ايران في مواجهة تركيا

حتى الآن تبدو المواجهة بعيدة بين ايران وتركيا، بل يحاول كل من الطرفين الايحاء بأن العلاقات بينهما سمن على عسل، وأن كل ما يجري في سوريا لا يمكن أن يغير من طبيعة تلك العلاقة. تدعم تلك الصورة الزاهية الاتفاقات الاقتصادية بين البلدين. فتركيا بحاجة للنفط الايراني الذي لايكلف نقله الشيء الكثير بحكم تجاور البلدين، ويخطط البلدان لرفع قيمة التبادل التجاري بينهما الى 30 مليار دولار سنويا، بينما وصلت قيمة التبادل التجاري مليار دولار خلال شهر نيسان/ابريل عام 2016.

وتتقاطع مصالح البلدين في كبح جماح الأكراد في سعيهم الذي لايهدأ لتحقيق طموحاتهم القومية في ايران وتركيا، فهناك ما يزيد عن 15 مليون كردي في تركيا، بينما يبلغ عددهم في ايران حوالي 8 مليون نسمة. وتنظر ايران بقلق لتصاعد التوتر في الأقاليم الكردية في الشمال الغربي ذات الطبيعة الجبلية المتاخمة لكردستان العراق. ولا يجب أن ننسى أن الدولة الكردية الوحيدة التي قامت للأكراد في التاريخ الحديث كانت في كردستان ايران وعاصمتها مهاباد، مما يضيف لمطالبات الأكراد الايرانيين القومية بعدا رمزيا تاريخيا واضح الدلالة.

وحتى نستكمل عناصر التقارب بين البلدين لا بد من الاشارة لبوادر نشوء تحالف أولي بين روسيا وايران وتركيا موجه لتعزيز دور البلدان الثلاثة في منطقة الشرق الأوسط في ضوء تراجع الدور الأميركي وعلى حساب ذلك الدور. وقد ظهر ذلك بصورة خاصة بعد فشل محاولة الانقلاب التركية التي ترددت الولايات المتحدة في ادانتها، بل اتهمت بالضلوع فيها بصورة غير رسمية، بينما وقفت كل من روسيا وايران بوضوح الى جانب الحكومة الشرعية.

هل يكفي ذلك كله للتغطية على عوامل الصراع الصامت بين تركيا وايران؟

على الأرجح فان انفجار مواجهة مكشوفة بين البلدين هو أمر مستبعد في المدى القصير، لكن ذلك لا يمنع من المواجهة بطريقة غير مباشرة مثلما يحدث حاليا بالفعل في سوريا.

لابد من استعراض لتاريخ العلاقة بين البلدين في محاولة فهم التموضع الاستراتيجي لكل منهما في المنطقة. فايران دولة كبيرة ذات تاريخ عريق، والامبراطورية الفارسية التي شملت اضافة لايران الحالية أجزاء من تركيا وروسيا وشبه الجزيرة العربية وبلاد الشام ومصر حتى شمال افريقيا وشرقا حتى الهند لا زالت حاضرة في الوعي الجمعي الفارسي، والحنين لاستعادة ذلك المجد لم ينطفئ عبر التاريخ وصولا للثورة الاسلامية الخمينية التي أعطت ذلك الحلم أداة مذهبية استعادت معها ايران دور الدولة القطب في المنطقة.

لقد كشف التورط الايراني الهائل في الصراع الدموي في سوريا كما في العراق عمق وجدية السعي الايراني لضم دول المنطقة الى شكل هيمنة شبه امبراطورية، وقد تم لطهران حتى الآن بالفعل الهيمنة على القرار السيادي لكل من العراق وسوريا ولبنان، حيث لم يعد بمقدور الحاكم في أي من تلك البلدان اتخاذ القرارات المصيرية دون موافقة طهران.

امتدت الصراعات بين الصفويين الذين أصبحوا حماة المذهب الشيعي وسدنته وبين العثمانيين الأتراك حماة السنة أكثر من ثلاثمئة عام من تاريخ معركة جالديران عام 1514 بين سليم الأول العثماني واسماعيل الصفوي حتى الحرب العثمانية- القاجارية 1821-1823التي انتهت بمعاهدة أرضروم بين محمود الثاني العثماني وفتح علي الصفوي ثم معاهدة أرضروم الثانية التي انتهت برسم الحدود بين تركيا وايران عام 1914.

من المعروف أن السلطان سليمان القانوني قد اضطر لفك الحصار عن فيينا عاصمة النمسا والانسحاب ليدرأ الخطر الصفوي عن العراق.

تركيا اليوم بزعامة حزب العدالة تحاول استعادة المجد العثماني بعد أن خرجت من القمقم، وأصبحت دولة صناعية تطمح ليكون اقتصادها قريبا الاقتصاد السادس عشر في العالم.

هذا الصعود الاقتصادي الكبير أسهم في ايقاظ الاحساس التركي بالدور الاقليمي المنتظر لتركيا، والتفكير بمجالها الحيوي الذي يبدأ من بلاد الشام.

وللمصادفة يختلط الشعور التركي بضرورة مد النفوذ نحو مجالها الحيوي بالشعور بأن أمنها القومي الداخلي أيضا يرتبط بنفوذها الخارجي ما وراء الحدود الجنوبية.

اذن ثمة صراع صامت بين ايران وتركيا على النفوذ في المنطقة، فان كانت تركيا مستعدة للتغاضي مرحليا عن النفوذ الايراني في العراق فهي غير ممستعدة بالتأكيد لرؤية سوريا واقعة تحت النفوذ الايراني.

بالمقارنة تبدو تركيا أقوى عسكريا واقتصاديا من ايران، ويبدو نظامها الديمقراطي أقرب لمتطلبات العصر في القرن الواحد والعشرين، كما يتيح لها الموقع الجغرافي التأثير والفعل بصورة أفضل اذ بينما تضطر ايران لتجميع الميليشيات من اللاجئين الأفغان ونقلهم بالطائرات للمطارات السورية فان تركيا قادرة على فتح حدودها مع سوريا وادخال قواتها العسكرية بكل عتادها دون عائق، كما أنها ليست بحاجة الى تشكيلات غريبة عن البلد بل هي قادرة على التحالف مع قوى عسكرية سورية تتمتع بدعم الأهالي المحليين وثقتهم.

لايمكن للنظام الايراني أن يكون مصدر الهام لشعوب المنطقة، فطابعه المذهبي الذي هو سر انتشار أذرعه العسكرية هو ذاته السد المنيع الذي يقف حائلا بينه وبين الأغلبية العربية، كما أن أعمال القمع الوحشية التي يمارسها بانتظام ضد التحركات الشعبية وكافة أشكال المعارضة تضعه في خانة الأنظمة السياسية الخارجة عن العصر والآيلة للانقراض.

لقد مرت مياه كثيرة في النهر منذ أن كان يظهر ذلك النظام باعتباره ثوريا مناضلا من أجل حرية الشعوب في وجه الطغيان الأميركي، واسلاميا يعمل لتحرير القدس ودعم المقاومة، ولم يبق من تلك الصورة التي تهشمت سوى ظلال باهتة تشبه تاريخ رجل انقلب من ثوري الى قاطع طريق.

وفي نظرة نحو المستقبل نرى أن مشروع الهيمنة الايراني يعاني اليوم من بداية الانهيار، وهو بوضعه الحالي يشكل عائقا حقيقيا أمام ايران ذاتها في دورها الاقليمي الذي يمكن أن تلعبه كواحدة من أهم دول المنطقة.