باحث يمني يحلل اتجاهات الصحافة اليمنية نحو القضية الجنوبية

الباحث اليمني علي سالم بن يحيي يؤكد أن الصحافة اليمنية جزءٌ لا يتجزأ من نظيراتها العربية تحاول أن تشق طريقها للوصول إلى قلب القارئ وعقله وثقته.


القضية الجنوبية في الصحافة اليمنية موضوعٌ شائكٌ، ومعقدٌ.


حرب صيف 1994 كانت السبب الرئيس في ظهور القضية الجنوبية

كيف رأت الصحافة اليمنية الرسمية والمعارضة القضية الجنوبية، هذه القضية التي كانت في وقت من الأوقات خطا أحمر؟ الإجابة عن هذا السؤال كانت محورا لرسالة الماجستير التي نال عنها الباحث اليمني علي سالم بن يحيي من جامعة عدن كلية الآداب، قسم الصحافة والإعلام، وجاءت تحت عنوان "اتجاهات الصحافة اليمنية نحو القضية الجنوبية 2007 ـ 2013، دراسة تحليلية مقارنة، وقام أخيرا بنشرها في كتاب تحت عنوان "القضية الجنوبية في الصحافة اليمنية" جري حفل توقيعه أخيرا في الدار اليمنية للكتب والتراث بالقاهرة.
لفت بن يحيي في دراسته إلى أن الصحافة اليمنية جزءٌ لا يتجزأ من نظيراتها العربية تحاول أن تشق طريقها للوصول إلى قلب القارئ وعقله وثقته، وتؤدي - كذلك - دوراً مزدوجاً، فمنها ما يثقف ويوعي ويوجه، ومنها ما يضلل ويفسد ويشوّه الوجه السامي للصحافة وأهدافها النبيلة.
أكد أن القضية الجنوبية في الصحافة اليمنية موضوعٌ شائكٌ، ومعقدٌ، خاصة وأنه يتحدث عن قضية ظلت لسنوات مضت، الحديث عنها "خط أحمر"، لحساسيتها، بينما يؤكد رئيس الجمهورية الحالي عبدربه منصور هادي ألَّا خطوط حمراء أمامها. هذا وقد تعددت الرؤى والأفكار، والجذور حيالها، ويقول مختصون في الإعلام إن قضية الجنوب هي قضية إعلامية، إذ لم يكن لها هذا الظهور القوي قبل أن يتناولها الإعلام الحديث.
وأوضح أنه "إذا كانت الصحافة من أهم الأدوات وأكثرها تأثيراً في تشكيل وعي الجماهير بالقضايا والأحداث، فإن الصحافة اليمنية بمختلف مكوناتها وانتماءاتها واكبت الأحداث المتسارعة، وسجلت حضوراً قوياً في ميدانها، سواء مع القضية الجنوبية أو ضدها، تبلّور عنه تباينات أظهرت المسكوت عنه، والمخفي في دهاليز أهل السياسة، والنفوس أيضاً، عبر مختلف الفنون الصحفية (خبر، مقال، تقرير...). وإن افتقرت بعض الصحف لأدنى معايير المهنية في المواد الصحفية المنشورة، سواء في عدم دقتها أو في نقلها وجهتي النظر بموضوعية، وتحاول من خلالها التأثير على القارئ لتغيير مواقفه حيال تلك القضايا، ويرى د. فاروق أبوزيد أن التزييف أو النقل الخاطئ أو المشوه للأحداث والقضايا "يساهم في تضليل وخداع الرأي العام في الدول النامية وهي جريمة لا تغتفر في حق هذه الشعوب"، وتشير دراسات حراس البوابة إلى تعدد المعايير التي تؤثر على القائم بالاتصال في إخراج المادة الإعلامية أو الصحفية، فكان من الطبيعي أن تختلف مداخل المعالجة واتجاهاتها لهذه القضية باختلاف العديد من العوامل والمؤثرات الأخرى التي تؤثر بشكل كبير على بيئة وبنية العمل الصحفي، لوصف وتحليل وتقويم أوضاع الصحافة اليمنية في تغطيتها للقضية الجنوبية، وكذلك التعرف على طبيعة العوامل المؤثرة في توجهاتها الصحفية، بهدف الوصول لتفسيرات وتعميمات تساعدنا على فهم طبيعة الدور الذي لعبته الصحافة في تغطياتها المختلفة لهذه القضية بشكلٍ دقيقٍ من خلال نظرية تحليل الإطار الإعلامي.

