بديع خيري.. تراث شعري ومسرحي

بقلم: محمد الحمامصي
قفا نبك أمالاً قفـا نبك مـوطـنا

صدر عن مكتبة الأسرة كتاب الأعمال الشعرية الكاملة لشاعر ثورة 19 المبدع بديع خيري جمع ودراسة وتحقيق د نبيل بهجت، ويبدأ الكتاب بدراسة تحقيقية لأعمال بديع خيري يعرض فيها المحقق للعديد من قصائد التي تركها بدون توقيع أو بتوقيع مستعار، ويعتمد المحقق علي أدلة مختلفة تثبت نسبة هذه القصائد لبديع خيري، ويقدم بعد ذلك ثبتا لأعماله سواء كانت الأغاني أو المسرحيات المختلفة أو الأفلام، ثم يعرض بعدها للقصائد السياسية ثم المساجلات ثم القصائد الاجتماعية، ثم القصائد التي وقعها بتوقيع مستعار، ثم لقصائد المناسبات والقصائد العاطفية، ثم لافتتاحيات مجلة ألف صنف والإعلانات الزجلية والأغاني العامة وأغاني الأفلام وأغاني الاستعراضات والمسرحيات.

يقع الكتاب في قرابة 900 صفحة تقريبا وحرص المحقق أن يلحق كل قصيدة بتاريخ ومكان نشرها، وذلك ليصبح الكتاب مصدرا من أهم مصادر شعر العامية، إذ أن خيري من الشعراء العظام الذين كتبوا للشعب العربي وامتزج إبداعهم بوجدان الشعب دون الوقف علي اسمه، فهو مؤلف العديد من الأغاني التي مازالت إلي الآن محط اهتمام الأجيال المتعاقبة، وبديع خيري بلاشك حمل راية الكفاح الوطني من خلال شعر العامية والمسرح، فهو شاعر ثورة 19 دون منازع وابن الحركة الوطنية، حيث يحكي أنه وسيد درويش كانا يجلسان إلي العمال في المقاهي لدفعهم إلي تأسيس النقابات المهنية، فهما من شكلا وجدان الثورة والثوار إذ أن الثورات تلد مبدعيها الذين يزكون نارها ويشكلون الوجدان الجماعي الثائر، فأدب الثورات هو الذي يحشد طاقات الجماهير ومشاعرها لتصبح الثورة واقعاً مفهوماً ومحققا، فإذا كان اسم عبدالله النديم قد ارتبط بالثورة العرابية، فإن القراءة المتأنية لتراث بديع خيري المتناثر في المصادر المختلفة تكشف أنه كان لسان حال ثوره 1919، وبديع والنديم وجهان لعملة واحدة، فهما صنيعة الثورة وميولهما الإصلاحية متشابهة إلى حد كبير. وقد برز ذلك على صفحات إصداراتهما، وتركت تجربة النديم الإبداعية آثاراً واضحة على بديع خيري فجاءت مجلاته بالعامية تماما كما فعل النديم ليتسم خطابه بالعموم، واستعار بعض شخصيات "التنكيت والتبكيت" ووظفها في نقد المجتمع. وعندما عادت مجلة "ألف صنف" للصدور في أغسطس/آب 1930 اختار لإصدارها يوم الثلاثاء، وهو اليوم الذي كان يُصدر فيه النديم مجلة "الأستاذ".

كانت أزجال بديع خيري ـ حسب د. نبيل بهجت ـ البوابة الحقيقية لعالمه التي "اكتشفت من خلاله الوجه الحقيقي لمصر، مصر الثورة، مصر الإبداع والتغير، حيث صاغ بديع الرؤية الشعبية لكثير من الأحداث في قصائده غير مكترث بالرؤية الرسمية".

وبديع خيري من مواليد القاهرة فى 18 أغسطس/آب 1893، وتوفى بها أيضاً في 3 فبراير/شباط 1966، وينحدر من أصول تركية، حيث نزح والده من الدولة العثمانية إلى مصر عام 1890 وعمل مراقب حسابات في دائرة والدة الخديوي عباس الثاني، أما والدته فمن أصول مصرية، وكان جده لأمه يدعى الشيخ الليثي أحد كبار تجار الغورية.

أرسله والده إلى الكتاب فحفظ القرآن وانتظم في دراسته حتى حصل على دبلوم المعلمين عام 1914، وقد ثقف نفسه منذ نعومة أظفاره بالثقافة الشعبية فانصهر في مقاهي الجمالية والبغالة والإمام الشافعي، يستمع إلى ما ينشده شاعر الربابة من السير والأشعار متأملا ما تزخر به هذه المقاهي من فئات مختلفة، ويقول عن هذه المقاهي "هي مدرستي الأولى في التأليف المسرحي، حتى لهجات البلاد العربية عرفتها وحفظتها في هذه المقاهي، إذ كان يتردد عليها أبناء تلك البلاد الشقيقة الذين يدرسون أو يتاجرون أو يسيحون في القاهرة".

