انتهاكات البوليساريو في الصحراء إعلان حرب

خروقات الانفصاليين تعطي للرباط الحق في العودة إلى المنطقة العازلة

الرباط - اعتبر الباحث المغربي وأستاذ العلاقات الدولية بجامعة محمد الأول بوجدة (شرق)، خالد شيات، أن التطورات الأخيرة في منطقة الصحراء و"استعادة التواجد العسكري للبوليساريو في المنطقة العازلة هو بمثابة إعلان حرب ضد بلاده".

وقال شيات إن "هذا الخرق من طرف البوليساريو (الذي تنفيه الأخيرة) لا يخدم هذه المنطقة التي لا تحتاج إلى بلقنة وحروب جديدة".

والبلقنة مصطلح ظهر بعد حروب أهلية دموية شهدتها منطقة البلقان جنوبي أوروبا أشهرها حرب البوسنة (1992-1995) وصار مرادفا للتجزئة والانقسام والصراع.

وقبل أيام، اتهم المغرب جبهة البوليساريو بنقل مراكز عسكرية (خيام وآليات) من مخيمات تندوف في الجزائر إلى شرق الجدار الأمني الدفاعي (منطقة عازلة على الحدود الشرقية للصحراء تنتشر فيها قوات أممية).

واعتبر الخطوة "عملا مؤديا للحرب" و"خرقا لاتفاق وقف إطلاق النار"، يستهدف "تغيير المعطيات والوضع القانوني والتاريخي على الأرض"، وفرض واقع جديد على المغرب.

لكن المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوغريك رد على شكوى مغربية بهذا الخصوص بالقول إن "بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء المغربية (المينورسو) لم تلحظ أية تحركات عسكرية في المنطقة".

وردت الرباط بأن البعثة الأممية لا تستطيع مراقبة كل المنطقة بدقة، مقدما في الوقت ذاته أدلة عملية على انتهاكات البوليساريو وتحركاتها الرامية لفرض واقع جديد ومنها تصريحات قادة الجبهة الانفصالية واعلاناتهم المتكررة عن عزمهم نقل مقرات للمنطقة العازلة.

وأكد خالد شيات بصحة اتهامات المغرب لجبهة البوليساريو بشأن التحركات في المنطقة العازلة.

وعن أسباب هذا التطور الذي وصفه المغرب بأنه "جدي وخطير للغاية"، قال شيات "قد تكون هذه التحركات نتيجة مجموعة وقائع حدثت مؤخرا وقرأتها البوليساريو والجزائر قراءة خاطئة أو سليمة على كل حال".

وتابع "من تلك الوقائع تعيين جون بولتون مستشارا جديدا للأمن القومي الأميركي (تقول تقارير إعلامية إنه يدعم البوليساريو) ومنها زيارة السفير الأميركي بالجزائر جون ديدروشر لمخيمات تندوف (أواخر مارس/آذار)".

وأوضح أن "موقف واشنطن غير واضح في هذا الملف" وأنها "تعطي إشارات متناقضة، وقد يكون من بين أسباب هذا الموقف الضغط على المغرب في ما يتعلق بترشيحه لتنظيم كأس العالم 2026".

وخلال آب/اغسطس 2017، تقدم المغرب رسميا لدى "الفيفا"، بطلب استضافة كأس العالم 2026.

وينافسه على الفوز بتنظيم المونديال، ثلاثيا مشتركا قويا تقدمت به كل من الولايات المتحدة والمكسيك وكندا.

واعتبر الشيات أن التحركات الأخيرة بالمنطقة تعكس عدم رغبة البوليساريو في المسار الذي تريده الأمم المتحدة لحل الأزمة.

وتابع موضحا "البوليساريو تقول إنها تريد مفاوضات مباشرة مع المغرب، لكن الحقيقة أنها متمسكة بمسألة تقرير المصير ما يعني أن هذه المفاوضات إذا وجدت فستكون من أجل هذه الغاية فقط، فهي ليست مفاوضات بغايات آنية ولن تكون لها نتائج آنية وبالتالي فالبوليساريو ليست في حاجة إلى أي حلول سياسية من داخل مجلس الأمن والمتحدة".

وبدأت قضية الصحراء المغربية عام 1975، بعد إنهاء الاحتلال الإسباني وجوده في المنطقة، ليتحول النزاع بين المغرب والبوليساريو إلى صراع مسلح استمر حتى عام 1991، حيث توقف بتوقيع اتفاق لوقف إطلاق النار.

ويتمسك المغرب بأحقيته في إقليم الصحراء، واقترح كحل حكما ذاتيا موسعا تحت سيادته، بينما ترغب الجبهة الانفصالية في تنظيم استفتاء لتقرير مصير الإقليم وهو طرح تدعمه الجزائر التي تؤوي النازحين في تندوف.

