انطلاق المرحلة الثانية من الانتخابات البلدية في ليبيا وسط ظروف صعبة

المفوضية العليا للانتخابات تؤجل الاقتراع في سبع بلديات إلى 23 أغسطس بعد الاعتداء على مكاتبها في زليتن والزاوية والعجيلات.

طرابلس - توجه الناخبون الليبيون، اليوم السبت، إلى صناديق الاقتراع للمشاركة في المرحلة الثانية من انتخابات المجالس البلدية، في خطوة تُعد بارقة أمل نحو ترسيخ الاستقرار في البلاد التي عانت من سنوات من الصراع والانقسام، ومع ذلك، لم تخل العملية الانتخابية من التحديات، حيث واجهت عراقيل أمنية وسياسية كشفت عن استمرار الهشاشة في المشهد الليبي.

وفتحت مراكز الاقتراع في الساعة التاسعة صباحا أبوابها أمام حوالي 380 ألف ناخب، ومن المقرر أن تستمر عملية التصويت حتى الساعة السادسة مساء.

وتستهدف هذه الجولة 48 بلدية ضمن المجموعة الثانية، لكن المفوضية الوطنية العليا للانتخابات أعلنت في بيان اليوم السبت عن إيقاف العملية الانتخابية في 13 مجلسا بلديا لأسباب أمنية.

وأوضحت المفوضية أن الاقتراع سيجرى في 26 بلدية فقط من أصل 63 بلدية كان من المفترض أن تخضع للعملية الانتخابية في هذه المرحلة.

وأرجعت المفوضية هذا القرار إلى "الاعتداءات السافرة" التي استهدفت مكاتبها في كل من زليتن والزاوية والعجيلات، مما أدى إلى تأجيل الاقتراع في هذه البلديات إلى 23 أغسطس 2025.

واعتبرت المفوضية أن هذه الاعتداءات التي طالت العملية الانتخابية عموما ومكاتبها الانتخابية على وجه الخصوص "ليست مجرد تعبير من قبل مجموعات لها مواقف من العملية الانتخابية"، بل هي "أجندة تتبناها قوى الظلام وعدم الاستقرار تلك التي ترى من مصلحتها تغييب الشعب وإبعاده عن دوائر صناعة القار".

كما اتهمت المفوضية الأجهزة الأمنية في الحكومة التابعة لمجلس النواب بإصدار تعليمات بوقف الاقتراع في 27 بلدية أخرى، مما يثير تساؤلات حول التنسيق بين مختلف السلطات.

وفي الأيام الأخيرة، تعرضت مكاتب مفوضية الانتخابات لهجمات من قبل مسلحين في مدن زليتن والزاوية على الساحل الغربي للبلاد، ألحقت خسائر بالمباني ومواد الاقتراع وأصابت شخصين بجروح.

ودعت المفوضية الناخبين والناخبات إلى التوجه نحو صناديق الاقتراع والتعبير عن اختياراتهم دون أي تأثير، مشيرة إلى أن "القوانين واللوائح الناظمة كفلت لكم حرية وسرية التصويت ولا مجال للتأثير على اصواتكم مهما بلغت حملات التضليل من افتراءات وإشاعات هدفها نشر السلبية ومقاومة الإيجابية في دولة يتطلع مواطنيها للخلاص من المرحلة الانتقالية التي طالت وطال معها معانة الوطن".

ورغم التحديات، شهدت العاصمة طرابلس انطلاق العملية الانتخابية في البلديات الكبرى وسط إجراءات أمنية مشددة، حيث أكدت مديرية أمن طرابلس في بيان لها عبر فيسبوك أن خطتها لتأمين العملية الانتخابية وُضعت بالتنسيق مع اللجنة المركزية للانتخابات، وتضمنت تغطية كافة مراكز الاقتراع لضمان سير العملية بسلاسة.
وأضافت المديرية، أنها رصدت عن طريق قسم الإعلام الأمني بمكتب العلاقات العامة، منذ الافتتاح، بدء توافد الناخبين على مراكز الاقتراع، وسط وجود أمني منظم وشامل لكل المكونات الأمنية التابعة للمديرية، بما في ذلك مراكز الشرطة والأجهزة الأمنية المعنية.

