انتهت الانتخابات العراقية وبدأت معركة النفوذ

القوى الموالية لإيران تسعى إلى تشكيل أكبر كتلة نيابية، ما يعكس توجسا من الاستقلالية المحتملة للسوداني بعد تصدره نتائج الانتخابات.
الإطار التنسيقي يخطط لرفع الغطاء السياسي عن السوداني
معركة ما بعد الصناديق تكشف عن تصدعات داخل البيت الشيعي
التنسيقي يسعى لتقزيم فوز السوداني الانتخابي وتحويله إلى نصر شكلي
نُذر تنافس سيؤدي إلى تأخير تشكيل الحكومة المقبلة

بغداد - مع طي صفحة الاقتراع العام في العراق، انطلقت فعلياً معركة ما بعد الصناديق، حيث تتسابق القوى السياسية لتأمين مواقعها في خريطة الحكم المقبلة. ويبدو أن الصراع هذه المرة لا يدور حول المقاعد فحسب، بل حول هوية المرحلة القادمة وموقع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني فيها، بعد أن أظهرت النتائج الأولية تقدمه اللافت. هذا التقدم أثار قلق القوى التقليدية داخل الإطار التنسيقي، التي تخشى أن يُترجم تفوق السوداني انتخابياً إلى مزيد من الاستقلالية السياسية، بما قد يهدد توازنات النفوذ داخل المعسكر الشيعي الموالي لإيران.

وتشير المعطيات إلى أن أطرافاً نافذة داخل الإطار التنسيقي بدأت تحركات مبكرة لإعادة ترتيب التحالفات بهدف سحب الغطاء السياسي عن السوداني، ومنعه من الظفر بولاية ثانية. وتستند هذه المساعي إلى قراءة ترى في صعود رئيس الوزراء خطراً على هيمنة القوى المرتبطة بطهران على القرار الشيعي، خصوصاً بعد أن حاول الرجل خلال ولايته الأولى رسم مسافة فاصلة بين الحكومة ومراكز النفوذ التقليدية.

وفيما يسعى السوداني إلى ترجمة تفويضه الشعبي إلى مشروع وطني متماسك، يبدو أن خصومه داخل الإطار عازمون على تقويض هذا المسار عبر بناء كتلة برلمانية جديدة تُعيد إنتاج التوازنات القديمة تحت شعارات "الوحدة الشيعية" و"الاستقرار السياسي".

صعد محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة عام 2022، بعد انسحاب التيار الصدري وجمود سياسي طويل، وذلك بدعم أساسي من الإطار التنسيقي نفسه. واليوم، وبعد تصدره نتائج الانتخابات بتحالفه الخاص، تحول من مجرد مرشح توافقي إلى قطب سياسي يمتلك ثقلاً انتخابيًا مستقلاً.

ويعكس سعي "التنسيقي" إلى تشكيل الكتلة الأكبر قلقاً عميقاً من استقلالية السوداني المحتملة في عهدته الجديدة. فالنصر الانتخابي يمنحه الشرعية لترسيخ نفوذه بعيدًا عن الإملاءات المباشرة للقوى الشيعية التي لطالما ضغطت عليه في ملفات اقتصادية وسياسية حساسة وذهبت إلى حد ابتزازه وتهديده بإقالته، ما يهدد قدرة الإطار على التحكم في مفاصل الدولة.

وفي تأكيد لخطوات المناورة، نقل موقع "شفق نيوز" الكردي العراقي عن قيادي في منظمة "بدر"، المدعومة من طهران، أن "قوائم الإطار التنسيقي حصلت على مقاعد تمكنها من تشكيل الكتلة الأكبر التي يقع على عاتقها تسمية رئيس الحكومة الجديدة، وليس بالضرورة أن تكون مع ائتلاف الإعمار والتنمية".

وتابع القيادي، في سياق السعي إلى تقييد حركة السوداني، أن هناك اتفاقاً داخل الإطار على أن أي من زعامات القوائم الرئيسية الفائزة لا يحق لها الانفصال عن التنسيقي، مضيفا أن "عدد المقاعد لن يحدد هوية رئيس الحكومة بل ما تتفق عليه القوى وفق ضوابط مهنية وقبول إقليمي ودولي وغيرها من الضوابط".

