنواصل اللت والعجن في السيسي اللي ركب العجلة.. وحمدين اللي ركب الحصان.. وعنان اللي ركب الناقة وشرخ.. وخالد اللي ركب دماغه... ومخيمر اللي ركب القطار.. وهريدي اللي بيركب مراجيح وينط الحبل.. ومرتضى اللي ركب السي دي..، المهم أن نغرق في دوامة من النهب المنظم للعقل والوجدان والتفكير، ونتوه بالساعات في الرغي عبر الفضائيات التي تواصل العزف المتدني بامتياز، ومعها منصات التواصل الاجتماعي من فيس بوك وتويتر، لنقع في هوة سحيقة من الردة الأخلاقية، والتعطيل العمدي عن الفعل والعمل الجاد والبناء والمحصلة لا شيء!

البذاءة التي تستخدمونها اليوم، وكنتم بالأمس فقط ترفضونها وبحدة، جعلتنا أضحوكة العالم الذي بات يتلذذ بالفرجة علينا، خاصة الدويلات والممالك الصغيرة الشامتة في مصر أم الدنيا. أيها الطعان اللعان كفى ازدواجية وتناقضاً، كفى طاقة سلبية، اعد لملمة نفسك مرة أخرى واعترف بأخطائك التي أوصلتنا للمصيبة التي نحن فيها الآن، ولتصمت أو تترك التجربة الراهنة بما لها وما عليها لتتحدث عن نفسها.

إلى كل من لا يعجبهم مرشح ما لرئاسة مصر أياً كان أسمه وخلفيته، صمتم طويلاً وتشرذمتم وانقسمتم على أنفسكم شيعاً وطوائف لا حصر لها - أيام جولة الشياطين الثلاثة عشر - وتنازعتم على كعكة الوطن وكرسيه ففشلتم وذهبت ريحكم، وأنفض المولد وتبدد حلم الثورة وتبخرت مطالبها، فبدلاً ما أن تشتموا أي مرشح، كان الأولى أن تستميتوا خلف بديل تطرحونه، يروق لكم وتلتفون حوله، ببرنامج واضح لمصلحة هذا البلد ورفعته، تقنعوا به أنفسكم وغيركم وتتجنبوا تماماً أي مرشح "مش نازل لكم من زور"!