على الصحف اليمنية الاهتمام بالصور الموضوعية من قلب الحدث عند تغطيتها، لتأكيد مصداقيتها، بعيداً عن صور الأرشيف، أو النشر دون وسيلة إبراز

قسّم بن يحيي دراسته إلى ستة فصول، تناول الفصل الأول منها الوحدة اليمنية، وحرب صيف العام 1994، وعرّج في الفصل الثاني على الصحافة اليمنية قبل الوحدة وبعدها "صحيفة 14 أكتوبر، صحيفة 26 سبتمبر، صحيفة الميثاق، صحيفة الثوري، صحيفة الصحوة، صحيفة الوسط، صحيفة الطريق"، واستعرض في الفصل الثالث ظهور القضية الجنوبية والموقف منها، وفي الفصل الرابع تناول نشأة الحراك الجنوبي وتطوراته، بينما تناول الفصل الخامس القضية الجنوبية في مؤتمر الحوار الوطني الشامل، وشمل الفصل السادس نتائج الدراسة التحليلية لصحف الدراسة ومقارنتها بالإضافة إلى مناقشة النتائج والتوصيات.
قامت الدراسة على ثلاث فرضيات الأولى "تبايانت اتجاهات الصحافة اليمنية نحو القضية الجنوبية"، وقد سعت الدراسة في الفرضية الأولى إلى محاولة التعرف على اتجاهات الصحافة اليمنية نحو القضية الجنوبية، والتعرف على أهم الموضوعات والقضايا المرتبطة بها طوال مدّة الدراسة، واستنباط دوافع هذا الاهتمام من عدمه، وبالتالي أثبتت الدراسة صحة هذه الفرضية بوجود تباينات في اتجاهات الصحف نحو القضية الجنوبية وموضوعاتها المختلفة من حيث درجة الاهتمام وعدم الاهتمام من ناحية أخرى بحسب قرب الصحيفة وبعدها من القضية.
وفي الفرضية الثانية توصلت الدراسة إلى أن الصحف اعتمدت - بشكل كبير - في تغطيتها الصحفية لقضايا الدراسة على الخبر الصحفي متفوقاً على بقية الفنون الصحفية الأخرى، حيث جاء أولاً في تغطية خمس صحف هي 14 أكتوبر، الميثاق، الثوري، الصحوة والطريق، وتفوق عليه المقال الصحفي في صحيفتي 26 سبتمبر والوسط. وفي الفرضية الثالثة، حاولت الدراسة معرفة هل هناك تأثير للاتجاه الحزبي على موقف الصحيفة الناطقة باسمه أثناء تغطيتها الصحفية، وأثبتت الدراسة صحة الفرضية، إذ تبين أن الاتجاه الحزبي كان مؤثراً في تغطية الصحف الحزبية الثلاث (الميثاق، الثوري والصحوة) لموضوعات القضية الجنوبية وفقاً لسياسة الحزب وبما يخدم وجهة نظره ومصالحه.
وتأتي أهم النتائج العامة للدراسة فيما يلي:
- كانت حرب صيف 1994 السبب الرئيس في ظهور القضية الجنوبية.
- اعترفت الأحزاب السياسية اليمنية بالقضية الجنوبية والمظالم التي مورست على الجنوبيين.
- الموقف الإقليمي والدولي لم يكن داعماً للقضية الجنوبية.
- مورس على القضية الجنوبية تعتيمٌ إعلاميٌ وحصارٌ خانقٌ.
- وجد الجنوبيون في صحفهم ومنشوراتهم ما يدفعهم للتمسك أكثر بعدالة قضيتهم، وشكّلت صحيفة "الأيام" الحضن الدافئ لهم، وعبّرت بصدق وأمانة عنهم وعن عدالة قضيتهم ومشروعية مطالبهم.
- مثّل الحراك الجنوبي السلمي الحامل السياسي للقضية الجنوبية.
- لم يخرج مؤتمر الحوار الوطني الشامل بحلول ترضي أبناء الجنوب - بما فيها حق تقرير المصير- وأعاد تقسيم الجنوب مجدداً إلى إقليمين.
- اعترفت صحف الدراسة بالقضية الجنوبية كقضية سياسية - حقوقية عادلة.
- اهتمت صحف الدراسة بموضوعات الحراك الجنوبي بدرجة أولى متفوقاً على بقية موضوعات وقضايا الدراسة.
- أكدت أن الوحدة اليمنية من الثوابت المقدسة وخيار شعبي لا رجعة عنه.
- بيّنت صحيفة 26 سبتمبر أن حرب صيف 1994 حرب أخلاقية مشروعة للدفاع عن الوحدة اليمنية.
- هاجمت صحيفة الميثاق الحراك الجنوبي بأبلغ الصفات على نحو: حراك مسلح، حراك تخريبي وقاعدي.
- اتجهت صحيفة الثوري للقول إن حرب صيف 1994 أجهضت الوحدة اليمنية وقضت عليها واستعاضت عنها بوحدة الضم والإلحاق.
- أكدت صحيفة الصحوة أن الدولة اليمنية بعد حرب صيف 1994 ذهبت في منطلقاتها بعيداً عن الوحدة السلمية، وتحوّل يوم السابع من يوليو إلى يوم شؤم للوحدة.
- أكدت صحيفة الوسط أن القضية الجنوبية قضية وحدة سياسية بين دولتين أسقطتها الحرب.
- أوضحت صحيفة الطريق أن الرئيس السابق علي عبدالله صالح أعلن الحرب على الجنوب من ميدان السبعين في 27 إبريل.
- اعتمدت صحف الدراسة – بشكل كبير - على قالب الخبر الصحفي في تغطيتها لقضايا وموضوعات الدراسة.
- تبيّن أن الاتجاه الحزبي كان مؤثراً في تغطية الصحف لموضوعات وقضايا الدراسة.