استغلال الثغرة الدستورية لتقزيم النصر

ويتمحور الصراع السياسي حول تفسير مفهوم "الكتلة النيابية الأكبر عدداً"، حيث لا تعني الكتلة أو الائتلاف الذي يفوز بأكبر عدد من المقاعد مباشرة بعد الانتخابات، بل هي التي تتكوّن وتُعلَن داخل البرلمان من خلال تجميع التحالفات والتوافقات بين الكتل الفائزة.

ويهدف الإطار التنسيقي إلى استغلال هذا التفسير الدستوري لـ"تقزيم" فوز السوداني الانتخابي وتحويله إلى نصر شكلي لا يترجم إلى نفوذ حكومي مطلق. وتتمثل خطة الإطار في جمع أكبر عدد من النواب من القوى التي خاضت الانتخابات منفردة، واستقطاب كتل أخرى، لتشكيل الكتلة التي يحق لها دستورياً ترشيح رئيس الوزراء.

ووفقاً للنتائج الأولية التي أعلنتها مفوضية الانتخابات، حصل ائتلاف "الإعمار والتنمية" على المرتبة الأولى في بغداد بـ411 ألفاً و26 صوتاً. بينما جاء حزب "تقدم" برئاسة محمد الحلبوسي في المركز الثاني بحصوله على 284 ألفاً و35 صوتاً، وحل "ائتلاف دولة القانون" ثالثاً بـ228 ألفاً و103 أصوات. ومن المرتقب إعلان النتائج النهائية بعد اكتمال فحص أي طعون خلال الأيام المقبلة.

وإجمالاً، قالت مصادر مقربة من "الإعمار والتنمية" إنه أصبح "الكتلة الأكبر"، مع عدد مقاعد قد يصل إلى 50، ما يمنح السوداني الأفضلية في التفاوض لتشكيل الحكومة المقبلة، بحسب النتائج الأولية.

وفي العراق، لا يستطيع حزب بمفرده تشكيل حكومة في مجلس النواب المؤلف من 329 عضواً. وهو وضع يدفع الأحزاب إلى بناء تحالفات، في عملية تستغرق عادةً شهوراً. وجرت العادة أن يكون رئيس الوزراء شيعياً ورئيس الجمهورية كردياً، ورئيس مجلس النواب سنياً، وفقاً لنظام محاصصة بين القوى السياسية النافذة.

مصير النفوذ الإيراني ومخاطر تأخير التشكيل

ويُدين الإطار التنسيقي بالولاء إلى طهران ويعمل على حماية مصالحها وتوسيع نفوذها، بينما يمثل فوز السوداني تحديًا مباشرًا لهذا النفوذ. وتعني محاولة القوى الشيعية تشكيل الكتلة الأكبر إصراراً على الاحتفاظ باليد العليا في صناعة القرار لضمان استمرار حماية المصالح الإقليمية.

ومن المنتظر أن تشهد الأسابيع القادمة "مساومة سياسية" حادة، حيث ستسعى الكتل الشيعية، بالإضافة إلى الكتل السنية والكردية، إلى التحالف لتجميع الأصوات. وسيحدد موقف هذه الأطراف ترجيح كفة الإطار أو كفة السوداني.

ويُتوقع أن تؤدي هذه المنافسة الحادة إلى تأخير تشكيل الحكومة وإطالة أمد المفاوضات، مما يهدد الاستقرار النسبي الذي شهده العراق مؤخراً، ويضع العملية السياسية في حالة ترقب وقلق.

من مرشح توافقي إلى قطب سياسي
من مرشح توافقي إلى قطب سياسي

وبفوز ائتلافه في الانتخابات البرلمانية التي أُجريت الثلاثاء، يواصل رئيس الوزراء صعوده السياسي ويجتاز محطة مفصلية في مسيرته وتطور القوى الشيعية في بلاده. وفي البداية، كان يُنظر إلى السوداني (55 عاماً) على أنه مجرد شخصية تنفيذية اعتمدت على التوافق، لكنه الآن أصبح المهندس السياسي وراء فوز ائتلاف "الإعمار والتنمية" في انتخابات شهدت مشاركة بلغت 56.11 بالمئة من الناخبين.

