بصمة أسلوبية لدى الكاتبة السودانية آمنة الفضل

الكاتبة تحدّد زمن مرجع في روايتها "بعض الذي دار بيننا" يظهر بالسنوات القليلة الماضية التي شهدت جملة من الحوادث الإرهابية في الغرب.


تتمحور الرسائل في النص حول شخصيتي "بسمة" و"أمير"


الكثير من الشخصيات الإشكالية تعترضنا في الرواية

بقلم: يسري عبدالله
شكلت الرواية السودانية جزءا من جدارية السرد العربي في تنويعاته الخلاقة، بدءا من النص الفارق "موسم الهجرة إلى الشمال" للروائي الفذ الطيب صالح، ومرورا بالأجيال اللاحقة التي تملك حضورا مغايرا في المشهد الروائي العربي، مثل أمير تاج السر بنصوصه المحكمة بنائيا، وعبدالعزيز بركة ساكن بنصوصه الجسور الواعية بجوهر المغامرة الجمالية والفكرية في الكتابة، وصولا إلى الأجيال الجديدة في الكتابة السودانية، وبينها الأديبة آمنة الفضل، بروايتها "بعض الذي دار بيننا".
في هذه الرواية ثمة بطلة مهيمنة على فضاء السرد "بسمة"، مأزومة وموزعة بين عالمين مختلفين، ومتناقضين، ترمز إليهما الشخصيتان المركزيتان "أمير"، و"خليفة"، وهما لا يمثلان علامة على تكوينين نفسيين مختلفين فحسب، لكنهما أيضا علامة على رؤيتين متمايزتين للعالم.
الكثير من الشخصيات الإشكالية تعترضنا في الرواية، الصادرة حديثا في القاهرة عن دار بدائل، مثل شخصية خليفة الجهم، ابن الرأسمالية المتوحشة والنمط الاستهلاكي، تاجر السلاح والمخدرات، والعالم السفلي المسكون بالجريمة المستترة تحت لافتة "أعمال حرة"، والذي يضن بمشاعره التي تحولت شأن كل شيء في حياته إلى عالم من الأرقام السائلة، في مقابل "أمير" الذي يبدو حاملا لنبوءة الجارة العجوز، وحاملا أيضا لمعنى الملك واسمه، وقابعا في قلب بسمة عبر تاج الحب النبيل.
يعمل الطبيب النفسي "أمير" في إحدى المنظمات العالمية لحقوق الإنسان، في مقابل تاجر السلاح "خليفة" الذي يُمحل إنسانية الإنسان، وعبر هذه الثنائيات الضدية المتعارضة تنهض الرواية بنائيا، وما بين "خليفة" و"أمير" ثمة "بسمة" الحائرة والمرتبكة، المقموعة والتائهة في آن.
ورغم أن "بسمة" حسمت خيارها مبكرا لمصلحة أمير، إلا أنها خضعت لخليفة في النهاية، بعد استقدامها إلى بيروت، ومطالبته لها بالسفر عنوة إلى أميركا التي نقل أعماله إليها رسميا لتصبح في رفقته؛ لتتوزع جغرافيا السرد بين أمكنة مختلفة وفضاءات متنوعة: بورتسودان/ الخرطوم/ لبنان/ فرنسا/ أميركا، ومعها يتمايز حال الشخوص تبعا لحالاتهم النفسية. فبدت بيروت الجميلة التي رأتها "بسمة" فاتنة في زيارتها الأولى، أقل وهجا حين أتى بها "خليفة" إليها بالحيلة تاركة في أسى حبيبها "أمير"، في هذه المقاطع السردية نرى وعيا من الكاتبة بالعلاقة الجدلية بين حركة الشخوص سواء المادية أو النفسية والمكان الروائي.
تعتمد الرواية أيضا على تقنية الرسائل، التي تمثل في جوهرها تصورات مختلفة للعالم، وتتمحور الرسائل في النص حول شخصيتي "بسمة" و"أمير"، كما توظف آمنة الفضل كذلك تقنية المونولوج الداخلي كثيرا في روايتها، وإضافة إلى ذلك تلجأ إلى الوظيفة التحليلية للسرد خاصة في استقراء الداخل الإنساني الثري لشخوصها، وخاصة "بسمة" التي تحمل جملة من المشاعر المركبة.
ثمة بصمة أسلوبية تملكها الكاتبة، تتجلى عبر لغة رهيفة، ودالة، وموحية، ومن اللافت أن اللغة لم تعطل آلية السرد داخل الرواية، وإن ظلت الكاتبة بحاجة حقيقية إلى التخلص من الحمولات العاطفية لجملها المشحونة بمد رومانتيكي عارم، يجعلنا أمام تصور مثالي في جانب من جوانبه.