وعاش بديع خيري آمال تلك الفئات وآلامهم وذاق مرارة الاحتلال، فانتسب للحزب الوطني منذ صباه، ونشر وهو في الثالثة عشرة من عمره - عام 1906 - في جريدة الحزب الوطني قصيدة عن "عقيدة الحزب الوطني" التي كان يعتنقها معظم أبناء الشعب المصري في ذلك الوقت ووقعها بـ "ابن النيل" ومطلعها:

خليلىّ ما أدعى النفوس إلى الردى ** إذا لم يكن فيها الشعار محــددا

قفا نبك أمالاً قفـا نبك مـوطـنا ** قفا نبك أحساب المروءة والندى

وكرر النشر باسمه صراحة بعد ذلك، فأرسل إلى جريدة المؤيد قصيدة بمناسبة اختيار الشيخ "على يوسف" رئيساً لجمعية الهلال الأحمر بعد تكوينها ومطلعها:

أكبر الجيش تحت ظل هلالك ** نعما فيضها هنـا وهنالك

يا رئيس الهلال حييت شيخاً ** ثاقب الفكر فى أبر المالك

وبذلك فإن البداية الأولى لبديع خيري كانت بكتابة الشعر الفصيح، ويذكر أن أشعاره هذه لاقت قبولاً ورواجاً، فيروى في مقال نشره في مجلـة "الأستوديو" تحت عنوان "كتبت الشعر قبل الزجل"، فيقول "كنت من كتاب الشعر اللاّمعين منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وكانت هذه الهواية الجميلة هي الهواية الوحيدة المتملكة على زمام نفسي ومشاعري، فقد فكرت في إرسال بعض أشعاري إلى الجرائد التي تصدر في القاهرة، ويبدو أن هذه الأشعار التي أرسلتها إلى الجرائد قد لاقت منهم الترحيب، فلم يبخلوا بنشر، وبدأت أشعاري تنشر على صفحات الأهرام والمقطم والأفكار والمؤيد. وكانت هذه الصحف من أوسع الصحف المصرية انتشاراً في ذلك الحين، ولكن كل هذا الرواج الذي لاقيته كشاعر مبتدئ لم يرض طموحي ولم يشبع آمالي، فكتبت للمرحوم الشيخ علي محمود قصيدة أقرب إلى التواشيح الدينية تحت عنوان "في الغزل" وكانت هذه القصيدة أول قصيدة أكتبها وتذاع على الناس في نغم ديني، وفيها أقول:

بربك يـا مـن جهلت الغــرام ** أعدلاً تلوم وتعذل صبـا؟

فإن شئت فـى المغرمين احتكام ** تحب وإلا فسل من أحبا؟

هنالك أن ذقت مــر الجــوى ** فتعذر ما عشت أهل الهوى

لهيب يشــب فيكوى الحنـايا ** ودمع تفيه عيون البـرايا

يعــاف المقاسون فيها الآمـا ** فبالله كن أيها الحب بـرداً

عليهم ويا نار كوني سلاما

وعمل بديع خيري فور تخرجه مترجماً في شركة التليفونات. وفصل منها على أثر إهماله لشكوى من بيت واطسون باشا، ثم عمل مدرساً في مدرسة رفاعة باشا الطهطاوي في طهطا، ثم في مدرسة السلطان حسن في شبرا، وفي تلك الفترة ألحّت عليه هواية نظم الزجل، وأراد من خلال إمكانياته ومواهبه أن يحدث تغييراً في هذا اللون من النظم، بالرغم من نظرة الازدراء والاستهانة التي كان الناس ينظرونها للزجالين آنذاك ويقول: "وبعد أن استقر بي الحال في وظيفة التدريس، انتابتني هواية جديدة، نظم الزجل، وكان الزجل يؤلف من خمسين أو أربعين بيتا، كلها من بحر واحد، وكان يتزعم كتاب الزجل أربعة "شعبان عوني" و"عزت صقر" الذي كان يلقب بأمير الزجالين و"محمد عبدالنبى" ودكتور العيون "إبراهيم شدودى"، فكتبت الزجل الواحد على أوزان مختلفة، وإذ بالزجالين يثورون علىّ، ويتهموني بأنني شاب عابث بالقيم الزجلية..." كان ذلك في بداية عام 1915 عندما كان يعمل مدرساً، وفي تلك الفترة كتب أول أغنية كان مطلعها:

