انقسامات تهدد تماسك القوى الداعمة للجيش السوداني
أديس أبابا – يثير الانقسام الذي برز داخل التحالفات السياسية الموالية للجيش السوداني على خلفية المشاركة في اجتماع اللجنة الخماسية بأديس أبابا تساؤلات بشأن مستقبل الحاضنة السياسية الداعمة للمؤسسة العسكرية ومدى انعكاس ذلك على تماسك جبهة الجيش في مواجهة التحديات السياسية والعسكرية التي تشهدها البلاد.
وانطلقت الاجتماعات الاستكشافية الأربعاء، بدعوة من الآلية الخماسية التي تضم الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي وجامعة الدول العربية و"إيغاد"، في إطار مساعٍ لدفع الأطراف السودانية نحو تسوية سياسية تنهي الحرب المستمرة منذ أبريل/نيسان 2023.
وبرزت الخلافات داخل الكتلة الديمقراطية بعد إعلان مجموعة من قياداتها مقاطعة الاجتماعات اعتراضاً على دعوة تحالف "تأسيس" للمشاركة، في حين وصلت مجموعة أخرى تمثل 11 تنظيماً سياسياً للمشاركة في المشاورات.
وبرر الجناح الرافض للمشاركة قراره في بيان قال فيه إن موقفه يعود إلى مشاركة تحالف "تأسيس"، الذي وصفه بأنه الجناح السياسي لقوات الدعم السريع، معتبرا أن مشاركة التحالف في الاجتماع تمثل خلطاً بين المسارين السياسي والأمني.
في المقابل، أصدر الجناح المشارك في الاجتماعات بيانا ذكر فيه أن رئيس الكتلة جعفر الميرغني، الذي يقود التيار الرافض للمشاركة، كان على علم كامل بالترتيبات الخاصة بالمشاركة، وشارك مع بقية المكونات في إدارة الاتصالات والتنسيق مع الجهات المعنية.
وأضاف البيان أن الميرغني كان مطلعا على جميع القوى السياسية المشاركة في اجتماعات أديس أبابا، وأشرف على التعديلات النهائية اللازمة قبل إرسال الموافقة إلى اللجنة الخماسية، "ليصبح بذلك الوفد المشارك هو المعتمد رسمياً والمعبر عن إرادة مؤسسات الكتلة وقراراتها التنظيمية". مؤكدا أن الوفد الموجود حالياً في أديس أبابا "هو الوفد الرسمي الوحيد المفوض من مؤسسات الكتلة الديمقراطية للتفاوض مع اللجنة الخماسية وسائر الأطراف ذات الصلة".
ويأتي هذا الخلاف في وقت يسعى فيه الجيش إلى تعزيز شرعيته السياسية وتوسيع قاعدة داعميه داخليا وإقليميا، ما يجعل أي تصدع داخل القوى المؤيدة له عاملا مؤثرا في حساباته خلال المرحلة المقبلة.
وأكد القيادي في الكتلة الديمقراطية مبارك أردول أن المشاركة تأتي انطلاقاً من قناعة بضرورة الانخراط في أي جهد سياسي يسهم في إنهاء الأزمة السودانية، مشدداً في الوقت نفسه على رفض الجلوس مع تحالف "تأسيس" الذي وصفه بأنه المظلة السياسية لقوات الدعم السريع.
وأشار أردول إلى أن التطورات العسكرية الأخيرة تفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار الوطني، معتبراً أن السودان بحاجة إلى عملية سياسية تعالج تداعيات الحرب وتمهد لإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار.
ويعكس الانقسام داخل الكتلة الديمقراطية تباين الرؤى بين مكونات التحالف بشأن كيفية التعامل مع المبادرات الإقليمية والدولية الرامية إلى إيجاد تسوية للأزمة السودانية. فبينما ترى بعض الأطراف أن المشاركة في الاجتماعات السياسية تمثل فرصة للتأثير في مسار الحلول المطروحة والدفاع عن رؤية الجيش وحلفائه، تعتبر أطراف أخرى أن الانخراط في هذه المبادرات قد يؤدي إلى تقديم تنازلات سياسية غير مقبولة أو يمنح خصومهم فرصة لفرض أجندات لا تتوافق مع مصالحهم.
