بغداد تتوعد بمحاسبة المتورطين في اعتداءات على دول الخليج

أي تدهور في العلاقات بين العراق والدول الخليجية لن تكون كلفته سياسية فقط، بل اقتصادية أيضا، خاصة وأن بغداد تعول على الاستثمارات لإنعاش اقتصادها المنهك.

بغداد - وجه رئيس الوزراء العراقي، القائد العام للقوات المسلحة علي الزيدي، اليوم الأربعاء، باتخاذ الإجراءات اللازمة بحق المتورطين حال ثبوت استخدام أراضي البلاد منطلقا للاعتداء على السعودية والإمارات. وبقدر ما تعتبر هذه الخطوة مهمة بقدر ما تثير تساؤلات عن قدرة بغداد على لجم الميليشيات الموالية لطهران وحصر السلاح بيد الدولة.

وسبق أن فتحت السلطات العراقية تحقيقات وتوعدت بمحاسبة المتورطين في هجمات استهدفت القوات والمصالح الأميركية واعتداءات متكررة على إقليم كردستان العراق، لكن دون تحقيق أن نتائج ملموسة.
وكانت الهجمات التي تعرضت لها بعض الدول الخليجية في مقدمتها الإمارات وتأكد انطلاقها من الساحة العراقية، قد أثارت موجة غضب في الخليج، ما يضع بغداد أمام خيارين لا ثالث لهما إما كبح جماح الميليشيات المسلحة الموالية لإيران وحماية علاقاتها ومصالحها الاقتصادية والسياسية أو تصدع علاقاتها مع جوارها الخليجي، ما يهددها بعزلة إقليمية وتراجع فرص التعاون مع دول الخليج التي تنظر بقلق متزايد إلى تحول العراق إلى منصة تهديد لأمنها.

وتعكس ردود الفعل الخليجية حجم القلق من استمرار الهجمات، إذ لم تكتف الرياض وأبوظبي بإدانة الهجمات، بل حملتا بغداد مسؤولية منع استخدام أراضيها منطلقا للاعتداءات، بينما شدد الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي على أن الضربات تمثل "انتهاكا صارخا للأمن والاستقرار في المنطقة"، في رسالة سياسية تعكس نفاد الصبر الخليجي تجاه تكرار هذه الحوادث.

ورغم تأكيد الحكومة العراقية أنها لم ترصد عمليات إطلاق للطائرات المسيّرة عبر منظومات الدفاع الجوي، وإصرارها على أن العراق ينأى بنفسه عن الصراعات الإقليمية، إلا أن هذه التطمينات لا تبدو كافية لاحتواء الغضب الخليجي، خصوصا مع تصاعد الشكوك بشأن قدرة بغداد الفعلية على ضبط الفصائل المسلحة الموالية لطهران وحصر السلاح بيد الدولة.

ويبدو أن الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بالهجمات الأخيرة، بل ترتبط أيضا بصورة الدولة العراقية ومستقبل علاقاتها الإقليمية، إذ تخشى العواصم الخليجية من أن يؤدي استمرار انفلات السلاح إلى تكريس العراق كساحة نفوذ إيراني مفتوحة، وهو ما قد يدفع تلك الدول إلى إعادة النظر في مستوى تعاونها الاقتصادي مع العراق.

كما أن التلويح السعودي بحق الرد يحمل دلالات تتجاوز البعد العسكري، إذ يمثل ضغطا دبلوماسيا مباشرا على حكومة الزيدي لدفعها نحو اتخاذ خطوات أكثر صرامة تجاه الفصائل المسلحة، خاصة أن الرياض وأبوظبي قد تعتبران أي تحقيقات عراقية غير حاسمة محاولة لكسب الوقت أو التهرب من معالجة جوهر الأزمة.

وتزداد الضغوط على بغداد في ظل تقارير تتحدث عن احتمال تورط فصائل مرتبطة بإيران في تنفيذ الهجمات، وسط أجواء مشحونة عقب تقاير أشارت إلى قصف سعودي استهدف مواقع لفصائل عراقية، وهو ما دفع بعض الأوساط المقربة من تلك الجماعات إلى الحديث عن "رد انتقامي"، الأمر الذي يضع حكومة الزيدي في قلب مواجهة إقليمية معقدة تتشابك فيها الحسابات الإيرانية والخليجية والأميركية.

وفي موازاة ذلك، تدرك حكومة الزيدي أن أي تدهور في العلاقات مع الخليج لن تكون كلفته سياسية فقط، بل اقتصادية أيضا، خصوصا أن العراق يعول على الاستثمارات الخليجية لإنعاش اقتصاده المنهك وتقليل اعتماده على إيران.

كما أن استمرار التوتر قد يهدد مساعي بغداد لتقديم نفسها كشريك عربي موثوق قادر على تحقيق التوازن في علاقاتها الخارجية، وهي صورة يسعى الزيدي إلى ترسيخها منذ تسلمه السلطة.

ويرى مراقبون أن نجاح حكومة الزيدي في تجاوز هذا الاختبار سيتوقف على مدى استعدادها للانتقال من الخطاب السياسي إلى الإجراءات العملية، عبر فرض سلطة الدولة على الفصائل المسلحة ومنع استخدام الأراضي العراقية في أي هجمات إقليمية، لأن الاكتفاء برسائل التهدئة قد لا يكون كافيا هذه المرة لاحتواء الغضب الخليجي المتصاعد.

وفي المقابل، لا تبدو دول الخليج راغبة في الذهاب نحو قطيعة كاملة مع بغداد، إدراكا منها لأهميتها في معادلات الأمن الإقليمي، إلا أنها قد تكثف الضغط عليها عبر تشديد لهجتها السياسية وربط التعاون الاقتصادي والأمني بمدى قدرة الحكومة العراقية على كبح الجماعات المسلحة وإثبات أن قرار الحرب والسلم بات فعلا بيد الدولة العراقية وحدها.