'بلا عزاء'.. جرأة لغوية وشعرية تنال من الواقع

التكنولوجيا لعبت دوراً كبيراً في وحدتنا

من ازدحامٍ شديدٍ بالوجوه والأنفاس في مدنٍ واسعة وشاهقة بمبانيها ومنشآتها المتطورة، تعاني الشاعرة الإماراتية فاطمة سلطان المزروعي لتكتب معاناتها شعراً تجمعه في ديوانٍ واحد أسمته "بلا عزاء" صدر عن مشروع "قلم" في هيئة أبوظبي للثقافة والتراث.

وفاطمة التي سبق وكتبت إلى جانب الشعر القصة والرواية والمسرح والسيناريو والمقالة، كتبت في ديوانها "23" قصيدةً شعرية تحدّثت من خلالها عن مشاعر تسكنها مليئة بالوحدة والكآبة.

حمل الديوان عنوان قصيدة كتبتها، وفي إحدى مقاطعها، قالت:

عندما يختلط كل شيء

الضوء

ونوافذ بيتي

أعرف بأني والصمت فحسب

بلا عزاء.

عبّرت المزروعي عن معاناتها بكل صراحة، فكتبت القصائد والمقطوعات الشعرية الموجودة، على طريقة الشعر الحديث الذي هو أساساً جاء خارجاً عن المألوف وكاسراً كل تقاليد الكتابة الكلاسيكية القديمة. وتميزت قصائد الديوان بقصرها غالباً، حيث وصفت وشرحت بإيجازٍ فني ما تحسه وما تشعر به في عالمٍ أكّدت في أكثر من قصيدة على أنها وحيدةً فيه.

وكان عنوان القصيدة الأولى من الديوان هو "وحدها"، وجاء فيها:

باحثة عن وجه/ تمضي في شوارع المدينة العمياء / حيث../ حيث لا وجوه / ولا شفاه / ولا أحد / حيث لا برق يضرب حديد القلوب / ولا زجاج يجرح الأرجل المشتاقة للدماء / حيث وحدها تمضي / هي روحي المريضة / هي وحدها.

وللعزلة الحياتية التي تحدّث الديوان عنها، أسبابها كما شرحت للميدل إيست أونلاين فاطمة سلطان المزروعي، حيث قالت: أنا لا أتحدث عن تجربة خاصة تماماً، إنما هي خليط بين الخاص والعام. هي حياتنا اليومية التي تقبع وراء عزلة الإنسان الحي. فيومياً نحن نعيش في جوٍّ روتيني، نقابل الوجوه ذاتها، المشاكل ذاتها، حتى الضجيج والازدحام هو ذاته كل يوم. لذا فإنّ العزلة صارت شبيهة بالخيار الإجباري لكلّ واحدٍ منا. إلى جانب أدوات الحياة التي اختلفت عما مضى، فالتكنولوجيا لعبت دوراً كبيراً في وحدتنا.

إذاً لم تعد هذه الحالة التي تعاني منها شاعرتنا، حالة خاصة بها وحدها. لقد غدت حالة عامة تعاني منها مجتمعاتنا العربية كلها. نتيجةً للظروف الاقتصادية والاجتماعية الراهنة، ونتيجةً أساسية للغزو التكنولوجي الذي بات هو محور حياتنا اليومية. حيث أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بديلاً زائفاً وحاضراً بكل قوة، استبدلنا به علاقاتنا على أرض الواقع حيث الحقيقة، بأخرى مزيفة وباردة بكل تفاصيلها.

وأما الموت الذي تأتي به القنوات الإخبارية عبر شاشة التلفاز يومياً منذ اختراعه، فهو بات جزءاً لا يتجزّأ من التفاصيل الصغيرة والكبيرة التي نعيشها. وهنا تحكي فاطمة المزروعي عن هذه الحالة اللا إنسانية بفائضٍ من إنسانيتها هي، حيث تعتبر نفسها أماً تتألّم للطفولة التي تقتل وتستباح يومياً في حين أن هناك من لا يهتم للموضوع لا من قريب ولا من بعيد.

وفي قصيدتها "الرابعة فجراً" تصور هذه الفكرة فتقول:

الساعة تجاوزت الرابعة فجراً

وما زال التلفاز يبث الموت بين فواصل الإعلانات

والأطفال يموتون في صورٍ ملونة

أطفالي الرائعون

أنا أمكم المولودة في العتمة

وفي قصيدة أخرى عنوانها "الثلاثون" تشير المزروعي وبكل جرأة، إلى مخاوف المرأة في أيّ مكانٍ من العالم من التقدّم بالسنّ. إنها اعترافات خطيرة لا تجرؤ كثيرات من النساء على الاعتراف بها، إمّا لاحتياطات اجتماعية حيث الأعراف في بعض الأماكن قد تمنع من البوح بهكذا آلام. وإما للبقاء على قيد الثقة بالنفس محاولاتٍ عدم الاعتراف برحيل مرحلة الشباب من حياتهن.

وجاء في القصيدة:

على مشارف الثلاثين

أحسست بأنني لم أعد..

لم أعد أنثى

وإن الشمس سوف تغيب للأبد عن ..

عن حقول جسدي.

ويبقى الحبّ موجوداً رغم كل الآلام في الحياة. هو حبٌ بنكهة الألم والأمل. ومرة أخرى وبكل جرأة تحكي المزروعي عنه ضمن حالة إبداعية تتخلّص من كل القيود الاجتماعية المحيطة. فتنطق وتعترف بكل ثقة وبرومانسية متعبة في قصيدتها "حبٌ صامت". وكانت الجرأة أعلى بكثير في القصيدة التي تتبعها مباشرةً في الديوان وعنوانها "خوف"، وصفت فيها الشاعرة المزروعي حالة النزوح نحو حضن الأم للحصول على الأمان، يشوبها قليلٌ من الخوف والقلق ناتج عن اختلاف بالرأي بين الأجيال نلمحه بين السطور، لكنه ينمّ عن تصالح قويّ بالنفس. وأما كلمات قصيدة "خوف" فهي:

عانقيني يا أمي

فأحشائي ممزقة بوحدتي

وبأشياء أخرى

أخاف أن أقولها

لئلا أفقدك

وهنا تشير المزروعي إلى أنها وأثناء كتابة هذا الديوان، اعترتها حالة من الحنين إلى الطفولة جعلتها تحكي كثيراً عن الحاجة إلى الأم، إلى الجدة، الشيء الذي لا نفعله غالباً ونحن كبار. إلى جانب أن الخوف والحاجة إلى أشخاص قريبين منك في مشاكلك ومصاعبك، يجعلك تنادي أقرب الأشخاص لك ولا يوجد أقرب من الأم إلى قلوبنا.

وأما عن الأسباب التي دفعت المزروعي لكتابة الشعر الحديث، تقول: في شعر النثر مفردات لها جمالية فائقة أستطيع أن أعبر من خلالها عن ذاتي وعن كل المشاعر الخاصة بي. لذا لجأت إليه. في هذا النوع من الشعر أترجم الحالات التي أعيشها بكل سهولة.