الثنائيات الضدية المتعارضة
في المقاطع السردية نرى وعي الكاتبة 

هذا التصور جعلنا مثلا أمام بطلين يحملان رؤية من الخارج لكل حدث يتماسان معه، مثل الزيارة التي جمعت بين "بسمة" و"أمير" إلى أحد السجون، ومحاولتهما مساعدة السجينات عبر إطار عمل خيري تتبناه "بسمة"، وعمل حقوقي يمتهنه "أمير"، وبينهما "مريم" صديقة البطلة التي تحفز خيارها في دعم هؤلاء السجينات.
ونجد أن الرؤية ظلت من الخارج لواقع هؤلاء النسوة اللواتي تنطوي حياتهن على واقع أكثر تعقيدا مما حملته الكتابة، ومن الإشكاليات الفنية أيضا أن الانتقالات السردية، وعلى الرغم من طزاجتها، إلا أنها ظلت مثقلة أحيانا بروافد كلاسيكية ظهرت جلية في الحوارات السردية بين "أمير" و"بسمة"، حيث يطول الحوار السردي أحيانا على لسان الشخصية الروائية، لتقع في فخ الاستطراد المجاني.
ربما من الميزات الأساسية في هذه الرواية أنها وظفت اللغة توظيفا دالا في خلق ما يعرف بالصورة الروائية، التي ارتبطت بالمتخيل الإنساني من جهة، وبالمتخيل المكاني/ السودان من جهة ثانية، أو ما يمكن تسميته بالوعي بسؤال البيئات المحلية. وبدت المقاطع التي وردت عن "بورتسودان" حاملة لإمكانات بصرية ضافية.
كما تتسرب رهانات من الموروث الديني والشعبي للمكان، فتبدو حاضرة في الإحالات إلى فكرة التصوف، ومحاولة التعاطي مع الحب بوصفه صلاة للعاشقين، وفعلا نبيلا  للخروج من الطوباوي إلى الأرضي، ومن السماوي إلى الدنيوي.
ثمة زمن مرجع في الرواية، تحدده الكاتبة بالسنوات القليلة الماضية التي شهدت جملة من الحوادث الإرهابية في الغرب، فتحيل الرواية مثلا على حادث إرهابي وقع في باريس، متماسة في طرحها الرؤيوي مع ظاهرة الإسلاموفوبيا. 
وتشير أيضا إلى تغول الجماعات المتطرفة، غير أن هذه المقاطع السردية بدت بحاجة إلى تعميق أشد في ما يتعلق بالبنية المعرفية الصدئة في عالمنا العربي، والتي بحاجة إلى مساءلة حقيقية، وليس استنامة وتسليما.
ينجح "خليفة" في استلاب الروح المشعة لـ "بسمة"، التي أنهكتها التجربة الحياتية على الرغم من عمرها الغض، وكانت مؤمنة أكثر بعزلتها الاختيارية، حاملة في قلبها أميرها وبعض الذي دار بينهما، في رواية تعتمد على آلية التداخل بين الأزمنة، مازجة بين الرومانتيكي والواقعي في بنية سردية متجانسة.