انفجار بيروت يترك جروحا غائرة في صحة اللبنانيين النفسية

أطباء ومعالجون نفسيون وعاملون بمنظمات أهلية يقولون إن ثمة زيادة كبيرة طرأت على أعداد اللبنانيين الذين يطلبون رعاية نفسية خلال العام الأخير إذ اجتمعت الأزمة المالية المتصاعدة التي تشهدها البلاد مع الانفجار وجائحة فيروس كورونا لتثقل كاهلهم.


آثار الصدمة تستمر بالنسبة لعشرة في المئة لسنوات

بيروت - كانت تاتيانا حصروتي تشعر دائما أنها في أمان في بيتها الذي يبعد بضعة كيلومترات عن مرفأ بيروت حيث يعمل والدها منذ عشرات السنين في صومعة الحبوب بالميناء.

غير أن الانفجار الكيماوي الهائل الذي وقع في الرابع من أغسطس/آب الماضي ودمر الصومعة أسفر عن مقتل والدها وقلب حياتها رأسا على عقب.

كان غسان حصروتي في غرفة العمليات يراقب تفريغ شحنة حبوب عندما انفجرت نترات الأمونيوم المخزنة دون مراعاة ضوابط الأمان بالمرفأ مما أسفر عن سقوط أكثر من 200 قتيل وتدمير مساحات كبيرة من العاصمة.

قالت تاتيانا (20 عاما) إنها كانت نائمة عندما حدث الانفجار وبدا لها أن المكان الذي تشعر فيه بالأمان اختفى كما غاب والدها الذي كان يمثل لها كل حياتها.

ورغم أن تاتيانا لم تُصب بأذى جسدي في الانفجار الذي خرب بيتها فقد شعرت على الفور بوطأته النفسية وسعت للحصول على دعم من أخصائي نفسي.

ويقول أطباء ومعالجون نفسيون وعاملون بمنظمات أهلية إن ثمة زيادة كبيرة طرأت على أعداد اللبنانيين الذين يطلبون رعاية نفسية خلال العام الأخير إذ اجتمعت الأزمة المالية المتصاعدة التي تشهدها البلاد مع الانفجار وجائحة فيروس كورونا لتثقل كاهل اللبنانيين.

قال الدكتور جورج كرم رئيس العلاقات العامة بمعهد التنمية والبحوث والدعوة والرعاية التطبيقية إن المركز الذي يوفر رعاية نفسية مجانية شهد زيادة عدد المرضى بنسبة 400 في المئة منذ نشبت الأزمة المالية في أكتوبر 2019.

وطلب عدد أكبر المساعدة في الأسابيع التي أعقبت الانفجار حيث كان 20 مريضا يتصلون يوميا بعيادة المركز.

وقال الدكتور كرم إنه لا يزال يرى ثلاثة مرضى على الأقل أسبوعيا يعانون من صدمة نفسية مرتبطة مباشرة بالانفجار.

وأضاف أن حوالي 90 في المئة من المرضى الذين عانوا من مثل هذه الصدمة يتحسنون بعد بضعة أشهر غير أن الآثار تستمر بالنسبة لعشرة في المئة لسنوات وأن تمويل العلاج المجاني بدأ ينضب.

وتابع أن المشكلة من الآن فصاعدا تتمثل فيما يجب عمله الآن في ضوء إدراك أن كثيرين مازالوا بحاجة للمساعدة.

كما لاحظت الزيادة نويل جوان مديرة برنامج للصحة النفسية في وحدة منظمة أطباء العالم بسهل البقاع والتي تقدم خدمات الرعاية النفسية أيضا.

فقبل الأزمة المالية والانفجار كان 80 في المئة من مرضى الوحدة من اللاجئين أو الأجانب، أما الآن فالأغلبية من اللبنانيين.

وقالت جوان إنه عندما يتلقى شخص ما ضربة فإنه لا يشعر في البداية بالألم لكنه يبدأ الشعور به بعد بضعة أيام.

أما بالنسبة لمن لا يتيسر لهم الحصول على خدمات الصحة النفسية المجانية ففي كثير من الأحيان يكون العلاج مدفوع الأجر بعيدا عن متناولهم لأن عددا قليلا من شركات التأمين يسدد مصاريفه.

وضع فظيع

أدى الانهيار الاقتصادي في لبنان إلى فقدان العملة الوطنية أكثر من 90 في المئة من قيمتها في أقل من عامين، الأمر الذي دفع بأكثر من نصف السكان إلى صفوف الفقر.

وقد حولت أزمات متصاعدة في السلع الأساسية بما فيها الوقود والدواء الحياة اليومية إلى صراع بالنسبة لكثيرين إذ لا تزال أماكن في بيروت تبدو وكأنها موقع انفجار قنبلة.

وقالت جوان إن الناس مصدومون ولا يعرفون لمن يلجأون ولا يرون ضوءا في نهاية النفق.

وكان لنقص الدواء أثره على المرضى النفسيين، إذ يحذر الخبراء من احتمال انتكاس مرضى واحتياجهم لدخول المستشفى.

وقال الدكتور كرم إنه استقبل 17 أو 18 مريضا في يوم واحد وكانت مشكلتهم أنهم لا يجدون الدواء وإن أكثر من نصفهم يتناولون نصف الجرعة للحفاظ على ما تبقى لديهم من الدواء.

ووصف هذا الوضع بأنه فظيع.

أما جومانا عمار إخصائية الصحة النفسية للأطفال والمراهقين بالمركز الطبي في الجامعة الأميركية في بيروت فقالت إنها عالجت أطفالا كثيرين خلال العام الأخير من أعراض مثل قلق الفراق والتبول في الفراش نتيجة للانفجار.

وأضافت أن مريضا في سن المراهقة تدهورت حالته عندما لم يستطع العثور على الدواء في الصيدليات.