امرأة البابطين بين 'بوح البوادي' و'مسافر في القفار'

فما هي إلا جمال الوجود ** بما بان من سحره واستترْ

لقد حظي المنجز الشعري لعبدالعزيز سعود البابطين بمتابعة نقدية ذات قيمة، وقد تنوعت في مقاربيه لاختلاف مناهج التحليل وتعدد مراكز الاهتمام.

وأعترف بأن النص الشعري عنده حمّال أوجه متعدد، قابل لأكثر من قراءة دون المراهنة بالضرورة على النتائج اليقينية.

انطلاقًا من هذه القناعة، فإني سأجازف في هذه الورقة التقديمية المتواضعة، باقتراح وجوب النظر إلى متن الشاعر في كليته وشموله، باعتباره بنيةً تشكلها عناصر متماسكة بحيث يتوقف كل عنصر على باقي العناصر الأخرى، ويتحدد كل عنصر بعلاقته بتلك العناصر.

هذا الإجراء سيمكننا من تجاوز مشكلة فهم كل عنصر على حدة مما يؤدي إلى المس بتماسك النص العام، ويشوش على بنيته الدالة.

عناصر هذه البنية ثلاثة، هي: النسائي، والإنساني، والوجودي، هذه العناصر تتحامُّ فيما بينها، بحيث لا يمكن فهم أحدهما إلا في علاقته بغيره، كما أن كل عنصر من هذه العناصر متشكل هو أيضًا من عناصر جزئية صغرى، أو وحدات مفردة تسهم مع ما تدخل فيه من علاقات، في انبنائه هو أيضًا.

تأسيسا على ذلك فإن هذا الإجراء لن يقيم اعتبارًا لمفهوم التطور عند الشاعر باعتباره فارقًا بين مرحلتين موزعتين على الديوانين «بوح البوادي» و«مسافر في القفار» وإنما سنعتبره مجرد تجلٍ لتحول مؤقتٍ بالبنية الرئيسية المهيمنة.

كما سأنظر إلى هذه البنية باعتبارها معتمدةً على ثابت مرجعي هو حديث الرسول صلى الله عليه وسلم: «حبُبَ إلي من الدنيا، النساء والطيب، وجعلت قرَّةُ عيني في الصلاة» (الحديث في سنن النسائي ومسند أحمد).

ولن أدخل في موضوع وعي الشاعر بذلك أو عدم وعيه به، ولن أسأله ما دام النص الذي أواجهه هو ما يعنيني أولاً، وما دام هذا النص أحق بالإجابة ثانيًا.

وأشير في البداية إلى أن الرسول صلى الله عليه وسلم أحب النساء ولعل المقصود نساءه، لكمال شهود الحق فيهن لأن الحق لا يشاهد مجردًا عن المواد أبدا، لأن الله بالذات غني عن العالمين، وباعتبارهن مجلًى للنور الإلهي في أتمه، كُنَّ الموصلات إلى حب الله والتقرب إليه كما ذهب إلى ذلك البعض ومنهم ابن عربي.

كما أحب الطيبَ لما له من قوةٍ على فتح عتبات الروح، لاستجلاء الجمال الإلهي وحسن دلال مخلوقيه، إضافة إلى رمزيته للطهارة والفرحين الحسي والمعنوي.

والنساء والطيب كما اجتمعا في هذا الحديث اجتمعا في شعائر الحج إذ بعد رمي الجمرة، يحل للحاج ما حرم عليه، إلا النساء والطيب حتى يطوف بالبيت.

أما فيما يتعلق بالصلاة فالأمر فيها لا يحتاج إلى تعليل، لأن اعتبارها قرة العين (من قرَّ بمعنى سكن) يعني سكون حركتها من التلفت إلى الآخر وعدم الانشغال بشيءٍ آخر بعد حلول الغَرض، وهو السكون التام.

ومعنى ذلك أن ترتيب هذه العناصر مع مراعاة العلاقات فيما بينها تتويج لأداء حقوق العبودية، باعتبارها الدالة على صدق الحال وبلوغ الكمال، لأن الحب الإلهي امتداد لحب النساء، والطيب في انتشاره نشر للدفء الروحي وللفرح، والصلاة صلة تنعقد بعد تحول المرأة عبر الطيب إلى مرآةٍ، ينظر عبرها الرجل الى نفسه فيعرف وحدته في تعدده، وهويته في اختلافه.

ولقد فطن الشعراء الى ارتباط موضوع المرأة بالصلاة، وانقسموا الى فريقين فريق رأي جمال المرأة شاغلاً عن جلال الصلاة وفريق - منهم شاعرنا - رأى الجمال وجه للجلال وكاشف له.

نذكر من الفريق الأول مجنون ليلى حيث يقول:

أراني إذا اصليتُ يممت نحوها ** بوجهي وإن كان المصلى ورائيا

أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها ** أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا

كما نذكر مسكينا الدرامي في قوله:

قل للمليحة في الخمار الأسود ** ماذا فعلت بناسك متعبد

قد كان شمَّر للصلاة ثيابه ** حتى وقفت له بباب المسجد

أما في الجانب المقابل فنذكر من القدماء ابن عربي الذي بلغ الأمر به الى أن يوازي بين هيئة مباشرة المرأة، معتبرًا إياه سجودًا لها، والسجود في الصلاة باعتباره أشرف حالاتٍ للعبد (الفتوحات المكية - دار صادر 3/256).

