بطاقة الرواية الوحيدة
بقلم: كه يلان مُحَمَد
لا يزالُ الجدلُ قائماً بشأنِ تأثير الكُتاب وحضورهم هل الأمر يعتمدُ على كمية ما يقدمونهُ من الأعمال والمؤلفات التي قد تُحقق لهم التواجدَ في الأوساط الثقافية تُزيدُ عدد مُتابعيهم؟ لكن إلى أي مدىً يستمر هذا الحضور الفكري والأدبي هل يمتدُ إلى الأجيال القادمة ويكتسبُ هؤلاءُ الأدباء والمشتغلون في المجال الفكري قراءَهم في الأزمنة اللاحقة بفعل غزارة نتاجاتهم وتشعب المواضيع التي تناولتها إصداراتهم المُتتالية والرغبة في مواكبة اللحظة؟ أم أن كل ذلك لا يكون له دور إلا في منح الكُتاب نجومية مؤقتة تخبو مع مضي الزمن وينتهي المجدُ مع تعاقب الأجيال؟
هذا يعني أنَّ الكم لا يوفر الفرصة للدخول إلى نادي المشاهير إنما قد يفتحُ عملُ وحيد الباب على مصراعيه بوجه صاحبه وإنْ كان في عصره غير مقروءٍ أو مطارداً إذ ذاق كثير من المُبدعين مرارة هذه التجربة أمثال بودلير وأرثر رامبو وماركيز دي ساد وغيرهم حيث صادروا مؤلفاتهم وبدأت آلة الدعاية بتلطيخ صورتهم في ذهن الجماهير، لكن لم يحول التشددُ ولا قلة الإنتاج دون ظهور النبوغ الإبداعي على مدار التاريخ.
هاجس الخلود
فكانت بعض المؤلفات إنطلاقة لمرحلة جديدة من المسيرة الإبداعية وملهمة لصياغة أساليب جديدة، وإرهاصاً لأفكار حديثة. هذا الموضوع يستدعي الإشارة إلى حالة أخرى، وهي اقتران اسم المؤلف بعمل وحيد من بين كل ما نشره حيثُ لا يُمكنُ الحديث عن فيكتور هوغو دون ذكر رواية "البؤساء" التي حجبت شاعرية من أراد تصوير جحيم الأرض في عمله الروائي.
كذلك الأمر بالنسبة لنيكولاي غوغول الذي صار "المعطف" ملازماً لاسمه كما "الأيام" أصبح عنواناً لطه حسين و"النبي" علامةً لجبران خليل جبران. و"الخميائي" رصيداً لباولوكويلو. أكثر من ذلك تمكن نفر من الكُتاب من الصعود نحو منصة الشهرة بإصدار باكورة أعمالهم ولكن لم يفلحوا في الحفاظ على زخم البدايات.
هذا ينسحبُ على مُعظم الروائيين الذين ينساقون وراء مُتطلبات السوق مثل الأفلام السينمائية التي تأتي مطابقة لمحددات شباك التذاكر وما تستخلصُ إليه من خلال ما ذكر آنفاً أنَّ مسألة قدرة الكاتب على الحضور وعدم تقيد أعماله بعصر معينْ لا يحددها تراكم الإصدارات بقدر ما أن نوعية العمل وراهنيته المتجددة عنصر أساسي في تداوله على امتداد العصور.
يقولُ الروائي التركي أورهان باموك في سياق حديثه حول خلود المؤلفين "ربما خمسة كتب مكتوبة اليوم سوف تُقرأُ بعد مئتي سنة" إذاً فإنَّ النسيان سيطوي عددا كبيراً من العناوين غير أنَّ السرَ وراء إستمرار الكُتاب يكمن في أملهم بأن يكونوا من القلة التي لا تغادرُ المسرح، ولولا شعور بأن مصير العالم متعلق بما يكتبون لتوقفت عطاءاتهم كما صرح بذلك الكاتب والروائي سعد محمد رحيم.
الإستثناء
قد تُدرَكُ قيمة الأعمال الأدبية متأخراً، ولا يتمُ الإنتباه إلى خصوصياتها إلا بعد مضي حين من الدهر ولكن بمجرد إكتشافها سيظلُ أثرها مفتوحاً وعميقاً ويعالجها النُقاد بالإمعان والتروي.
