بريطانيا تستعين بالخبرة السعودية في التعامل مع مخاطر التجمعات الجماهيرية

السعودية تمتلك خبرة طويلة في التعامل مع التجمعات السكانية

لندن - تشكل التجمعات الجماهيرية الضخمة في العالم، سواء منها الرحلات الدينية مثل فريضة الحج السنوية إلى المملكة العربية السعودية أو رحلة حج كومبه ميلا الضخمة في الهند أو الفعاليات الرياضية الكبرى مثل الألعاب الأوليمبية وكأس العالم لكرة القدم، تحديات صحية خطيرة للمنظمين والمشاركين على حد سواء.

وفي الوقت الذي تتوقع فيه لندن قدوم أكثر من خمسة ملايين زائر لحضور الفعاليات الأولمبية في الصيف المقبل، قامت مجلة اللانسيت الطبية البريطانية بنشر سلسلة خاصة من الدراسات حول التجمعات الجماهيرية والصحة العالمية.

فكل تجمع جماهيري يحمل في طياته كارثة طبية محتملة، وتمثل كل واحدة منها مجموعة خاصة من المخاطر. فالألعاب الأولمبية الشتوية مثلاً تجمع أناساً من جميع أنحاء العالم. وعادة ما يكون ذلك في ذروة موسم الأنفلونزا السنوي في نصف الكرة الشمالي، وبعد أسبوعين من التواصل الوثيق يتفرق الناس عائدين إلى بلادهم.

كما يجذب موسم الحج حجاجاً من بعض أفقر دول العالم التي تتدنى فيها مراقبة الأمراض والرعاية الصحية. وعلى الرغم من أن العديد من هؤلاء الحجاج قد يكونوا مرضى أو من كبار السن، إلا أنهم متلهفون بشدة لأداء واجبهم الديني قبل نهاية حياتهم.

أما في الهند، فإن حج كومبه ميلا له بعد دولي أقل، ولكنه قد يجتذب ما يقرب من 60 مليون شخص في آن واحد وتتضمن مناسكه الاستحمام الجماعي في نهر الغانج المقدس الذي عادة ما يكون بعيداً كل البعد عن النظافة.

ومن ناحية أخرى، تجلب أكبر مهرجانات موسيقى الروك والبوب مخاطر الشراب والمخدرات، حيث يقوم الشباب بالإقامة في مخيمات في حقول موحلة ويفكرون في عمل أشياء أكثر إثارة من مجرد غسيل الأيدي والتخلص السليم من المخلفات.

تبادل الخبرات واستغلال التقنيات

ويجري الآن تطوير تخصص جديد في مجال الصحة العامة يركز على تلك الفعاليات الدولية الرئيسية، مما يسمح للمنظمين بتبادل الخبرات واستغلال التقنيات الجديدة لإدارة المخاطر وتعقب حالات تفشي الأمراض وقت حدوثها.

وتركز أبحاث اللانسيت على الحاجة إلى تعاون دولي والابتعاد عن التعريف القديم لطب التجمعات الجماهيرية الذي "يهتم بتقديم الرعاية الطبية الطارئة في الفعاليات المنظمة التي يحضرها أكثر من ألف شخص".

ويجب على المنظمين أن يعرفوا أماكن قدوم المشاركين وطرق سفرهم لأن معرفة ذلك تساعد على معرفة التفشي الحالي للأمراض في العالم وبالتالي التخطيط للأخطار المحتملة وكذا تقرير ما إذا كانت هناك حاجة إلى طلب إعطاء لقاحات قبل حضور الفعالية، وإقامة نقاط للفحص في المطارات أو اتخاذ تدابير فورية خاصة.

ولكن تلك المعلومات متوفرة حالياً في قواعد بيانات متفرقة ومختلفة، مثل مكاتب بيع التذاكر، وجداول مواعيد شركات الطيران، ووزارات الصحة الوطنية ومنظمة الصحة العالمية ولا بد من تجميعها لتحقيق الفائدة القصوى منها.

وعلق كامران خان (أستاذ في جامعة تورونتو) على الموضوع بقوله "إن المكونات التقنية والعلمية ومصادر البيانات المطلوبة لإصدار معلومات فورية يمكنها أن تخفف من مخاطر الأمراض المعدية أثناء التجمعات الجماهيرية، لذلك فإن دمجها يعتبر أمراً حيوياً للغاية".

ولا تنتهي مسؤوليات المنظمين عندما يغادر المشاركون إلى أوطانهم. حيث أشار إبراهيم أبو بكر من هيئة حماية الصحة البريطانية في بحث آخر قام بإعداده بالتعاون مع عدد من زملائه إلى سباق التحمل الذي يعقد في بورنيو. فبعد عشرة أيام من انتهاء السباق، أصيب أحد الرياضيين، الذي كان قد عاد إلى لندن في ذلك الحين، بمرض البريميات الذي ينتقل عبر الماء.