وتشرف الأمم المتحدة على مفاوضات غير مباشرة بين المغرب والبوليساريو؛ بحثا عن حل نهائي للنزاع.

واعتبر المحلل المغربي أن "تحركات البوليساريو الأخيرة ليست جديدة ومنها ما هو موجود منذ سنوات وإن كان بطرق أخرى".

وأضاف "كانت تحركات البوليساريو في السابق على المستويات المدنية في المناطق التي تسميها هي المناطق المحررة حيث كانت أقامت فيها بعض المنشآت المدنية أو الأجهزة والإدارات، لكن الآن أصبح الأمر يتعلق بترتيبات استراتيجية للمعركة".

استعداد مغربي

وقال شيات إن الموقف الذي أعلن عنه المغرب طبيعي جدا، موضحا أنه "إذا كان الخطاب الذي توجهه البوليساريو للمغرب أنها على استعداد للحرب، فإن الرباط ردت بالمثل وأبرزت استعدادها لكل الاحتمالات وستدافع عن أراضيها وعن وضع هذه الأراضي التي انسحب منها سنة 1991، باعتبار أنها مناطق عازلة وتم وضعها للنفوذ التدبيري للأمم المتحدة".

وتابع "إذا كانت هذه هي الغاية من انسحاب القوات المغربية من المنطقة إلى خلف الجدار الأمني، فإن استعادتها عسكريا من البوليساريو هو بمثابة إعلان الحرب ضد المغرب".

ولفت إلى أن "عدم تعامل الأمم المتحدة مع هذا الوضع هو في حد ذاته تعزيز وتمكين لهذه الجبهة من هذه الإمكانيات الاستراتيجية وهذا لا يدخل ضمن دورها في مراقبة وقف إطلاق النار".

وشدد على أن تحركات الجبهة نحو المنطقة العازلة "تعد إخلالا بالاتفاقية التي وقعت بين المغرب والبوليساريو في إطار الأمم المتحدة لوقف إطلاق النار"، مشيرا إلى أن "عدم احترام طرف لالتزاماته الدولية يلزم الأطراف الأخرى بعدم احترامها وهو مبدأ منصوص عليه في القانون الدولي".

والخميس الماضي، حمّل المغرب الأمم المتحدة المسؤولية عن محاولات "البوليساريو" تغيير الوضع القانوني والتاريخي بالمنطقة العازلة.

وحذر الناطق الرسمي باسم الحكومة المغربية مصطفى الخلفي في مؤتمر صحفي عقده بالعاصمة الرباط، من أن المغرب "سيتخذ كافة الإجراءات المطلوبة واللازمة"، ما لم يتحرك المجتمع الدولي".

وأشار إلى أن الجبهة الانفصالية عملت مؤخرا "على إنشاء مبان عسكرية ونقل البنيات الإدارية لما يسمى بالجمهورية الصحراوية المزعومة إلى المنطقة العازلة".

والجمهورية الصحراوية هي التسمية التي يطلقها الانفصاليون على الكيان غير الشرعي الذي يحتجز آلاف الصحراويين في تندوف في ظل وضع انساني مزر، بينما تحظى أقلية بامتيازات نظير الولاء للجبهة.

وأضاف الخلفي أن الجدار الذي يحدد المنطقة العازلة شرقي الصحراء المغربية ما هو إلا منظومة دفاعية أمنية، وأن بلاده نقلت بشكل رسمي المسؤولية شرقي الجدار إلى الأمم المتحدة عام 1991، ما يلقي على عاتق الأخيرة مسؤولية ضبط الأوضاع في المنطقة.

تقويض مسار التفاوض

واعتبر شيات أنه بهذا الخرق تصير مسألة وقف إطلاق النار متجاوزة وسيكون على الولايات المتحدة أن تدبر الخلاف في مستويات أخرى بعدما كانت تريد تدبيره في مستوى التفاوض"، معتبرا في الوقت نفسه أن التطورات الأخيرة تكشف أن "البوليساريو تريد أن تقوض مسار التفاوض من أساسه وتفرض على الأمم المتحدة مسارات جديدة".

والوجه الإيجابي في كل هذا حسب المحلل المغربي، هو أن المغرب يبدي استعداده لكل ما يحتمله الأمر.

لكن السلبي في المقابل هو أن المنطقة لا تحتاج إلى بلقنة وإلى حروب جديدة خاصة وهي على بعد بضعة كيلومترات من أوروبا، فالحرب لن تكون فيها أية إيجابيات عموما بل كلها خسائر وعدم استقرار.

وختم شيات بالقول إن الخسارة الأخرى ستكون على المستوى المغاربي، حيث تكريس التباعد والتفرقة بين الدول المغاربية في وقت يسير فيه العالم نحو التكتلات.