إكمنه شايف روحه قمر ** والنـاس عشقــاه

تقلان عليا ومهما أمر ** أنـا روحي فــداه

وفي الفترة ما بين عامي "1914-1918" مارست السلطات الإنجليزية تصرفات تعسفية ضد الشعب المصري لتضمن تأييده في الحرب العالمية الأولى، وسعياً منها لتوفير الإمدادات لجيوشها في الحرب، وكان طبيعياً أن تجنح الميول إلى طلب الترفيه والتسلية والسلوى تفريجاً للكرب الخانق، وتنفيسا عن الصدور المحرجة، وبوحي تلك الميول والأشواق بدأ المسرح الضاحك يبزغ.

وانتشرت في هذه الفترة ظاهرة إلقاء المنولوجات، خاصة التي كانت تعلق على الأحداث التاريخية والأزمات المختلفة التي كانت تمر بها البلاد، وارتفع قدر الزجل عندما دخل المنولوج المسارح حيث يلقى بين الفصول، وأصبح له هدف ومرمى وكتب بديع خيري أول منولوج له عام 1917 للمنولوجست "فاطمة قدري"، وقدر له الذيوع والانتشار وكان مطلعه:

ليله العيد كنت مخدر ** في ميدان عابدين ماشى اتمختر

وبهذا المنولوج دخل بديع خيري عالم المسرح ومع بداية عام 1918 انفصل نجيب الريحاني عن مؤلفه أمين صدقي على أثر خلاف حدث حول مسرحية "حمار وحلاوة"، وبدأ الريحاني في البحث عن مؤلف جديد، في الوقت الذي كان يعرض فيه بديع خيري مسرحيته الأولى والتي كانت تقدمها فرقة نادي التمثيل العصري، وكان يخفى اسمه خشية أن يفقد وظيفته الحكومية وأعجب الريحاني بالمسرحية، إلا أن أحد أعضاء الفريق ادعى أنه مؤلفها فطلب منه الريحاني أن يكتب له لحنا عن "جماعة أعاجم" وكتب بديع اللحن ليقدمه هذا العضو باسمه للريحاني ومطلعه:

إحنا يا فندم تجار أعاجم ** جينا من شان بيبيعوا بضاعة تمام

وسرعان ما اكتشف الريحاني الحقيقة، فاتصل ببديع ووقع معه عقداً في 18 أغسطس 1918، أصبح بديع بموجبه مؤلفاً لفرقة الريحاني، فكتب له استعراض "على كيفك" و"مصر" (1918 – 1920)، وبداية من الاستعراض الثالث "ولو" انضم سيد درويش لفرقة الريحاني، وفى مارس 1919 قامت الثورة وجاءت استعراضات تلك الفترة لتقف على قضايا العمل الوطني، وقدم بديع استعراضات "قولوله" الذي عرض في 17/5/1919 و"اش" الذي عرض في 23/6/1919 و"كل من ده" الذي عرض في أكتوبر 1919 و"رن" الذي عرض فى 23/11/1919 و"فشر" الذي عرض فى15/4/1920.

يقول المحقق د. نبيل بهجت "تعتمد هذه الاستعراضات بشكل كبير على الأغاني والحوار فيها ثانوي، ويهتم موضوعها بالتعليق على الأحداث الجارية، كما ترتبط بالواقع السياسي بشكل مباشر، ويعلق بديع على ما كان يكتبه في تلك الفترة فيقول "في الحقيقة كنا نقدم روايات استعراضية من نوع الريفيو، لكن كنا نتناول فيها كل الأحداث السياسية أولاً بأول وننقدها بأسلوب ساخر لكن حماسي، فكان كل استعراض مزيج من الضحك والإثارة، وأيضا حث الشعب على الكفاح ضد الاستعمار، وقد كلفنا هذا الكثير من السلطات، وقد وصلنا من "كيف بوين" مدير الأمن العام الإنجليزي إنذارا بالنفي إلى جزيرة مالطة حتى نخفف من حده استعمال الكلمات التي يمتلئ بها مسرح الإجيبسيانة".