والأربعاء، أعلنت مفوضية الانتخابات حصول ائتلاف السوداني على 1.317 مليون صوت، ليتصدر نتائج 9 محافظات، بما فيها العاصمة بغداد، ليصبح السوداني قطباً انتخابياً ذا نفوذ مؤثر وحقيقي.

وعقب إعلان النتائج الأولية، قال السوداني في خطاب بثه التلفزيون "نبارك لكم فوز ائتلافكم بالمرتبة الأولى في انتخابات مجلس النواب".

خلفية أكاديمية وسجل حافل

ينطلق السوداني من خلفية أكاديمية، إذ يحمل درجتي البكالوريوس في الزراعة والماجستير في إدارة المشاريع، وبنى مسيرته على سجل حافل في الإدارة الحكومية.

انتُخب عضواً ثم محافظاً لمحافظة ميسان جنوبي البلاد (2005 - 2010)، حيث اكتسب خبرة مباشرة في الإدارة المحلية والخدمية. وشغل مناصب وزارية ذات طابع خدمي وإنساني، بينها وزير حقوق الإنسان ووزير العمل والشؤون الاجتماعية، إضافة إلى مناصب بالوكالة لوزارات حيوية مثل الهجرة والصناعة.

على مستوى التمثيل النيابي، فاز السوداني بمقعد نيابي لثلاث دورات متتالية (2014، 2018، 2021) عن ائتلاف "دولة القانون". وفي نهاية 2019، أعلن استقالته من "حزب الدعوة" وأطلق "تيار الفراتين"، ليبدأ مساراً جديداً نحو الاستقلالية السياسية.

غطاء شعبي وإنجازات تنفيذية

منذ تولي السوداني رئاسة الوزراء في أكتوبر/تشرين الأول 2022، تميزت فترته بالتركيز على الملفات التنفيذية والخدمية. وحقق إنجازات بارزة أهمها تحقيق استقرار مالي واقتصادي، إذ نجح في إدارة فائض الإيرادات النفطية بفاعلية، ووضع خططاً لتعزيز سعر صرف الدينار العراقي. كما أطلق مشاريع كبرى في قطاعات البنية التحتية والكهرباء والمشاريع الاستثمارية، ما أدى إلى تحسن محسوس في الخدمات العامة وتفعيل الحركة العمرانية في المحافظات.

وعلى المستوى الخارجي، عمل على ترسيخ التوازن في علاقات العراق الإقليمية والدولية، مع محاولة تعزيز دور بغداد كوسيط إقليمي. وينظر إلى السوداني كشخصية تتمتع بالنزاهة والقدرة الإدارية العالية، ويمنحه فوز ائتلافه غطاءً شعبياً واسعاً وقوة تفاوضية كبيرة.

بهذا الأداء خلال سنوات حكمه، انتقل السوداني من مرشح يحظى بالإجماع إلى قطب سياسي يمتلك أوراق ضغط انتخابية حقيقية. وأصبح لاعباً محورياً في تشكيل الحكومات المحلية، ومنافساً رئيسياً على ولاية ثانية في رئاسة الوزراء، على الرغم من التنافس المتوقع مع ائتلاف "دولة القانون" بزعامة نوري المالكي.

واشنطن تهنئ بنجاح الانتخابات وتؤكد التزامها بدعم العراق

وهنأ المبعوث الأميركي الخاص إلى بغداد مارك سافايا اليوم الخميس العراق بنجاح الانتخابات البرلمانية، وأكد التزام واشنطن بدعم البلد العربي.

وقال سافايا في بيان "أحيي جهود رئيس الوزراء محمد شياع السوداني وحكومته لحرصهم على إجراء الانتخابات في موعدها وبسلاسة"، معتبرا أن "هذا دليل واضح على أن العراق يسير في طريق الازدهار والسيادة"، وفق وكالة الأنباء العراقية "واع".

وتابع أن "الشعب العراقي أثبت مرة أخرى التزامه بالحرية وسيادة القانون وبناء مؤسسات دولة قوية"، مضيفا أن "الولايات المتحدة تبقى ملتزمة بقوة بدعم العراق وسيادته وجهوده في الإصلاح".

وعبَّر سافايا عن تطلعه إلى "العمل مع الحكومة المقبلة لتعميق شراكتنا الاستراتيجية في مجالات الأمن والطاقة والتنمية، والمساهمة في بناء مستقبل مستقر ومزدهر لجميع العراقيين".