باحثون عراقيون يناقشون الحرف والمهن الشعبية القديمة في مدينة الموصل

عرض: د. محمد نزار الدباغ
دراسة تاريخية معرفية

عقد مركز دراسات الموصل ندوته العلمية الثالثة والأربعين والموسومة (الحرف والمهن الشعبية القديمة في مدينة الموصل – دراسة تاريخية معرفية) على قاعة المنتدى العلمي الأدبي وقاعة الراحل سعيد الديوه جي في مركز دراسات الموصل، وذلك برعاية رئيس جامعة الموصل الأستاذ الدكتور أٌبي سعيد الديوه جي وبإشراف مباشر من الأستاذ الدكتور ذنون الطائي مدير مركز دراسات الموصل.

افتتحت الندوة بتلاوة آي من الذكر الحكيم ألقاها على مسامع الحاضرين الدكتور عبدالملك سليمان، ثم أعقب ذلك كلمة رئيس جامعة الموصل، وتلاها كلمة مدير مركز دراسات الموصل ورئيس اللجنة التحضيرية لإعمال هذه الندوة ومما جاء فيها:

"تعد مدينة الموصل من ابرز المدن العراقية التي تحفّ بها المهن والحرف الشعبية القديمة وتتمحور فيها، وقد عرف أهل الموصل منذ القدم وبشكل خاص في العهود الآشورية أهمية الاعتماد على الذات في صناعة متطلبات العيش والوسائل والأدوات التي تعينهم في قضاء حوائجهم البيتية والمعاشية. وشهدت الموصل خلال عصورها الإسلامية حركة هامة في تطور المهن والحرف الشعبية، التي أثرت على حركة الاقتصاد فيها بأنساق متعددة، فكثرت الأسواق وازدهرت صناعة النسيج والحياكة والصياغة وحرفة النقش بأنواعها مع تطور حركة التجارة الواسعة النطاق مع المناطق الشمالية بالمنتجات الوفيرة وزيادة الصادرات الزراعية والحرفية.

كما أن التطورات الاقتصادية التي شهدتها الموصل خلال العصور الحديثة وتحديدا في منتصف القرن التاسع عشر ألقت بظلالها على نماء الحرف والمهن فيها فتطورت الصناعات والتطريزات المذهبة بخيوط الذهب والفضة وصناعة السجاد والأسلحة والسروج كما ازدهرت فيها المدابغ والصناعات الجلدية ونتاج البارود المرافق لصناعة النحاس والقصدير مع تصاعد النشاط التجاري واتساع كمية التبادل مع الأقاليم المجاورة ثم وصلت التجارة إلى الصين شرقا وموانئ أوربا وساحل البحر المتوسط غربا كما أسهمت بعض الأسر الموصلية بتطوير الحرف حتى نجدها تسمى بأسماء تلك الحرف كعوائل الصائغ والدباغ والخياط والحجار وغيرها.

كما برز دور البنّاء الموصلي في تكريس أنماط العمارة الموصلية وبناء البيت الموصلي الشرقي. وبفعل التطور التكنولوجي وإدخال المكننة على العديد من الحرف والصناعات فإن بعض منها اندرس والآخر انكفأ والمتبقي آيل للانقراض. ولا بد من الإشارة إلى أن الحرف الموصلية على تنوعها اتسمت بدقة الصنع وجودة المنتوج مما اكسبها مصداقية في الأسواق العربية وحتى الأوربية وليس ادل على ذلك من وليس أدل على ذلك من ذكر العديد من الرحالة الذين وفدوا الى الموصل لقماش الموسلين الشهير في الأسواق العالمية.

إن الحديث عن المهن والحرف قابل للإسهاب والإفاضة وقد ضمت جنبات مدينة الموصل العشرات من الحرف والمهن المتعددة الخدمات، وعليه فأننا سنصغي إلى الأساتذة الأفاضل في بحوثهم العلمية منذ العهود الآشورية ثم الإسلامية حتى التاريخ والمعاصر كما ستتوصل الندوة إلى جملة من التوصيات التي تعمل على ترصين المهن والحرف والمحافظة على المتبقي منها في مدينة الموصل.

واستمراراً للتقليد السنوي الذي يكرسه مركز دراسات الموصل بتكريم عدد من اعلام ومبدعي مدينة الموصل فقد كرم عدد من الاساتذة والمبدعين في دورة التكريم الرابعة (2012) بدروع الإبداع مع الشهادات التقديرية عرفانا بعطائهم في تلاوين التخصصات وإثرائهم المشاهد: العلمية والفنية والثقافية والرياضية.

وقد ضمت الندوة محورين، أولهما: محور التاريخ القديم، مبتدأً ببحث د. لقاء جليل عيسى وحمل عنوان صيد الطيور عند الآشوريين، وبحث د. شيماء علي النعيمي وهو السماك في ضوء النصوص المسمارية والمنحوتات الأثرية في بلاد آشور، وجاء البحث الآخر بعنوان حرفة الخياطة في العصر الآشوري الحديث للمدرس المساعد وصال فيصل حمادي، وبحث حسنين حيدر عبدالواحد وجاء تحت عنوان صناعة الغزل والنسيج في بلاد آشور.