وتم اكتشاف الإصابة عن طريق نظام جيو إسنشال للتتبع الصحي الذي كشف أيضاً عن وجود حالتين مماثلتين في نفس اليوم، إحداهما في نيويورك والأخرى في تورنتو. وتم بناء على ذلك إصدار تنبيه عاجل لتحذير الرياضيين المشاركين، ليتم في النهاية تحديد إصابة 68 منهم بهذا المرض المحتمل أن يصبح خطيراً.

خبرة الحج

وتمتلك السعودية أكبر قدر من الخبرة في تنظيم التجمعات الجماهيرية الدولية، إذ تتولى السلطات هناك مسؤولياتها أثناء الحج بجدية كبيرة، ويساهم فريق من مديرية الطب الوقائي في الرياض في البحث الرئيسي في تلك السلسلة.

وتحاول المملكة العربية السعودية ضمان حصول الحجاج على اللقاحات اللازمة قبل بدء رحلتهم، وهذا ما تعتبره مجلة اللانست في حد ذاته مساهمة مفيدة في حماية الصحة العالمية. كما توجد صالة خاصة في المطار بها تجهيزات لإجراء الفحص الطبي للحجاج عند الوصول والمغادرة.

وبالإضافة إلى ذلك، تستخدم المملكة العربية السعودية أيضاً تقنيات جديدة لضمان صحة الحجيج. حيث أشار كرمان خان إلى الاستجابة السعودية في عام 2009 عندما تصادف موسم الحج السنوي مع تفشي وباء أنفلونزا الطيور إتش وان إن وان.

فبعد أن أدرك المسؤولون السعوديون أن التقارير الورقية التقليدية قد لا تكون من السرعة بما يتيح تتبع تفشي المرض، قاموا بإنشاء نظام إبلاغ يعتمد على الهاتف المحمول ويعمل من خلاله محققون ميدانيون مزودون بهواتف ذكية وأجهزة كومبيوتر محمولة على إخطار مركز عمليات الطوارئ بأي إصابة بأحد تسعة أمراض معدية على الفور.

وكان من بين الحالات التي قاموا بالإبلاغ عنها إصابتين بحمى الضنك و73 إصابة بأنفلونزا الطيور.

مركز الخبرات

ويقوم السعوديون الآن بالتخطيط لإنشاء مركز خبرة رائد في مجال طب التجمعات الجماهيرية.

وقال زياد مميش، من مديرية الطب الوقائي التابعة لوزارة الصحة السعودية، إنه "من الصعب الجزم بأن هذا هو المركز الأول من نوعه، ولكننا نعرف من خلال استضافتنا لأكبر مؤتمر تم عقده حول التجمعات الجماهيرية أن هناك شعور بين الخبراء من جميع أنحاء العالم بضرورة إقامة مثل هذا المركز، وأن المملكة العربية السعودية ستكون المكان الأمثل لاستضافته".

وأضاف "لذلك فقد تم تكليف المركز السعودي للتخصصات الصحية بتطوير دورة للحصول على دبلوم في مجال طب التجمعات الجماهيرية والكوارث. وستقام هذه الدورة خلال العام الحالي في جدة، مما سيخلق نواة جيدة لإنشاء تخصص وتدريب الأشخاص في هذا المجال ".

وسيشارك في الدورة الدراسية الأولى، التي ستمتد على مدى عام واحد، 25 طالباً جميعهم من الأطباء أو المسعفين العاملين في مراكز الحج الرئيسية بمدينتي مكة والمدينة. ولكن مميش قال أن الهدف هو تطوير مركز دولي يقوم بتدريب الطلاب من جميع أنحاء العالم.

ويبدو أن مؤلفي مجلة اللانست متحمسون بشكل واضح بشأن الاستخدام المحتمل للأدوات التقنية الجديدة في مجال طب التجمعات الجماهيرية.

ويشكل عدم استعداد الحكومات الوطنية في أغلب الأحيان للاعتراف بتفشي الأمراض المعدية أحد المشكلات الدائمة.

وتسمح خدمة الانترنت لمنظمات مثل هيلث ماب بالاستفادة من نطاق واسع من المصادر غير الرسمية بما فيها الإحالات على موقع تويتر من أجل تعقب حالات تفشي الأمراض بين الإنسان والحيوان.

وفي الوقت الذي تمضي فيه الاستعدادات قدماً في لندن لاستضافة دورة الألعاب الأوليمبية في الصيف القادم، قامت هيئة حماية الصحة البريطانية بالفعل باستشارة السلطات السعودية.

وقال مميش "لقد اتصلوا بنا بشأن تنظيم بعض الأنشطة التدريبية المشتركة كجزء من التحضير للألعاب الأوليمبية. ويجب أن نعرف بوضوح أن الألعاب الأوليمبية والحج هما فعاليتان مختلفتان جداً وتجذبان أنواعاً مختلفة جداً من الناس، ولكن التواصل وتبادل الخبرات مع الآخرين أمر جيد دائماً".(إيرين)