انقسام المعارضة الايرانية يُطيل عمر النظام
طهران - بينما يغلي الشارع الإيراني بموجات احتجاجية غير مسبوقة، يبرز التساؤل الجوهري حول البديل السياسي؛ إذ لا تزال قوى المعارضة، رغم زخم الحراك، أسيرة انقسامات أيديولوجية عميقة وضعف في التنظيم الهيكلي داخل البلاد، مما يجعل المشهد مفتوحاً على كافة الاحتمالات.
وبعد مرور 47 عاماً على رحيل الشاه محمد رضا بهلوي عن العرش عام 1979، يتصدر نجله المقيم في الولايات المتحدة، رضا بهلوي، المشهد كأحد أبرز الوجوه الداعية لتغيير النظام عبر "العصيان المدني السلمي" والمطالبة باستفتاء وطني.
ورغم الشعبية التي يحظى بها بهلوي في أوساط الشتات، تظل قدرته على الحشد في الداخل محل تساؤل؛ فالديموغرافيا الإيرانية الحالية يغلب عليها الشباب الذين لم يعاصروا الحقبة الملكية. وبينما يداعب "الحنين إلى الماضي" مخيلة البعض، لا تزال ذكريات انعدام المساواة والقمع في عهد والده حاضرة في وجدان آخرين، فضلاً عن وجود انقسامات داخل البيت الملكي نفسه حول شكل الحكم المستقبلي.
منظمة مجاهدي خلق: القوة التنظيمية وعبء التاريخ
تمثل منظمة مجاهدي خلق مفارقة في تاريخ المعارضة؛ فهي جماعة يسارية قوية عارضت الشاه ثم اصطدمت بالجمهورية الإسلامية. وتواجه المنظمة "أزمة قبول" لدى قطاعات واسعة من الإيرانيين (حتى المعارضين منهم) بسبب وقوفها إلى جانب العراق خلال الحرب (1980 - 1988). وعلى الرغم من دورها المحوري في كشف البرنامج النووي الإيراني عام 2002، وامتلاكها ذراعاً سياسياً نشطاً في الغرب (المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية) بقيادة مريم رجوي، إلا أن حضورها الميداني داخل إيران يبدو خافتاً منذ سنوات. كما تلاحق المنظمة انتقادات حقوقية حول طبيعة إدارتها الداخلية واتباعها أسلوباً "طائفياً" في التعامل مع أعضائها.
الأقليات العرقية: جبهات الغضب المشتعلة
لطالما كانت المناطق الكردية (غرباً) والبلوشية (جنوب شرق) بؤراً للتوتر الدائم ضد المركز؛ نظراً للمظالم الاقتصادية والتمايز المذهبي (أغلبية سُنية). ففي كردستان تنشط حركات معارضة منظمة خاضت جولات من التمرد المسلح. وفي بلوشستان تبرز المعارضة عبر نفوذ رجال الدين السُنة المطالبين بحقوق أتباعهم، بالتوازي مع وجود جماعات متشددة مرتبطة بتنظيم القاعدة. ورغم أن هذه المناطق تشهد الاحتجاجات الأكثر ضراوة، إلا أنها تفتقر إلى قيادة موحدة تربط حراك الأطراف بحراك المركز في طهران، مما يقلل من تهديدها المباشر لبنية النظام الحاكم.
الحركات الاحتجاجية: من "الخضراء" إلى "المرأة والحياة والحرية"
شهدت العقود الأخيرة انفجارات شعبية كبرى، بدأت بـ"الحركة الخضراء" عام 2009 التي طالبت بالإصلاح من داخل النظام، وانتهت بوضع زعيميها مير حسين موسوي ومهدي كروبي تحت الإقامة الجبرية، وهي حركة توصف اليوم بأنها "خارج التأثير الفعلي". وفي عام 2022، اندلعت ثورة "المرأة والحياة والحرية" التي اتسمت ببعد اجتماعي وحقوقي عميق، ورغم استمرارها لأشهر، إلا أنها لم تنجح في إفراز قيادة سياسية أو تنظيم مؤسسي يقود الزخم الشعبي نحو تغيير هيكلي، لينتهي المطاف باعتقالات واسعة طالت رموزها.
وباختصار يمكن القول إن إيران تعيش حالة من "الانسداد السياسي"؛ فنظام الحكم يواجه تحديات عسكرية واقتصادية وجودية، ومعارضة تمتلك الزخم الشعبي لكنها تفتقر إلى "بوصلة القيادة" والوحدة البرامجية، مما يجعل الشارع هو الفاعل الوحيد في معادلة لا تزال مجهولة النتائج.