وكان يرى أن الحب البشري مقدمة للحب الإلهي وذلك في قوله:

أدين بدين الحب أنَّى توجهتْ ** ركائبه فالحب ديني وإيماني

لنا أسوة في بشر هندٍ وأختها ** وقيس وليلى ثم ميّ وغيلان

يقول معلقًا: «الحب من حيث ما هو حب، لنا ولهم حقيقة واحدة، غير أن المحبين مختلفون، لكونهم تعشقوا بكونٍ، وإنا تعشقنا بعين، والشروط واللوازم والأسباب واحدة، فلنا أسوة بهم» (ترجمان الأشواق ص 44).

وبالعود الى المنجز الشعري لدى عبدالعزيز سعود البابطين فإنه لا يعوزنا الشاهد على ما ذهبنا إليه، لذلك فلن نتمحل في التأويل، فالنصوص مسعفة إلى حد كبير.

إن ثاني بيت في القصدة الإهداء من ديوان "بوح البوادي" يمثل بداية السفر في الحب النسائي المضمَّخ بطيب الورود الهادي إلى بسط السجود.

كما أن قصيدة «ثورة قلب» من ديوان «مسافر في القفار»، تمثل المحطة النهائية لهذا السفر، وأرى أن ما يتلو هذا الديوان من أشعار مهما كثرت، فلن تكون سوى أصداء لصوت هذه القصيدة:

يقول في الإهداء من ديوان «بوح البوادي» ص 5:

بوح البوادي أهديه لمن عَشِقَتْ ** صبًّا كواه النوى في أمسِنا وغد

إذ علمتني صنوف الحب طاهرةً ** كغيمة الصبح تسمو متعة الجسد

ويقول في قصدة «ثورة القلب» من ديوان «مسافر في القفار» ص 60:

لقد ثار قلبي على غيّه القديم ** وما كان قبلاً يثورْ

ورحت أحطم سجني وأتلو ** صلاة المتاب لرب غفور

أمد خيالي لجو الطبيعة ** تغمر نفسي بعطر ونور

ومما نلاحظ مبدئيًا أن الشاعر الثائر ذكر الصلاة، والصلاة ركن رئيسي، وذكر الطبيعة، والطيب جزء منها وهي ركن رئيسي وتجاوز ذكر المرأة، فهل كانت سجنًا له حطمه بعد طول انتظار؟!

لا أقول بهذا مطلقًا، فتاء التأنيث التي أعربها القدماء ساكنه، هي عنده متحركة في محل رفع فاعل أيضًا، لكن في إطار عروجه وترقيه، ومجاوزته وتخطيه، تحولت عنده الأنوثة من غاية إلى بداية، من ناجزة إلى حافزة، من مرأة إلى مرآة.

وتحول المرأة إلى مرآةٍ لا يعني تنقيصًا من قيمتها، ففي المرأة نرى عيوبنا، وفي المرآة نرى الآخر الذي هو نحن، ونرى النحن الذين لسنا نحن.

والقلب نفسه قلب ما لم يتحول إلى مرآة، حينما تصبح مرآته مجلوةً، تعكس النور الإلهي الذي يمده بالسكينة واليقين، وينتسب بالحب الذي جعله يسع الخير والناس أجمعين.

وهذا ما عبر فيه الشاعر عبدالعزيز بقوله:

شعرت بأن كل الناس أهلي ** وأن وجودهم من وجودي

وأن الدهر يسعده ابتهاجي ** وأن الكون يرقص في قصيدي

(مسافر في القفار، قصيدة «لقاء» ص 31).

إن المرأة ولادَّة في شعره، وهو المستكفي بالله في ذكره، وتحت هذا العنوان يمكن قراءة قصيدته «رسالة إلى ولادة» (مسافر في القفار) ص 71.

المرأة ولادة في شعره من حيث كونها خلاقة ذات قدرة تغييرية على الطبائع والصفات، ونفخةٍ إيحيائية في العناصر والموجودات، لذلك انبنى على محورها جل شعر الشاعر عبدالعزيز البابطين.

والاعتراف بقدرة المرأة الخلاقة على التشكل والتشكيل قديم لكن الشاعر عمَّقه وسار فيه إلى منتهاه.

يقول ابن الملوح ملوحًا إلى هذا المعنى:

تكاد يدي تندى إذا ما لمستها ** وينبت في أطرافها الورق النضرُ

ووجهٍ له ديباجة قرشية ** به تكشف البلوى ويستنزل القطر

ويقول عبدالعزيز البابطين مكررًا هذا المعنى نفسه جامعًا بين المرأة والطيب:

يتثنى الغصن بقامته ** وشوق القلب تأوده

تجري الأطياب بعود الور ** دِ إذا ما مسته يده

هو في صحرائي واحتها ** وبليلي الداجي فرقده

(مسافر في القفار، قصيدة «جمرة الورد» ص 123).