ولم يقف بديع خيري عند حد تغذية الاستعراضات بالأشعار التي تحرض الجماهير على الثورة، فحسب إذ يروى أن بعض طلبة كلية الحقوق في ذلك الوقت والذين كانوا مطلعين على أسرار الثورة كانوا يطلبون إليه أن ينظم لهم الأشعار في مناسبات وطنية كثيرة، كلما حدث عراك بين الإنجليز والأهالي أو بسبب تعنت في حرية النشر مع الصحافة أو القبض على بعض الوطنيين، وفي 23 ديسمبر/كانون الأول 1925 أصدر بديع مجلة "ألف صنف"، وهى مجلة اجتماعية ثقافية أصدرها بالعامية واهتم فيها بالحركة الزجلية، فنشر لكثير من زجالي عصره وكتب على غلاف العدد الأول:

أفــرحو لي يـا أحبــه ** الزمان انصف بديــع

ألف صنف اسم الله شابـه ** جت على كيف الجميـع

تكبــر حبــه حبـــه ** والجمايـل لـم تضيـع

بديع خيري وماري منيب
وجعل فيها أبوابا ثابتة جاءت على شكل حواريات درامية مثل "مشكاح وريمه"، و"زعيط ومعيط" و"الشيخ بعجر"، "ماميش أغا"، و"جراب الحاوى"، و"مصطبة العمدة"، و"القط مشمس"، و"الأدباتى"، و"محكمة العشاق"، "وساعة لقلبك"، وحرص على نشر بعض أزجاله في هذه المجلة، وكان منها ما يحمل توقيعه أو توقيعاً مستعار، وأحياناً كان يتركها بدون توقيع اعتماداً على معرفة القارئ بأسلوبه، وتبنى في هذه المجلة قضايا حزب الوفد وآرائه، وأصدر في يناير 1926 بالاشتراك مع محمود طاهر العربي مجلة سياسية أطلق عليها "الغول"، وكان أهم أبوابها "جولة في المنام" التي كان يُعرض فيها بالسياسيين في عصره، ويذكر أن جميع ما نشر في هذه المجلة جاء بدون توقيع، وقام محمد محمود باشا بمصادرتها مع بداية عام 1929 وفي نهاية عام 1927 أصدر محمود طاهر العربي مجلة "مصر الحرة" ورأس بديع خيري تحريرها، وكان أهم أبوابها "حقائق في المنام" أو "جلسة في المنام"، و"الأستاذ حمار"، و"تعليقات حمار"، ورفع اسم بديع من على الصفحة الأولى من المجلة بداية من العدد الصادر في 13/9/1928.

وفى 10/8/1930 أصدر بديع خيري جريدة "النهاردة" وهي جريدة يومية هدفها الأساسي الجهاد من أجل الدستور، حيث كتب في أعلى الصفحة الأولى "الأمة مصدر السلطات" وكتب أسفل الجريدة "النهار وليد الجهاد في سبيل الدستور"، وجاء اهتمامه بالدستور انطلاقاً من الظروف التاريخية في عصره آنذاك حيث عطلت وزارة محمد محمود باشا العمل بدستور 1923 في عام 1928، وألغته وزارة صدقي باشا بعد أن تشكلت في 1930 وأحلت محله دستوراً جديداً، وكتب بديع افتتاحية للجريدة تحت عنوان "حديث النهار... الميثاق" فقال "بسم الله وباسم الدستور نفتتح عهد الجهاد بهذه الجريدة في سبيل مصر وفى سبيل ما تصبو إليه من حرية صحيحة واستقلال تام، وفى سبيل ما تحرص عليه من حياة نيابية صادقة نحن وفديون، وستكون هذه الجريدة لساناً صادقاً للإعراب عما تجيش به نفوس الأمة الوفدية من آمال ومصالح، وإنا لنعتقد أن ثمة شررًا يصيبنا من جراء مبدئنا ولكن ليس يثنينا عما اعتزمناه من جهاد في سبيل الدستور وفي سبيل الاستقلال وسنظل أوفياء لمصر عاملين على خدمتها في شتى دروب العمل المنتج، وقد نكون متعجلين للمستقبل أن نعد القراء بأن "جريدتنا ستكون ميدانا فسيحا للنقد البريء الخالص والكفاح القوي والجرأة في الحق والصراحة في القول، وسوف نضاعف هذا المجهود حتى نعاون النهضة الوطنية الشاملة في نواحي الإصلاح والبناء في كل غرض من أغراض النهوض والاستحداث، ولن نطيل اليوم في بسط ما اعتزمناه مكتفيين بأن يلمس القراء الكرام هذا العزم فيما نقدمه لهم من مجهود وطنى صادق وهو كل ما نملك فداء للدستور ولمصر الخالدة".

