بعد تهديد شي: النفط الأميركي للصين بلا نفوذ
تداعيات قمة بكين قد تتواصل لبعض الوقت، لكن ما يجب استيعابه هو أن كل التطورات المقبلة يجب قراءتها في ضوء التهديد غير المسبوق الذي أطلقه الرئيس الصيني، شي جين بينغ "من احتمال نشوب صراع إذا تم إدارة ملف تايوان بشكل خاطئ".
هذا التهديد تلقاه الرئيس الأميركي دونالد ترامب مباشرة أمام محطات التلفزيون، وكل وسائل الإعلام العالمية، دون أن ينبس ببنت شفة، لدرجة استغلها ضده أعضاء الحزب الديمقراطي في واشنطن.. شي قالها بكل هدوء، في تكريس للعودة إلى عالم ثنائي القطبية.
كل التقارير التي تحدثت في المطلق عن نجاح القمة، أو أن ترامب حصل على ما يريده من شي، لم تستوعب مغزى هذا التهديد، حتى تلك التي تحدثت عن صفقات نفط محتملة من الولايات المتحدة إلى الصين، وتمادوا في تفاؤلهم بأن الخطوة هي تحذير لإيران من أن بكين ستتخلى عنهم.
في البداية، تتصف سياسة الصين الخارجية بأنها "عقل بلا قلب"، لا رجاء فيها من أحد أو لأحد، وهذا المفهوم الذي أرساه حكيم الصين، شوين لاي، بحثاً عن مصالح بلاده دون أي رابط آخر.
أما عن إمكانية تحول الولايات المتحدة إلى مورد نفط أساسي للصين، فهذا يتطلب تفكيك المشهد السياسي والاقتصادي لأسواق الطاقة العالمية.
أثناء قمة بكين، ناقش الجانبان زيادة مشتريات الطاقة. وطرحت واشنطن نفط وغاز ولاية ألاسكا كخيار طبيعي وقريب جغرافياً لتزويد الصين، مما قد يجعلها أكبر مشترٍ للنفط الأميركي في الفترة المقبلة وفقاً لتصريحات وزارة الطاقة الأميركية.
ربما تلتقي الرغبة الأميركية في الاستحواذ على حصة أكبر من السوق الصيني مع سياسة بكين لتنويع مصادر الطاقة، إلا أن الخطوة تواجه معطيات استراتيجية ومحددات فنية بالغة التعقيد، تتمثل في:
الأول، الصين تنظر إلى الطاقة كقضية أمن قومي من الدرجة الأولى. الاعتماد على واشنطن، المنافس الاستراتيجي الأول لها، كمورد رئيسي للطاقة يمثل مخاطرة جيوسياسية لن تقبل بها بكين التي تفضل دائماً توزيع المخاطر والحفاظ على تدفقات الطاقة من قوى لا تشاركها عداءً تجارياً أو سياسياً مباشراً.
الثاني، في ذروة تدفق النفط الأميركي إلى الصين عام 2020، لم تكن الحصة الأميركية تتجاوز 4 بالمئة من إجمالي الواردات الصينية بحسب ما ذكره موقع "بلومبرغ". وحتى مع استئناف الشراء وبلوغ كميات قياسية جديدة، فإن القفز فوق حصص دول مثل روسيا أو المملكة العربية السعودية يتطلب ملايين البراميل اليومية الإضافية، وهو أمر يصعب على البنية التحتية للتصدير في أميركا تلبيته بالكامل لصالح عميل واحد.
الثالث، الصين تراقب بدقة كيف استخدمت واشنطن النظام المالي والطاقة كسلاح لعزل دول كبرى. في حال حدوث أي صدام مستقبلي (بشأن تايوان أو بحر الصين الجنوبي)، فإن أول ما ستفعله الولايات المتحدة هو قطع إمدادات النفط عن بكين. بالتالي، ترك الاقتصاد الصيني رهينة لقرارات البيت الأبيض يعادل الانتحار السياسي.