وأكدت المديرية أن خطتها لتأمين العملية الانتخابية وُضعت بالتنسيق مع اللجنة المركزية للانتخابات، وتتضمن تغطية كل مراكز الاقتراع، وضمان سرعة الاستجابة لأي طارئ، بما يعزز من ثقة المواطنين في المناخ الآمن لممارسة حقهم الانتخابي.

وجددت مديرية أمن طرابلس دعوتها إلى جميع المواطنين للتحلي بالوعي والمسؤولية الوطنية، والإسهام الإيجابي في إنجاح هذا الاستحقاق، بما يعكس صورة حضارية عن العاصمة وسكانها.

وعلى الصعيد الدولي، أعلنت إيطاليا، عبر سفارتها في ليبيا، دعمها الكامل والقوي للانتخابات البلدية، مشيرة إلى أن أي محاولات لعرقلة أو منع العملية الديمقراطية، بما في ذلك استخدام العنف، تعد مقلقة للغاية وتهدد قدرة الليبيين على اختيار ممثليهم المحليين بحرية ، وهو موقف يعكس أهمية هذه الانتخابات كخطوة أساسية نحو تحقيق الاستقرار في البلاد، بعد سنوات من الجمود السياسي.

لا يمكن فهم هذه الانتخابات بمعزل عن السياق السياسي المعقد في ليبيا منذ الإطاحة بنظام معمر القذافي عام 2011. شهدت البلاد منذ ذلك الحين عدة محطات انتخابية، منها انتخابات بلدية عام 2013 وانتخابات تشريعية في عامي 2012 و2014. لكن الأخيرة أدت إلى انقسام سياسي حاد بعد سيطرة تحالف الفصائل المسلحة على طرابلس، مما أجبر مجلس النواب المنتخب على الانعقاد في الشرق.

ورغم اتفاق الصخيرات عام 2015 الذي رعته الأمم المتحدة، استمرت الانقسامات بين سلطات الغرب والشرق في الاتساع، مما أدى إلى تأجيل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي كانت مقررة في ديسمبر 2021 لأجل غير مسمى.

هذا الجمود السياسي والنزاع المستمر يبرزان أهمية هذه الانتخابات البلدية كفرصة لإعادة بناء الثقة في العملية السياسية، حتى وإن كانت على المستوى المحلي.

كما شهدت ليبيا انتخابات محلية بين عامي 2019 و2021 في عدد محدود من البلديات.

وتظهر البيانات الصادرة عن المفوضية أن نسبة البلديات التي تمكنت من إتمام عملية الاقتراع هي 26 بلدية من أصل 63، أي ما يعادل حوالي 41 بالمئة فقط من البلديات المستهدفة، وهذه النسبة المنخفضة، التي تعكس تأجيل أو إلغاء الاقتراع في معظم البلديات، تؤكد أن التحديات الأمنية والسياسية لا تزال تمثل عائقا رئيسيا أمام أي عملية ديمقراطية شاملة في ليبيا.

من جهة أخرى، يشير إصرار المفوضية على استئناف العملية الانتخابية في بعض البلديات المتضررة، مثل الزاوية وصبراتة، إلى وجود إرادة سياسية لمواجهة التحديات وعدم الاستسلام للضغوط. ولكن تبقى المخاوف قائمة من أن يؤدي هذا الانقسام في نتائج الانتخابات إلى تعميق الشرخ بين البلديات التي تمكنت من إجراء الاقتراع وتلك التي لم تتمكن، مما قد يؤدي إلى مزيد من اللامساواة في الخدمات والتنمية.

وتمثل هذه الانتخابات البلدية خطوة هامة نحو اللامركزية وبناء مؤسسات محلية فاعلة، مما يمكن أن يكون نواة لسلام شامل ومستدام، فمن خلال تمكين المجالس المحلية، يمكن توفير الخدمات الأساسية للمواطنين بشكل أكثر كفاءة، وبناء الثقة في العملية السياسية من القاعدة إلى القمة. رغم ذلك، وبسبب التحديات الأمنية والسياسية التي أدت إلى تأجيل الاقتراع في العديد من البلديات، قد تظل هذه الانتخابات مجرد محاولة لتهدئة الأوضاع، إذا لم يتم حل الخلافات الأوسع بين الفرقاء السياسيين، إذ أن نجاحها يعتمد على مدى قدرتها على تجاوز الانقسامات القائمة وإرساء نموذج حوكمة فعال يمكن تعميمه على المستوى الوطني.