اهمّية معركة مأرب

لا يحتاج اليمن الى مجرّد اتفاق لوقف النار وإجراءات تسهل إعادة فتح مطار صنعاء بحدود معيّنة. يحتاج اليمن الى رفع ايران اليد عنه.


واشنطن لا تعي خطورة ما يدور في مأرب والاستشراس الحوثي من اجل السيطرة عليها


الإخوان المسلمون يمتلكون علاقات من فوق الطاولة ومن تحتها مع الحوثيين

لا يزال المكان المفضل الذي تردّ منه ايران هو اليمن. لا يتعلّق الموضوع بالعدوان المستمرّ الذي تمارسه الميليشيات الحوثيّة علي الأراضي السعودية فقط. هناك ما هو اهمّ بكثير في الوقت الحاضر، هناك الهجوم الذي يشنّه "انصار الله" على مأرب. تسعى ايران الى فرض امر واقع لا عودة عنه في اليمن وذلك عبر انشاء كيان سياسي قابل للحياة للحوثيين. تريد كيانا يقع تحت سيطرتها الكاملة وذلك في ظلّ وجود إدارة أميركية ترفض الاعتراف بأهمّية اليمن بالنسبة الى "الجمهوريّة الاسلاميّة" ومشروعها التوسّعي من جهة واهتمامها بإيجاد تسوية لهذه الازمة بجوانبها المتعدّدة من جهة أخرى.

الأكيد انّ الجانب الإنساني يأتي في طليعة الأسباب التي تدعو إدارة بايدن الى طي صفحة الملفّ اليمني في وقت ليس سرّا ان المملكة العربيّة السعودية مهتمّة بدورها في إيجاد تسويّة ملائمة تساعد في تثبيت الاستقرار الإقليمي وذلك بعد اكتشافها مجدّدا مدى التعقيدات اليمنيّة وتشعباتها وتأثيرها على كلّ دولة من دول الخليج، في مقدّمها المملكة نفسها.

لماذا التركيز الإيراني على مأرب؟ يعود ذلك الى ان ايران تعتقد ان مأرب ذات موقع استراتيجي على الخريطة اليمنية والخليجية اوّلا. فضلا عن ذلك، توجد فيها آبار للنفط ومعمل كهرباء وسدّ قديم ذو تاريخ عريق أعاد بناءه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وافتتحه في العام 1986. مأرب مرتبطة ايضا بخط لأنابيب النفط يصل ما تنتجه من نفط بميناء الحديدة. بكلام أوضح، إنّ مأرب ضرورة لايّ كيان سياسي تابع لإيران في شمال اليمن.

هل تعي الإدارة الأميركية خطورة ما يدور في مأرب ولماذا كلّ هذا الاستشراس الحوثي من اجل السيطرة على المدينة والمحافظة كلّها؟ خسر الحوثيون الى الآن آلاف العناصر في هجماتهم المتكررة على مأرب، وهي هجمات تبيّن انهّا فاشلة. لكنّ من الواضح ان لديهم إصرارا ليس بعده إصرار من اجل دخول المدينة وإخراج "الشرعيّة" منها. يندرج ذلك في سياق إصرار إيراني على التفاوض مع الاميركيين والأوروبيين في شأن الملفّ النووي من موقع قوّة.

تعتبر ايران انّ اليمن ورقة من اهمّ اوراقها في المنطقة. في النهاية، قد تكون اليمن، الى جانب لبنان، احد انجح الاستثمارات الإيرانية، خصوصا انّه استثمار غير مكلفّ كثيرا وذلك بعد النجاح الإيراني في ادلجة الحوثيين وتحويلهم الى مبشرين دينيين لها ولـ"ولاية الفقيه" وليس مجرّد زيود يلتزمون معتقداتهم التقليدية المعروفة بالاعتدال والتسامح.  

 لدى المبعوث الأميركي تيموثي كيندرلينغ أسباب تدعوه الى التفاؤل والعودة الى المنطقة من اجل متابعة جهوده بغية التوصّل الى اتفاق يؤدي، اقلّه، الى وقف للنار في اليمن بما يسمح بمعالجة الجانب الإنساني من الكارثة التي يعيش في ظلّها هذا البلد. ثمّة فارق بين وقف للنار والذهاب الى ابعد ذلك. اذا كان كيندرليغ يريد الذهاب الى ابعد، أي الى تسوية شاملة، لن يمكنه ذلك من دون التركيز على نقاط معيّنة. من هذه النقاط:  

-لا يمكن التمييز بين الحوثيين وايران والدور الذي يلعبه "حزب الله" في اليمن منذ نحو 20 عاما في مجالات عدة.