أما المحور الثاني من الجلسة الأولى فكان محور التاريخ الإسلامي وضم عددا من البحوث أولها بحث د. يوسف جرجيس جبو وهو بعنوان المهن والحرف في الحقب الاتابكية المتأخرة دراسة في النتاج الحضاري، وتلاه أزهار هاشم شيت ببحث حمل عنوان حرفة الغزل والنسيج في العهود القديمة والإسلامية، وبحث آخر للدكتورة مها سعيد حميد حمل عنوان حرفة الوراقة في الموصل منذ القرن الرابع وحتى منتصف القرن السابع الهجري، وضمت الندوة أيضا بحثين عن صناعة المعادن هما بحث للدكتورة هدى ياسين يوسف بعنوان صناعة التحف المعدنية في الموصل في العهود الاتابكية، وبحث وسن عبد المطلب حسن وحمل عنوان صناعة تكفيت المعادن في مدينة الموصل خلال العصر العباسي.

وبدأت أعمال الجلسة الثانية على قاعة الراحل سعيد الديوه جي في مركز دراسات الموصل برئاسة د. ميسون ذنون العبايجي، ومقررية د. محمد نزار الدباغ، وضمت محورين اثنين، الأول: محور التاريخ الحديث والمعاصر، وجاء بحث الباحث عبد الله أمين أغا في طليعة هذا المحور تحت عنوان مهنة الحصاد والبيدر مهنتان متلازمتان منقرضتان، تلاه بحث د. ميسون ذنون العبايجي وهو مهنة العبايجي في الموصل منذ منتصف القرن العشرين، وكذلك بحث د. عروبة جميل محمود، التنظيمات الحرفية في الموصل في اواخر العهد العثماني، وجاء البحث التالي بعنوان مهنة الدباغة في الموصل خلال العصور الحديثة للدكتور محمد نزار الدباغ، تلاه بحث عامر بلو إسماعيل تحت عنوان صناعة وتجارة النحاس في الموصل خلال القرن التاسع عشر، ونجد بحثا آخر للباحث علي عبدالله خضر وحمل عنوان صناعة الفخار والتنانير الطينية في الموصل خلال العصور الحديثة (حرفة الكوازين)، وهناك بحث حمل عنوان السقا من المهن المنقرضة للباحث عبدالجبار محمد جرجيس، وآخر بحوث هذا المحور جاء تحت عنوان المهن والحرف المنقرضة أو الآيلة للانقراض في الموصل للباحث محمد توفيق الفخري.

وثاني محاور الجلسة الثانية كان محور الأدب وعلم الاجتماع وضم أربعة بحوث أولها بحث بعنوان العدادة: بين دال المنطوق ومدلول الفعل (قراءة في نصوص مختارة من المأثور الموصلي) للدكتور علي احمد محمد، وجاء البحث الآخر للباحث عبد الرزاق محمود صالح بعنوان الطب الشعبي مهنة عائلية متوارثة في مدينة الموصل – دراسة ميدانية، وكذلك نجد بحثا حمل عنوان حرفة الصياغة قديما وحديثا في مدينة الموصل للباحثة مرح مؤيد حسن، وختام بحوث الجلسة الثانية كان للباحثة هناء جاسم محمد وحمل عنوان، الحرف الشعبية من وجهة نظر المجتمع الموصلي – دراسة ميدانية.

وخلصت الندوة بمجموعة من التوصيات وهي:

1. من الأهمية انتظام ذوي الحرف والمهن الشعبية في نقابات خاصة بكل مهنة أو حرفة.

2. يقع على كاهل النقابات ومنظمات المجتمع المدني في مدينة الموصل أعباء متابعة المنتج الحرفي وتحسين إنتاجه على أن يكون ذا محتوى تراثي.

3. ضرورة تفعيل السمات التراثية للمنتجات الحرفية واليدوية من خلال المهنيين والحرفيين كونه أحد عناصر الجذب السياحي والمعبر عن هوية وأصالة مدينة الموصل وأهلها.

4. التأكيد على قيام الجهات الصحية بلعب دورها الرقابي بوضع محددات وشروط على سلامة وملائمة المنتج الغذائي.

5. يمكن أن تساهم الحرف والمهن الشعبية في مدينة الموصل بالحد من ظاهرة البطالة عن طريق تنمية تلك الحرف وخلق فرص عمل وتسهيلات تمويلية لإقامة وإحياء العديد من المهن والحرف والتي تتناسب ومتطلبات السوق.

6. إن وجود الحرف والمهن التراثية والشعبية يستدعي الاهتمام بها عن طريق التدريب ومحاولة إدخال مفرداتها في المناهج التعليمية في المدارس الصناعية والمهنية وفتح أقسام متخصصة بذلك.

7. توظيف وسائل الإعلام المرئية والمقروءة للترويج للصناعات والحرف الشعبية والتراثية وإقامة المعارض الدائمة والمتنقلة لها للتعريف بالمنتجات المصنعة والأشغال اليدوية.