ورغم أن الخلافات الحالية تدور في الإطار السياسي، فإن استمرارها قد يؤثر بصورة غير مباشرة على تماسك الجبهة الداعمة للجيش. فالمؤسسة العسكرية تعتمد إلى حد كبير على شبكة من الحلفاء السياسيين والحركات المسلحة والإدارات الأهلية لتوفير الغطاء السياسي والاجتماعي لقراراتها، وأي انقسام داخل هذه المكونات قد يضعف قدرتها على التحدث بصوت واحد أمام المبادرات الدولية أو خلال أي مفاوضات مستقبلية بشأن إنهاء الحرب.
كما أن تباين مواقف الحركات المسلحة المنضوية في التحالف قد يخلق تحديات إضافية أمام الجيش، خاصة أن بعضها يمتلك قوات على الأرض ولديه نفوذ في أقاليم مختلفة من السودان. وإذا تطورت الخلافات السياسية إلى صراعات حول المصالح أو التمثيل السياسي، فقد يؤدي ذلك إلى إعادة رسم التحالفات القائمة وظهور اصطفافات جديدة داخل المعسكر المؤيد للجيش.
وفي حين يرى البعض أن الجيش السوداني لا يزال يحتفظ بتماسكه المؤسسي والعسكري، وأن الخلافات الحالية تتركز أساسا في الحاضنة السياسية أكثر من المؤسسة العسكرية نفسها. إلا أن استمرار الانقسامات وتوسعها قد يضعف قدرة الجيش على إدارة المشهد السياسي ويقلص هامش المناورة لديه في مواجهة الضغوط الإقليمية والدولية، خصوصا إذا تحولت الخلافات إلى منافسة بين الحلفاء حول النفوذ والمكاسب السياسية المستقبلية.
وبذلك، يشكل الانقسام داخل التحالف الموالي للجيش مؤشرا على تعقيدات المرحلة المقبلة في السودان، حيث لم تعد التحديات مقتصرة على المواجهة العسكرية مع قوات الدعم السريع، بل باتت تشمل أيضا الحفاظ على وحدة المعسكر السياسي الداعم للجيش وضمان استمرارية التوافق بين مكوناته المختلفة في ظل تباين الرؤى بشأن مستقبل العملية السياسية ومسارات التسوية المحتملة.
وفي معرض حديثه عن مستجدات قال إنها طرأت خلال الساعات الأخيرة، ذكر الجناح المشارك في بيانه أن "هناك مستجدات حدثت خلال الساعات الاثنتين والسبعين الماضية، لم تتضح طبيعتها للكتلة الديمقراطية أو الجهات التي تقف وراءها".
وكان قائد الجيش عبدالفتاح البرهان قد قال في خطاب وجّهه إلى الشعب السوداني بمناسبة عيد الأضحى، إن الترتيبات جارية لإطلاق حوار سياسي يتم من داخل السودان، زاعماً أن الشعب السوداني لن يقبل بنتائج أي مؤتمرات أو حوارات تُعقد خارج البلاد.
وتتسارع الجهود الدولية والإقليمية الرامية إلى معالجة الأزمة الإنسانية في السودان ودفع مسارات التسوية السياسية، وسط تحركات دبلوماسية مكثفة لتهيئة المناخ أمام عملية سياسية شاملة يقودها السودانيون بالتوازي مع تعزيز الاستجابة الإنسانية وحماية المدنيين.
ويضع الانقسام الذي برز داخل الكتلة الموالية للجيش اختبارا جديدا أمام اجتماعات أديس أبابا، في وقت تعمل فيه الأطراف الدولية والإقليمية لتهيئة الأرضية لعملية سياسية ذات مصداقية واسعة تهدف إلى إنهاء الحرب وإعادة الاستقرار إلى السودان.