الرابع، النفط الأميركي يتطلب رحلة بحرية طويلة وعبر ممرات يمكن للبحرية الأميركية السيطرة عليها بسهولة. في المقابل، تستثمر الصين مليارات الدولارات في البنية التحتية البرية (خطوط الأنابيب مع روسيا وآسيا الوسطى) لضمان تدفق الطاقة بعيداً عن البحار والمضايق التي تهيمن عليها واشنطن.
الخامس، أن بكين ما زالت تعتبر إيران شريكاً رئيسياً في مجال الطاقة، إذ تحصل منها على ما يزيد عن 30 بالمئة من احتياجاتها النفطية. ومن جانب آخر، ترى أن أزمة الخليج تحمل أيضاً جوانب إيجابية، أبرزها أن انخراط الولايات المتحدة هناك يمنح الصين متنفساً في بحر الصين، فضلاً عن أن أي سيناريو قد يُطبق مستقبلاً في مضيق هرمز، يمكن تكراره لاحقاً في مضيق تايوان.
أما المحددات الفنية، فهي تستند إلى تقارير معهد أكسفورد لدراسات الطاقة، ومعهد أبحاث معالجة البترول (RIPP) حول العقبات التي تمنع النفط الأمريكي من السيطرة على السوق الصيني، وتتمثل في:
الأول، أن أغلب الطفرة النفطية الأميركية القادمة من حوض بيرميان (النفط الصخري) هي من نوع الخام الخفيف. هذا النفط يتميز بكثافة منخفضة ونسبة كبريت ضئيلة جداً.
الثاني، أن المجمعات البتروكيماوية والمصافي العملاقة في الصين، خاصة المصافي الحكومية الكبرى (مثل سينوبك وبتروتشاينا)، جرى تصميمها وبناؤها منذ عقود لتتعامل مع الخامات المتوسطة والثقيلة الحامضة، وهي الخامات التقليدية التي تنتجها السعودية، العراق، إيران، وروسيا.
الثالث، أن المصافي الصينية مصممة لتعظيم إنتاج الديزل والوقود الصناعي والمواد الخام البتروكيماوية التي تدعم قطاع الإنشاءات والتصنيع الثقيل، والنفط الثقيل الغني بالكبريت هو الأنسب لإنتاج هذه المشتقات بكفاءة واقتصادية عالية.
فإذا أرادت الصين الاعتماد بنسبة كبيرة على النفط الأميركي الخفيف، سيتعين عليها إعادة هندسة مصافيها بالكامل بتكلفة تصل إلى مئات المليارات من الدولارات، أو خلطه بكميات ضخمة من النفط الثقيل المستورد من دول أخرى، وهو أمر غير منطقي اقتصادياً طالما أن البديل الجاهز والمناسب يتدفق إليها من الشرق الأوسط وروسيا.
بناءً على ذلك، شراء الصين للنفط الأميركي (حتى وإن سجل أرقاماً قياسية في بعض الفترات بسبب هدنة تجارية أو صفقات مؤقتة) لا يعدو كونه مناورة تجارية تكتيكية، أو استغلالاً لأسعار رخيصة في لحظة معينة، لكنه لن يتحول أبداً إلى اعتماد استراتيجي يهدد أمن بكين القومي أو يتحدى البنية التحتية لمصانعها.
الخلاصة، أن الصين تتعامل مع النفط الأميركي كما تتعامل مع صفقات فول الصويا والذرة والمواشي الأميركية. مجرد أداة لإدارة الفائض التجاري وشراء الوقت السياسي. لا يعكس ارتهاناً استراتيجياً، بل هو "صمام أمان" تستخدمه بكين بذكاء لتقديم تنازلات اقتصادية مريحة لإدارات البيت الأبيض، مع الاحتفاظ بصلابة أمن الطاقة الصيني بعيداً عن أي نفوذ أمريكي حقيقي.
في قمة بكين، خرج ترامب من اجتماعه مع شي، واصفاً إياه بأنه "عظيم" مع نبرة متفائلة. لكنه يدرك تماماً أن فرصته ربما ضاعت لتحقيق هدفه الأول المتمثل في إخضاع الصين.