ولم تستمر الجريدة طويلا إذ صادرها إسماعيل صدقي بعد صدور عددها الثامن في 17/8/1930، وعادت "ألف صنف" إلى الصدور مرة أخرى في 19/8/1930 وعلى غلافها صورة لسعد زغلول وكتب بجوارها:

حمد الله تاني على سلامتــك ** يا ألف صنف يا بحبوحــه

قفلـــوكي ورجعتي بقمتـك ** ثابتة على العهد نصوحــه

شهـــدت بفصلك وكرامتك ** حتى الأعادي الشردوحــه

ما أحلى النصيحة في ترجمتك ** بلغة زعيط و حلمبوحـــه

إلا أن إسماعيل صدقي سرعان ما صادرها في 17 /2/1930 بحجة أنها تحمل صورا خليعة والحقيقة أنها لم تحمل طوال هذه الفترة سوى صورة واحدة لسعد زغلول وكتب بديع خيري على غلاف أحد أعداد ألف صنف منهجه فى الكتابة فقال:

لذة الحكمـة المهولـه ** شرحها بلغة الشــــوارع

حاجه يفهمها بسهوله ** الصنايــعي والمـــزارع

أما إيه يعنى البطولـه ** فى اشتقاق ماضي ومضارع

إحنا جريدتنا العمولـه ** تجعلك يابو لــبده بــارع

ووصف أحد معاصريه أسلوبه فقال "اختار أسلوباً ليتكلم به إلى الفلاح المصري غير المتعلم، وإلى طالب المدارس الابتدائية وإلى كبار الأدمغة والرؤوس، خاطب الجميع بلغه تخاطب الجميع، تحدث إلى الكل بلغة واحدة مشتركة استفاد منها الكل".

وأصدر بعد ذلك بالاشتراك مع محمود طاهر العربي جريدة "الاستقلال" في عام 1937، والتي كان شعارها البناء والتجديد والعمل على تدعيم الاستقلال وصيانته وكتب في صدر الصفحة الأولى "جريدة يومية سياسية تصدر يوم الخميس من كل أسبوع مؤقتا"، إلا أن اسم بديع خيري رفع من الجريدة وبقى اسم محمود طاهر العربي، ويذكر انه لم يشـر فى مذكراته إلى مجلة "مصر الحرة" أو إلى "جريدة الاستقلال" بشكل يوحى أن ملكية هذه الصحف لم تكن لبديع خيري.

واعتمد د. نبيل بهجت على الدوريات التي أصدرها بديع خيري أحد أهم مصادر هذا الديوان، ثم جاءت بعد ذلك الدوريات المهتمة بالزجل كالسيف والمسامير، والكشكول، والفكاهة، والمطرقة، والمصيدة، والفارس، والعروسة، والراديو، والإذاعة المصرية، والبعكوكة.

واعتمد أيضا على الدوريات الفنية التي كانت تتابع أخباره كالفنون، والمسرح، والتياترو، والمصور، والكواكب، والصباح وغيرها، وكانت المكتبات الخاصة أحد أهم مصادر الجزء الثاني، إضافة إلى الدوريات أيضا فاستعان بمكتبة أستاذته د. نجوى عانوس ومكتبة المرحوم حسن درويش والأستاذ سمير عوض واستعن أيضا بمكتبه الإذاعة المصرية ومكتبة المركز القومي للمسرح في الحصول على أزجال مسرحياته ولاقيت الكثير من الصعوبات في تحقيق بعض قصائده الزجلية التي كان يوقعها باسم مستعار أو يتركها بدون توقيع، فالمتابع لـ "ألف صنف" يجد أن بديع نشر العديد من القصائد بتوقيع مستعار، فنشر مجموعة من القصائد تحت عنوان "البزرميطات" ووقعها بـ "أبو فصاده" وأشار في مذكراته أنه صاحب هذا الاسم، ونشر تحت اسم "الأدباتي" في العدد الصادر بتاريخ 20/4/1926 جزءا من قصيدة "يا بلد ضايعة ومسكينه" التي نشرها قبل ذلك في مجلة الكشكول الصادر في20/8/1922 موقعة باسمه، وأعاد نشر قصيدة "الخرطومية الكبرى" التي نشرها في مجلة الكشكول بتاريخ 20/8/1922 في العدد الصادر في 20/4/1926 من مجلة "ألف صنف" بتوقيع "بلبوص" وأضاف إليها، وحذف منها فأبدل كلمة جربان في البيت الثالث بجربوع، واستبدل الشطر الثاني من البيت الرابع عشر بشطر آخر، وحذف من البيت السادس إلى الثامن، ومن الثاني عشر إلى الثامن عشر، وعدل باقي الأبيات، فجاءت القصيدة لتعالج مشكلة الفقر بشكل ساخر بعد أن كانت تعالج قضية السودان، وكانت الدوريات والمخطوطات والمكتبات الخاصة أهم مصادر هذا الكتاب.