باحثان يثبتان تخبط وعشوائية أداء المؤسسات الصحفية المصرية

محرز حسين وخالد ذكي يؤكدان أن عملية تقييم الأداء داخل بعض المؤسسات الصحفية لا تأخذ الطابع العلمي المنهجي، بل تستند لمعايير شخصية.


مؤسسات محلية وإقليمية ودولية اجتهدت في صياغة أدلة مهنية وأخلاقية تتضمن مؤشرات لقياس وتقييم الأداء الإعلامي بوجه عام


أغلب المؤسسات الصحفية المصرية ليست لديها مؤشرات واضحة ومحددة قابلة للقياس يمكن الاحتكام إليها في تقييم أدائها المهني

المدقق لأغلب أوضاع المؤسسات الصحفية في مصر يجدها تعاني حالة من التخبط والعشوائية في أدائها المهني والاقتصادي والإداري، نتيجة تدني مستوى المعالجات التي تقدمها بعض الصحف بالتركيز على الإثارة، وعزوفها عن مناقشة القضايا الجادة، وتراجع مسئوليتها المهنية والمجتمعية تجاه المجتمع، فضلًا عما تعانيه من انخفاض عائدات الإعلان، وتراجع أرقام التوزيع، وارتفاع تكاليف الطباعة والإنتاج، والمنافسة الشديدة التي تواجهها مع وسائل الإعلام الإلكترونية، وجمود الفكر الإداري والتنظيمي وعجزه عن التطوير.
انطلاقا من هذه الرؤية كانت الدراسة المشتركة "تقييم الأداء الصحفي.. مؤشرات القياس ونماذج تطبيقية" للباحثين د. محرز حسين غالي ود. خالد زكي بكلية الإعلام جامعة القاهرة حيث أكدا أنه في ظل الإشكاليات السابقة التي باتت تهدد بقاء صناعة الصحافة واستمراريتها - ليس في مصر بل العالم العربي- تبرز أهمية تقييم الأداء المهني والاقتصادي والإداري للمؤسسات الصحفية بشكل مستمر، على نحو يمكن كل مؤسسة من رصد أوجه التميز والقصور في تحقيقها لأهدافها، إلا أن أغلب هذه المؤسسات - بحسب الدراسات والبحوث المعنية بتحليل اقتصاديات صناعة الصحافة - تفتقر لمؤشرات موضوعية ومحددة يمكن من خلالها قياس كفاءة أدائها، لا سيما في ظل افتقار كثير منها لوحدات ومراكز "الجودة"، المنوطة بالأساس بعملية تقييم الأداء المؤسسي ككل، سواء على مستوى أداء العاملين في إطار أقسامهم، أو أداء الأقسام في إطار السياسات العامة للمؤسسة، أو أداء المؤسسة في إطار التفاعل مع البيئة المحيطة بمتغيراتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

عدم إيمان بعض القيادات التحريرية بعملية تقييم الأداء، ومدى أهميتها للمؤسسات الصحفية، لا سيما في ظل الأزمات الاقتصادية التي تهدد صناعة الصحافة

وقالا إنه وفق مؤشرات تعتمد على الكفاءة والفعالية والإنتاجية وجودة المنتج، كما أن عملية تقييم الأداء داخل بعض المؤسسات الصحفية لا تأخذ الطابع العلمي المنهجي، بل تستند لمعايير شخصية تضعها القيادات لتقييم العاملين بالمؤسسات، ما يترتب عليه عدم موضوعية التقييم، حتى التقارير التي تصدرها النقابات والجهات المنوطة بتنظيم شئون الصحافة والإعلام مقصورة على مدى التزام الصحف بالمعايير المهنية والأخلاقية، دون التطرق لتقييم الأداء الإداري، وقياس كفاءة الأداء الاقتصادي، رغم أنه لا يمكن فصلهما بأي حال عن الأداء المهني، إضافة إلى أن الدراسات والبحوث لم تتوصل إلى مؤشرات محددة يمكن من خلالها تقييم الأداء الصحفي. 
جاءت الدراسة الصادرة عن دار العربي للنشر متضمنة عبر فصولها المختلفة أربع دراسات تطبيقية توضح الخطوات المنهجية والإجرائية لعملية تقييم الأداء الصحفي، وفق أسس علمية ومنهجية سليمة، ويوضح أهم الأدوات البحثية، والنظريات العلمية، والمناهج، ووحدات القياس، والآليات التي يمكن الاعتماد عليها في عملية تقييم الأداء، كما ضمت دليل مؤشرات متكامل نتاج تحليل 121 دراسة عربية وأجنبية، و12 مدونة مهنية وسلوكية، ومقابلات مع 21 قيادة صحفية، يساعد الباحثين والأكاديمين والقيادات الصحفية والجهات المنوطة بتنظيم شئون الصحافة والإعلام، في تقييم أداء المؤسسات الصحفية وفق مؤشرات علمية، واضحة، محددة، قابلة للقياس.
وضمت الدراسة خمسة فصول رئيسية، الأول يرصد ويحلل كفاءة أداء الجهاز التحريري بالصحف المصرية، والثاني يرصد التأثيرات المختلفة لتكنولوجيا الاتصال الحديثة على الأداء التنظيمي للمؤسسات الصحفية، والثالث يحلل محددات الأداء الاقتصادي للمؤسسات الصحافة، الرابع يعرض لقراءة نقدية لمقاييس تقييم الأداء الصحفي بمستوياته المختلفة المهني والاقتصادي والإداري في المدرستين العربية والأجنبية، والخامس: دليل مؤشرات تقييم الأداء الصحفي بمختلف مستوياته "المهني، الإداري، الاقتصادي".