هناك نماذج من المبدعين كان يكفيهم عمل واحد للإبانة عن تميزهم في المضمار الأدبي والتفوق على من سبقهم في الصنعة وما يلفتُ النظر أن قسماً من المزاولين في المجال الإبداعي كانت بدايتهم مرتبطةً بنوع أدبي معين وما أن يصدر لهم مُؤَلف في نوع أدبي مُختلف حتى تغيبُ لدى المُتابعين الأشكال الإبداعية الأخرى في أرصدة إبداعاتهم الأمر الذي ينطبقُ على الكاتب الروسي مخيائيل ليرمنتوف الذي عرف بوصفه شاعراً في الوسط الأدبي لكن روايته "بطل من هذا الزمان" قد كشفت ألمعيته على مستوى آخر إذ يضرب ببطلها "بتشورين" مثالاً لمرحلة إنتقالية مُتسمة بالضبابية في الأفكار والإتجاهات ينتظرُ فيها روسيا مستقبلُ لم تزل ملامحه غائمةً. وفي هذا لا يختلف بوريس باسترناك كثيراً عن مواطنه إذ بدأ صاحب "دكتور جيفاكو" شاعراً قبل أن يُعَمَد في صفوف الروائيين الكبار عقب إصدار روايته الوحيدة التي نُقلت إلى شاشة السينما وأثارت ردود فعل مُتباينة بين من اعتقد بأنَّ هذا العمل تَمَّ تضخيمه روجت له أجهزة المُخابرات الرأسمالية إلى أن رشح صاحبه لنيل جائزة نوبل مُكافأةً لإنتقاده اللاذع لثورة أكتوبر (الروسية).
لكن أياً كان المُوقف فإنَّ صخب المُساجلات لا تُحجب القيمة الفنية لهذا العمل الملحمي الذي يضمُ ثيمات الحُب والفراق والثورة فضلاً عن رصده لتظاهرات سياسية. وعندما يدور الكلام حول أدب أميركا اللاتينية يصعبُ عليك القفز على رواية "بيدرو بارامو" للكاتب المكسيكي خوان رولفو الذي لم يكمل عمله الثاني "سلسلة الجبال" وحينَ سُئل عن السبب فكان جوابهُ "أكتب عندما تأتيني الهوايةُ، فإذا لم تأت لا أكتبُ" تضجُ بيدروا بارامو بشخصيات وأحداث كثيرة وتنطوي على عناصر فنتازية إذ يستحضر الكاتب شخصياته من عالم الأموات يتحاورن مع الباحث عن أبيه الذي تحملُ الرواية اسْمَهُ. يتفقُ جمعُ من النقاد على أن رواية خوان رولفو الوحيدة ألقت بظلالها على جيل من الكتاب الواعدين في أميركا اللاتينية.
ظهور مُتأَخِر
قد تُدرَكُ قيمة الأعمال الأدبية متأخراً، ولا يتمُ الإنتباه إلى خصوصياتها إلا بعد مضي حين من الدهر ولكن بمجرد إكتشافها سيظلُ أثرها مفتوحاً وعميقاً ويعالجها النُقاد بالإمعان والتروي من الأعمال التي لم تحظَ باهتمام على المستوي المطلوب هي "الرواية الملعونة" للشاعرة السورية أمل جراح فهي ألفت عملها الروائي سنة 1967 وبقيت قيد الكتمان إلى أن عثرت عليها بين أوراقها بعد رحيل صاحبتها في 2004 علماً أنَّ "الرواية الملعونة" فازت بجائزة مجلة الحسناء من دون أن يشفع لها هذا التكريم بالخروج من الُعتْمة في ذاك الوقت.
تتميزُ أمل جراح في مُقاربة موضوع في غاية الحساسية وهو الحب المحرم بين الابنة والأب لكن لم ينزلق الأُسلوبُ نحو مطب الإبتذال بل يراقب المُتلقي تهويمات حنان وانفعالاتها النفسية وفورانها الداخلي دون أن يلتقط ما يؤكدُ خروج مشاعر البطل من طبيعتها الأبوية، وهذا يُحسبُ للكاتبة التي تضعُ القاريء أمام مواقف تتطلب عدم الإستعجال في إصدار الأحكام وإسقاط ما يتبلور لديه من التصورات على التركيب النفسي للبطل، وما يتلفظ به من العبارات التي تنمُ عن الإعجاب. لقد سبقت الكاتبة السورية عصرها بِمُعالجتها لثيمة لا تزال حديثة في السرديات العربية.
ويذكر في هذا الإطار أن ثمة كتاباً ما صدر لهم إلا عمل روائي وحيد إذ نشر عباس محمود العقاد "سارة "، وتوفيق الصايغ "اللعبة"، ومحمود أحمد السيد "جلال خالد", كل هذه العناوين تحتفظُ بقيمتها التاريخية. يتخذُ هذا الموضوع مزيدا من الأهمية في وقتٍ لاحظ الجميعُ تصاعد مد الإصدارات الأدبية خصوصاً الرواية، ما يحتمُ طرح سؤال أساسي هل تؤسس هذه الفورة الروائية لمرحلة جديدة في المدونة السردية؟