- لا مجال للتوصل الى اتفاق متوازن مع الحوثيين في ظل موازين القوى الحالية. ثمة حاجة الى تبديل هذه الموازين. لعب فشل الحوثيين في السيطرة على مأرب والخسائر الكبيرة التي تكبدوها دورا في جعلهم يبدون بعض المرونة في المفاوضات الأخيرة التي جرت في سلطنة عُمان.

- نجح الحوثيون، نسبيّا، في القضاء على التركيبة القبلية في المناطق الشمالية من اليمن. هذا منعطف مهم لم يستطع كثيرون استيعاب مدى خطورته نظرا الى ان كلّ المعلومات المتوافرة عن اليمن قديمة وتعود الى مرحلة ما قبل 1994. كان الخليجيون في الماضي يمارسون نفوذا في اليمن عن طريق علاقات وثيقة اقاموها مع زعماء قبليين عدّة في مناطق مختلفة.

- اللافت في المفاوضات الأخيرة ليس مشاركة الاميركيين فيها فحسب، بل حصول لقاءات سعودية – حوثيّة مباشرة ايضا في غياب "الشرعيّة" اليمنية المدعومة من السعوديّة.

- ظهور عجز "الشرعيّة" التي على رأسها الرئيس المؤقت عبد ربّه منصور هادي الذي لا يستطيع الإقامة في أي مكان في اليمن، بما في ذلك مسقط رأسه في محافظة ابين الجنوبيّة. الرجل فاشل الى ابعد حدود ولا يمتلك أي صفات قيادية. لذلك من الضروري إعادة تشكيل "الشرعيّة" مع ضرورة اصلاح مؤسسة الرئاسة فيها تحديدا.

- من يسيطر فعلا على "الشرعيّة" هم الاخوان المسلمون الذين لديهم شبق الى السلطة والذين يعرفون ان عبد ربّه منصور لا يهتمّ سوى بمصالحه ومصالح المحيطين به.   

- الاخوان المسلمون يمتلكون علاقات من فوق الطاولة ومن تحتها مع الحوثيين. الجماعتان تلتقيان عند اسلمة الدولة. كلّ منهما على طريقته. لذلك، لا بدّ من التفكير منذ الآن في أنّ اليمن يجب ان يكون، بغض النظر عن الصيغة التي سيتم التوصّل اليها مستقبلا، دولة مدنيّة.

- من المفيد التفكير في إعادة تشكيل "الشرعيّة" واشراك قوى أخرى فيها. قد يكون مفيدا ايضا التساؤل عن الدور الذي يمكن ان يلعبه احمد علي عبدالله صالح، بعد رفع العقوبات الدوليّة عنه، في إعادة الحياة الى قسم من الجيش اليمني السابق. فما لا يمكن تجاهله ان احمد علي عبدالله صالح المقيم حاليا خارج اليمن والذي هناك انتقادات كثيرة لجموده وعجزه عن اخذ المبادرات، كان قائد "الحرس الجمهوري" الذي ضمّ في مرحلة معيّنة نحو خمسين الف عنصر موزّعين على ما يزيد على 20 لواء. من هذا المنطلق، قد يكون مفيدا فتح قنوات مع نجل الرئيس اليمني السابق الذي اصرّ الحوثيون على اغتيال والده عن سبق تصوّر وتصميم في الرابع من كانون الاوّل – ديسمبر 2017.

زيادة على ذلك، ان لدى احمد علي عبدالله صالح علاقة قويّة جدا مع رجال الاعمال اليمنيين الذين لديهم مواصفات رجل الاعمال العصري.

- قد يكون مفيدا أيضا فتح قناة مع طارق محمد عبدالله صالح الذي انشأ تنظيما سياسيا ويلعب حاليا دورا عسكريا.

- من الضروري محاولة المحافظة على اتفاق الرياض بين "الشرعية" والمجلس الانتقالي الجنوبي الذي يريد انفصال الجنوب. هذا الامر ضروري لابقاء وجود جبهة موحدة في مواجهة الحوثيين.

لا يحتاج اليمن الى مجرّد اتفاق لوقف النار وإجراءات تسهل إعادة فتح مطار صنعاء بحدود معيّنة. يحتاج اليمن الى رفع ايران اليد عنه. هذا ليس ممكنا في ظلّ المعادلة القائمة حاليا. وهذا يؤكد اهمّية معركة مأرب واهمّية عدم سقوطها في يد الحوثيين، أي في يد ايران.