اليمن
الباحث اليمني علي سالم بن يحيي

وقدم بن يحيي في ختام دراسته مقترحات وتوصيات منها:
ـ لتتجنب المنطقة من الدخول في أتون الفوضى الخلاقة فإن حل القضية الجنوبية حلاً عادلاً وبما يرتضيه أبناء الجنوب يتطلب من الأطراف اليمنية والإقليمية والدولية إدراك أن الحل العادل، سيكون عامل أمن واستقرار للجميع، فلا وحدة بالقوة، طالما أن الشرائع السماوية والديانات والقوانين الوضعية اعترفت بحق الإنسان في العيش الحر الكريم، وطالما أن الصحف اليمنية بمختلف ملكياتها وسياساتها بينّت أن القضية الجنوبية قضية عادلة وأكدتها مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل.
ـ ينبغي على الجنوبيين توحيد صفوفهم ونبذ الخلافات في سبيل تقديم مشروع موحد يزيل مخاوف دول الإقليم والدول الكبرى إذا أرادت الحل العادل للقضية الجنوبية.
ـ العمل على كسر حاجز التعتيم الإعلامي بانتهاج أساليب إعلامية متعددة، للوصول بالقضية إلى أفاق رحبة إعلامياً.
ـ الإعلام الجنوبي الحالي يخاطب نفسه بدلاً من مخاطبة الأخر، ولا بد من سياسة إعلامية جنوبية واضحة تستند على كادر إعلامي وسياسي متمكن لإيصال القضية الجنوبية العادلة نحو الفضاءات المختلفة.
ـ تنوع العمل الإعلامي الجنوبي وإيصال رسائله المتعددة داخلياً وخارجياً انطلاقاً من حجم القضية ووحدة الهدف.
ـ ضرورة عقد المؤتمر الجنوبي الجامع والذي لا بد أن ينتج عنه قيادة موحدة تقود استحقاقات هذه المرحلة وإنجاز متطلباتها المتمثلة بتقرير المصير واستعادة الدولة الجنوبية.
ـ نظراً للتغيير والتبديل في السياسات التحريرية لصحف الدراسة تجاه بعض القضايا ما يثير الشكوك حول مصداقيتها، يوصي الباحث بضرورة إعادة تقييم السياسة التحريرية للصحف اليمنية تبدأ لكل صحيفة مع إدارتها أولاً، ومن ثم مع القراء من خلال الدراسات الميدانية لمعرفة جوانب القصور، ولتجاوزها؛ فالصحافة هي مرآة المجتمع وضمير الأمة.
ـ العمل على تحرير الصحف من تبعيتها المقيتة للأحزاب والأفراد والانتصار لحقائق الواقع.
ـ أن تقوم الصحف اليمنية بدور إيجابي تجاه مختلف قضايا ومشاكل المجتمع الشائكة بإيجاد الحلول العملية لها، دون رمي الاتهامات لذوي الحقوق، إلى أن تكبر الأزمات فتؤدي إلى المزيد من التصدعات والاحتقانات.
ـ يجب على الصحف نشر قضايا الحراك الجنوبي والقضية الجنوبية وموضوعاتهما - المعترف بها رسميّاً وحزبياً - على صفحاتها الأولى، وليس من خلال الصفحات الداخلية كدليل على عدم الاهتمام بها.
ـ الباحث يوصي بمزيد من الحريات الصحفية وجلد الذات، وفتح صفحات الصحف للرأي والرأي الآخر لكل الأطياف والمكونات السياسية لعرض أفكارها والدفاع عن قضاياها دون تكميم للأفواه وحظر النشر، لأنه يحمل رأيا مضاداً لسياسة تلك الصحيفة أو لمن يمولها.
ـ الاهتمام بالفنون الصحفية مثل التقارير والتحقيقات والاستطلاعات التي تراجع دورها أثناء مدة الدراسة، وهي فنون صحفية ذات أهمية كبيرة في كشف الحقائق.
- إيلاء الكاريكاتير اهتماماً أكبر، لدوره في التعبير عن الآراء والأفكار بعدد قليل من الكلمات، وبمساحة أقل.
- ينبغي على الصحف اليمنية الاهتمام بمراسلي الصحف، لأنهم أكثر قرباً من الوقائع والأحداث ويضخون في جسم الصحف أنزيمات الثقة والمصداقية، بعيداً عن النقل والاقتباس من الصحف الأخرى والمواقع الإليكترونية.
- على الصحف اليمنية الاهتمام بالصور الموضوعية من قلب الحدث عند تغطيتها، لتأكيد مصداقيتها، بعيداً عن صور الأرشيف، أو النشر دون وسيلة إبراز.