"بعد الرحيل" فانتازيا الشوق والحنين

رواية ريك إنكورفيا التي ترجمتها ربى أبوعلي من الإنجليزية إلى العربية تنتمي إلى أدب الفانتازيا، إذ تتجاوز تفاصيلُها الواقعَ لتنسج قصة خيالية لا تنتمي إلى المألوف من يومياتنا.


سلسلة من عمليات التقمص التي ينتقل خلال روبرت في أجساد مجموعة من الحيوانات والحشرات


الرواية تقدم في كل فصل من فصولها رسالة محفزة للفكر فيتردد صداها لوقت طويل

عمان ـ تنتمي رواية الأميركي ريك إنكورفيا «بعد الرحيل»، التي ترجمتها د. ربى أبوعلي من اللغة الإنجليزية إلى العربية، إلى أدب الفانتازيا، إذ تتجاوز تفاصيلُها الواقعَ لتنسج قصة خيالية لا تنتمي إلى المألوف من يومياتنا.
وفيها، يحاول البطل «روبرت» الذي رحل إلى العالم الآخر بعد ثلاثين عاما من زواجه، التواصل مع زوجته «ماريا»، فتقوده هذه المحاولة إلى سلسلة من عمليات التقمص التي ينتقل خلالها في أجساد مجموعة من الحيوانات والحشرات، بدءًا بكلبته «ميرفي» ذات الأعوام الثمانية، قبل أن يتحول إلى أنواع متعددة من الكائنات الحية التي تشمل النمل والسناجب والحيوانات المتوحشة والطيور، ثم يقف على مفترق طرق في الاختيار بين المضيّ بخبرات التحول هذه، أو العودة إلى حيث زوجته كي يكون الحارس الوفيّ لذكراهما.
وجاءت الرواية الصادرة عن «الآن ناشرون وموزعون» في الأردن في 102 صفحة من القطع المتوسط، وهي رواية موجهة لليافعين، رغم أنها تفتح بحبكتها وأسلوب السرد فيها مجالًا للراشدين أيضا للاندماج في الحكاية واستلهام الرسالة التي تقدمها لقارئها.
وترى الدكتورة ربى أبوعلي أنّ «الأدب العالمي زاخر بالدّرر التي تستحق سبر غورها وترجمتها إلى العربية»، وهي تتمنى «أن تكون الترجمات جميعها - وليس ما أُترجم فقط - حصيلة شغف وإخلاص وحب، حتى نرى الآخَر ونفهمه لكنْ بلغتنا العربية. وأتوق إلى أن ترتقي الترجمةُ العربية بذائقة القراء، بعيدًا عن الترجمات التجارية التي قد تكون ركيكة في بعض الأحيان - للأسف». 
وتؤكد في ما يخص لغتنا العربية أن «لغتنا الأم منجم ثريّ وله مكامِن جَمال تستحق أن نتشبث بها، ونعيد أبناءَنا والأجيال اليافعة إلى القراءة بالعربية والاعتزاز بها».
ويصف بطل الرواية حياته تحت الماء حين تحول إلى سمكة ذهبية كبيرة: «كان هناك ما هو غيرُ طبيعيّ في الاستنشاق والتنفس تحت الماء، لم تكن لزعانفي كفاءةُ أجنحتي كيعسوب، نظر إليّ الكثيرُ من الأسماك وكأنني كائن فضائي. آخرون كانوا أكثر لينًا، أَوْمَؤوا إليّ وكأنهم كانوا بشرًا مثلي في سالف الأيام، وكنتُ من أكبر الأسماك في البحيرة، لكنني لم أستطع رؤية شكلي، واسترجعتُ من ذاكرة اليعسوب خاصتي كيف كنت أبدو كسمكة؛ كنت حمراء وصفراء، ذات نقش برتقالي وأحمر على الزعانف والذيل».
ويتكلم في مقطع آخر على لسان نملة قائلًا: «أبهرَني ديْدنُ المجموعة الّذي يقضي بأنّ (الواحد للجميع، والجميع من أجل الفرد)؛ لقد كان حسُّ الالتزام والتفاني لدى النّمل يفوق نظيره البشريّ، وتسلقتُ شبكة مصنوعة بالكامل من أجسام النّمل، وعبَرتُ جسرًا شيّدتْه النملُ بأجسادها، لم يكن شيءٌ ليثنيَهُم عن إيصال هداياهم إلى الملكة، واضطلعتْ كلّ نملة بدور محدّد، ولم يكن ثمّة هواتف خلويّة أو أبراج اتّصالات، كما لم يكن هناك اتصالٌ عبر الإذاعة أو دعم جويّ، حدث كل شيء بانضباط لا تشوبه شائبة».
ويصف مشاعره بعد رحلة طويلة تمكن في نهايتها، وهو في جسد نقار خشب، من إيصال مشاعره لزوجته قائلًا: «أومأتُ برأسي كي أؤكد لها أنني مَن تظن، انسابت عندئذ الدموعُ على وجنتيها، وغطّت فمها بإحدى يديها، بينما ندتْ عنها شهقة مفاجئة، وضغطتْ بيدها الأخرى على زجاج النافذة الداخليّ. وليت بمقدوري وضعُ يدي على الجهة المقابلة من الزجاج كي تلمسَ يدَها، ولكنني اضطررتُ إلى الاكتفاء بوضع جانبِ وجهي بمحاذاة النافذة. «افتقدتكَ كثيرًا..» همستْ بصوت لا يكاد يُسمع».
وهكذا تقدم الرواية في كل فصل من فصولها رسالة محفزة للفكر فيتردد صداها لوقت طويل، وتحقق رؤية كاتبها ريك إنكورفيا الذي يخاطب القارئ قائلًا: «هنا أستحضرُ والدي الذي اعتاد أن يخبرني مذ كنت فتىً يافعًا أنني أستطيع نسجَ أجمل القصص من وحي خيالي. ولمّا كنتُ قد لاحظتُ استمتاعَ الكثيرين بالقصص التي يتفتّق ذهني عنها، كان الوقتُ قد حان لأشاركها مع العالم أجمع. أهلًا بكم في أعمق أركان خيالي وأحلكها».
يذكر أن د. ربى أبوعلي طبيبة استشارية في أمراض الغُدد الصمِّ والسكريّ والأمراض الباطنية، وتمارسُ المهنةَ في عيادتها الخاصّة في عمّان - الأردنّ. 
وهي كذلك مُحرِّرةٌ للعديد من الدوريّات الطّبيّة العالمية المُحكَّمة، فضلًا عن عملها كمراجِعة للأعمال الأدبية المؤلَّفة بالإنجليزية. 
ويُعَدُّ هذا الكتاب ثانيَ أعمالِها في التّرجمة الأدبية من الإنجليزيّة إلى العربيّة، بعد رواية «كتاب المسافر الأكثر مبيعًا» للكاتب نفسه.