ويقول أيضًا في قصيدة «يا حب» من نفس الديوان، ص 24:

تراقص الورد نشوانًا بطلتها ** وأمطر الغيث هتانًا يناغينا

ولعل من أول ما قيل في هذا المعنى، قول أبي طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم:

وأبيض يُستسقي الغمام بوجهه ** ثمال اليتامى عصمة للأرامل

وبين هذه المعاني جميعها نسب، ولقد أكثر الشاعر من طرقه، لأنه تجسيد عنده - كما سبق القول - لبنيةٍ مهيمنةٍ عناصرها المرأة والطيب والصلاة، أو النسائي والإنساني والوجودي.

يقول مؤكدًا هذا المعنى في قصيدته «اغتراب»، (مسافر في القفار، ص 20):

فما هي إلا جمال الوجود ** بما بان من سحره واستترْ

إذا ما مر في خاطري رسمها ** أرى كل ما أشتهي قد حضر

إن المرأة عند الشاعر عبدالعزيز البابطين تختزل فيها الزمان والمكان، وفيها طائر يطويهما مسافرًا في لمح البصر، كأن ذلك كرامة من كرامات المحبين، يقول:

لسوف أجمع أمسي، حاضري، وغدي ** فيك وأعشق في آفاقك السفر

وما أظن الشاعر سيبتدئ بهذه المبادرة لو لم يجدها قابلة لاحتواء الماضي والحاضر والمستقبل، ليسافر سفرًا واحدًا دائريًا بدايته هي عين انتهائه.

كما لا أظن أن الشاعر عبدالعزيز البابطين أراد لبيته أن يتناص مع بيت شوقي الشهير:

لا أمس من عمر الزمان ولا غد **جُمع الزمان فكان يوم رضاك

لأن الشاعر عبدالعزيز سافر من المرأة إلى المرآة باعتبارها مَجلىً للوجود كله، وباعتبارها ائتلافًا للمختلف، وسافر فيها عبر براق الطيب، إى بريق يثرب إلى بطحاء مكة، وثنيات المدينة، وبهذا المعنى يمكن فهم إعجابه بالصحراء وتفضيله لغة البوادي، وإلمامه بمعجم النور وألفاظ الغيث والسوق والحنين.

يقول الشاعر مختزلًا مختلف التقنيات، وموحدًا بين المتفرقات في قصيدة «لقاء من ديوان مسافر في القفار:

نساء الكون قد جُمعت بليلى ** فليلى كل غادات الوجودِ

أيا صحرائيَ امتلئي اخضرارًا ** وبالأشجار والأزهار ميدي

يقول أيضًا من قصيدة «روحان» من نفس الديوان، ص 76:

روحها روحي وروحي روحها ** نحن من قد ضم روحينا جسدْ

واقعٌ كذب من قال لنا ** إن روحين بجسم لا تجد

وهكذا إذا كنا استحضرنا البعد الصوفي في شعر البابطين لم نكن مغالين، وإذا اعتبرنا الحب البشري معبرًا للحب الإلهي لم نكن مبالغين.

لقد تلجلج الشاعر في "بوح البوادي" ثم تلجلج في "مسافر في القفار" لقد أخذ عن الحلاج شطرًا شعريًا هو روحها روحي وروحي روحها من قصيدته التي مطلعها:

يا نسيم الريح خبر للرشا ** لم يزدني الورد إلا عطشا

وأخذ عنه - وهذا هو الأهم - شطرًا روحيا، غايته سد ثلمة النفس وتخليصها من شريكها الذي باتت تعالجه وقد علق الجناح.

كان وقع الإلهام على الشاعر عبدالعزيز البابطين ثقيلًا في "بوح البوادي" فهرع إلى المرأة يتدير بها من القشعريرة ثم سكن الوصال، وصار المطلوب قريب المنال في "مسافر في القفار" لذلك خاطب القراء باعتبارهم إخوة موصيًا كأنه في حجة الوداع يتركهم على محجة الحب البيضاء: يقول في آخر قصيدة في الديوان:

فَمَوَدَّتِي وجَميلُ عَهْدي للأنا ** مِ، لِكُلِّ مَنْ يَرْعَاهُ مَنْ يَرْعَاكِ

هُمْ إِخْوَتي قد حُمِّلوا مَعْنايَ في الدْ ** ــدُنيا، كما قَدْ حُمِّلوا مَعْناكِ

يا حُزْمَةً من ضَوْءِ وَمْضٍ قد مَضَى ** اليَوْمَ أبْحَثُ عن مكانِ سَناكِ

ولأمر ما شاءت الأقدار أن تكتب هذه الوصية بفاس، كما وثقها الشاعر من العاصمة الروحية للمغرب، وحسبها شرفًا أيضًا أن تكون رحاب جامع القرويين ملهمة لعبدالعزيز سعود البابطين.

د. لويزة بولبرس ـ أكاديمية مغربية