الصحافة المصرية
دراسات تطبيقية

ويعد دليل مؤشرات تقييم الأداء الصحفي الذي ضمه الفصل الخامس إنجازا مهما للمؤلفين لاعتمادهما على رؤى ميدانية، وقد جاء عبر سبعة محاور رئيسية: مبررات إصدار الدليل – أهدافه - منهجية بنائه - التعريفات الإجرائية للمصطلحات الواردة فيه - مؤشراته - الجهات المستفيدة منه - الرؤية المستقبلية لكيفية تطبيقه على المستويين الأكاديمي والمهني. وقد جاء الدليل انطلاقًا من اعتبارات مهمة حددها المؤلفان فيما: 
أولا: رغم انشغال كثير من الباحثين في المدرستين العربية والغربية منذ فترات طويلة بتحليل وتقييم الأداء الصحفي، إلا أن الجهود البحثية في المدرستين، لم تسفر عن دليل مؤشرات متكامل يتم الاحتكام إليه عند تقييم أداء المؤسسات الصحفية سواء على المستوى المهني أو المستوي الإداري أو المستوى الاقتصادي، وهي النتيجة التي رصدها المؤلف عبر دراسة تحليلية لـ 121 دراسة عربية وأجنبية ركزت علي تقييم الأداء الصحفي خلال الفترة من 2000 حتى 2018.
ثانيا: اجتهدت مؤسسات محلية وإقليمية ودولية في صياغة أدلة مهنية وأخلاقية تتضمن مؤشرات لقياس وتقييم الأداء الإعلامي بوجه عام، والأداء الصحفي بوجه خاص، بعضها يرتبط بالاشتراطات المهنية لمزاولة الصحافة، وبعضها يرتبط بأخلاقيات الممارسة المهنية، إلا أن الإشكالية الرئيسية لها تبلورت في كونها لم تذكر إجراءات الوصول لهذه المؤشرات، وهو ما يشير إلى ثمة غياب المنهجية في إعدادها، ويؤكد أهمية تفنيدها، وعدم الاعتماد على مؤشراتها في الدراسات والبحوث الأكاديمية دون ضبطها وتحديدها وبناء مؤشرات فرعية لها، على نحو يمكن الباحثين من قياس وتقييم الأداء بكفاءة وفعالية، فضلًا عن اقتصارها علي مؤشرات تقييم الأداء على المستوي المهني دون المستويين الإداري والاقتصادي. 
ثالثا: أغلب المؤسسات الصحفية المصرية - حسب شهادات القيادات التي أجرى المؤلف معها المقابلات، ليست لديها مؤشرات واضحة ومحددة قابلة للقياس يمكن الاحتكام إليها في تقييم أدائها المهني، وأدائها الإداري، وأدائها الاقتصادي، بل قد تستند في بعض الأحيان لمعايير شخصية أو اجتهادات ذاتية من قبل القيادات لتقييم العاملين بالمؤسسات، ما يترتب عليه عدم موضوعية التقييم.
رابعا: أشار بعض أفراد العينة من الخبراء والقيادات الصحفية - ممن أجري معهم مؤلف الدليل مقابلات - إلى أن عملية التقييم – إن وجدت في بعض الصحف - فهي "موسمية"، حيث تهتم الصحف بتقييم داخلي لمحرريها ووضعها التنافسي والمالي لكن على فترات زمنية متباعدة، كما أنها جهود ذاتية من قبل بعض رؤساء الأقسام، وليست ذات طابع مؤسسي، مرجعين السبب في ذلك لعدم وجود مؤشرات موضوعية يمكن الاحتكام إليها عند التقييم، وعدم إيمان بعض القيادات التحريرية بعملية تقييم الأداء، ومدى أهميتها للمؤسسات الصحفية، لا سيما في ظل الأزمات الاقتصادية التي تهدد صناعة الصحافة.
خامسا: رغم أن الجهات المنوطة بتنظيم شئون الصحافة والإعلام في مصر، وعلي وجه التحديد، المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، يصدر تقريرًا موسعًا حول أداء وسائل الإعلام، إلا إنه يركز على مدى التزام الصحف بالمعايير المهنية والأخلاقية، دون التطرق لتقييم الأداء الإداري، وقياس كفاءة الأداء الاقتصادي بشكل تفصيلي، رغم أنه لا يمكن فصلهما بأي حال عن الأداء المهني.