بغداد تطالب أوبك بزيادة صادراتها النفطية
بغداد - طالب رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني، منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك) بإعادة تقييم حصة العراق من صادرات النفط، مشدداً على أن الحصة الحالية لا تعكس الاحتياطي النفطي الضخم الذي يمتلكه العراق، ولا تتناسب مع قدراته الإنتاجية وعدد سكانه.
وخلال افتتاحه فعاليات منتدى بغداد الدولي للطاقة، الذي شهد حضور الأمين العام لمنظمة أوبك هيثم الغيص، إلى جانب عدد من ممثلي شركات ومؤسسات طاقة دولية، أوضح السوداني أن العراق يحتل موقعاً متقدماً بين دول العالم من حيث احتياطات النفط، والتي تُقدّر بنحو 150 مليار برميل، تكفي لتزويد الأسواق لأكثر من قرن.
وفي كلمته أمام المنتدى، لفت السوداني إلى أن الواقع الإنتاجي للعراق وقدرته على التصدير لا ينعكسان بدقة في الحصة الممنوحة له من قبل المنظمة مضيفا "نأمل أن تتعامل أوبك مع هذا الواقع بمرونة، وأن تراجع حصة العراق التصديرية وفقاً لمؤشرات الطاقة الوطنية الفعلية".
وتأتي هذه المطالبات في ظل سعي العراق لاستعادة عافيته الاقتصادية بعد سنوات من الحروب والأزمات، إذ تمثل زيادة صادرات النفط مدخلاً حيوياً لتعزيز إيرادات الدولة، وتوفير التمويل اللازم لخطط الإعمار والتنمية.
وبحسب بيانات شركة تسويق النفط العراقية (سومو)، فإن معدل التصدير اليومي للنفط الخام خلال الشهر الحالي يتراوح بين 3.4 و3.45 مليون برميل، وهو رقم يتجاوز الحصة الرسمية المسموح بها بموجب اتفاق "أوبك+"، ما يعكس صعوبة التزام العراق بهذه القيود وسط ضغوط اقتصادية داخلية متزايدة.
ورغم انخفاض أسعار النفط العالمية بنسبة قاربت 10 في المائة منذ بداية العام، نجح العراق في رفع حجم صادراته بنسبة 6 في المائة خلال يوليو/تموز الماضي، لتصل إلى 104.75 مليون برميل، في مؤشر واضح على قدرة البلاد على زيادة الإنتاج عندما تسمح الظروف.
وفي المقابل، وافقت مجموعة "أوبك+" الشهر الماضي على رفع الإمدادات بمقدار 547 ألف برميل يومياً خلال سبتمبر، ضمن خطة لإعادة نحو 2.2 مليون برميل يومياً من الطاقة الإنتاجية التي تم تجميدها منذ عام 2023. ورغم هذه الخطوة، تبقى 1.66 مليون برميل يومياً من الإمدادات معلقة حتى نهاية عام 2026، ما يفتح الباب أمام مطالبات دول مثل العراق بإعادة النظر في الحصص المتفق عليها.
ولم يكتف السوداني بالمطالبة بزيادة الحصة، بل قدّم عرضاً متكاملاً لخطط العراق في قطاع الطاقة، مؤكدًا أن الحكومة تعمل على تطوير البنية التحتية النفطية وتوسيع المصافي الحالية. وكشف عن بدء التشغيل الكامل لمصفى كربلاء، وطرح 6 فرص استثمارية جديدة في قطاع التكرير، في إطار خطة لرفع حصة المشتقات النفطية إلى 40 في المائة من إجمالي الصادرات بحلول عام 2030.
وشدد على أن العراق منفتح تماماً أمام الاستثمارات الأجنبية، خصوصاً من الشركات الكبرى، مع تعهدات بتقديم تسهيلات واسعة للمستثمرين في مجالات التنقيب والإنتاج والتكرير.
في إطار تنويع الخيارات، أشار السوداني إلى أن الحكومة تعمل على إعادة تفعيل خط التصدير العراقي-السوري كأحد المسارات البديلة لتصدير النفط، إلى جانب مشروع إنشاء خط أنابيب يمتد من البصرة إلى حديثة.
كما لفت إلى أهمية مشروع "طريق التنمية" الاستراتيجي، الذي يُفترض أن يشكّل ممراً محورياً لنقل النفط والغاز من الخليج إلى أوروبا عبر تركيا، ما يعزز من موقع العراق كمركز عبور إقليمي للطاقة.
وفي انعكاس لتغيرات السياسات العالمية، أبدى رئيس الوزراء التزام العراق بالمعايير البيئية، مشيراً إلى أن بلاده أحرزت تقدماً في تقليل حرق الغاز المصاحب، حيث تم الاستفادة من أكثر من 1300 مليون قدم مكعب قياسي، ما يمثل أكثر من 70 في المائة من إجمالي الغاز الذي كان يُهدر سابقاً، مع هدف واضح لإنهاء الحرق بالكامل خلال عامين.
وفي ختام كلمته، شدد السوداني على أهمية الدور الاجتماعي لشركات النفط، داعيًا إياها إلى الانخراط الفعلي في تنمية المجتمعات المحلية وتحسين بيئة العمل، بما يعزز من الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.
وتعكس تحركات الحكومة العراقية في ملف الطاقة، بدءًا من مطالبة "أوبك" بإعادة التقييم، وصولاً إلى تقديم مشاريع استثمارية واستراتيجية كبرى، رغبة واضحة في ترسيخ مكانة العراق كفاعل رئيسي في سوق الطاقة العالمي. كما تسعى بغداد إلى بناء شراكات تقوم على المصالح المشتركة، بعيداً عن الأطر التقليدية، من خلال نهج أكثر استدامة وشمولية يربط بين الاقتصاد، والطاقة، والتنمية، والبيئة.
وبهذا التوجه، يخطو العراق خطوات متقدمة نحو استعادة دوره المحوري في خريطة الطاقة، ليس فقط كمصدر للنفط، بل كمنصة متكاملة للتنمية الإقليمية.