بوادر أزمة دبلوماسية بين فرنسا وإسرائيل
باريس/القدس - أثار توقيف الشرطة الإسرائيلية لعنصرين من الدرك الفرنسي المكلف بحراسة كنيسة "باتر نوستر" (إليونة) التي تمتلكها وتديرها باريس في القدس الشرقية المحتلة، أزمة دبلوماسية بين فرنسا وإسرائيل، بينما احتجت باريس على الحادثة التي تزامنت مع زيارة وزير خارجيتها جان نويل بارو إلى تل أبيب، فيما وصف مسؤولون فرنسيون الواقعة بأنها "استفزازية".
وأدانت رئيسة الجمعية الوطنية الفرنسية (الغرفة الأولى للبرلمان) يائيل براون بيفيه في منشور عبر منصة "إكس" اليوم الجمعة الحادثة، مشيرة إلى أنها "وقعت في وقت تعمل فيه فرنسا على تهدئة الأوضاع بالمنطقة"، متابعة "أردت أن أعبر عن سخطي لنظيري الإسرائيلي".
بدوره، وصف رئيس لجنة الشؤون الخارجية والدفاع والقوات المسلحة بمجلس الشيوخ الفرنسي (الغرفة الثانية للبرلمان) سيدريك بيرين، توقيف الشرطة الإسرائيلية عنصري درك فرنسيين يتمتعان بوضع دبلوماسي بأنه أمر "غير مقبول" وقال في منشور عبر منصة إكس إن مثل هذه الممارسات غير قانونية وتؤدي إلى تأجيج التوترات.
وعبّر عن تضامنه مع الموظفين الفرنسيين اللذين تعرضا للتوقيف ومع وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، مؤكدا أنه سيطلب من السفير الإسرائيلي لدى باريس توضيحات بشأن الحادثة خلال لقاء بينهما الأسبوع المقبل.
وفي سياق متصل، وصف حزب "فرنسا الأبية" من اليسار الراديكالي، عملية التوقيف التي جرت في مبنى تملكه فرنسا بأنها "استفزاز غير مقبول" وشدد في بيان نشره الجمعة على أنه "لا ينبغي قبول التصرفات المتعجرفة المتكررة التي يقوم بها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ضد فرنسا".
والخميس أوقفت الشرطة الإسرائيلية عنصري أمن فرنسيين بالقدس لفترة قصيرة، وفق ما أفادت به وسائل إعلام عبري، فيما وصف بارو، ما حدث بأنه "تصرف غير مقبول"، وقالت خارجية بلاده إنه سيتم استدعاء السفير الإسرائيلي لدى باريس على خلفية الحادث.
وقالت صحيفة "يديعوت أحرونوت" العبرية الخاصة إن بارو طلب عدم مرافقة عناصر جهاز الأمن الداخلي "الشاباك" له أثناء زيارته كنيسة "باتر نوستر" التي تديرها باريس بمنطقة جبل الزيتون في القدس.
وأضافت أن حراس أمن تابعين للقنصلية الفرنسية بالقدس طالبوا بإبعاد عناصر "الشاباك" عن مرافقة الوزير، لتقوم الشرطة الإسرائيلية بالاعتداء على اثنين من هؤلاء الحراس، واحتجازهما مدة قصيرة قبل أن تطلق سراحهما وعلى إثر الحادثة، ألغى وزير الخارجية الفرنسي زيارته إلى الكنيسة، بحسب الصحيفة ذاتها.
وليس هذا الحادث الأول من نوعه ففي يناير/كانون الثاني 2020، منع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الشرطة الإسرائيلية من مرافقته داخل كنيسة "القديسة حنة" في البلدة القديمة بالقدس، متذرعا بقوانين تاريخية تمنع وجود قوات مسلحة داخل الكنائس الفرنسية.
وخلال الأسابيع الأخيرة، تكرر التلاسن بين ماكرون ومسؤولين إسرائيليين، ففي 6 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، دعا الرئيس الفرنسي إلى وقف تزويد تل أبيب بالأسلحة المستخدمة في غزة ولبنان ضمن جهد أوسع لإيجاد حل سياسي، ما أشعل غضب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي هاجم ماكرون، قائلا "عار عليك".
وخلال محادثة هاتفية مع نتنياهو في اليوم ذاته، أكد ماكرون ضرورة وقف إطلاق النار في غزة ولبنان، مشددا في الوقت ذاته على أن "التزام فرنسا بأمن إسرائيل لا يتزعزع"، لكن رئيس الوزراء الإسرائيلي انتقد الرئيس الفرنسي، وقال إن إسرائيل تتوقع الدعم من فرنسا وليس فرض "قيود" عليها.
ويأتي الغضب في أوساط الحكومة الإسرائيلية من مواقف ماكرون رغم تأكيد الأخير ما اعتبره "حق إسرائيل بالدفاع عن نفسها في ضوء القانون"، ورغم تأكيد الرئاسة الفرنسية أن باريس "ملتزمة بأمن إسرائيل"، وإعلانها "حشد موارد عسكرية بالشرق الأوسط لمواجهة التهديد الإيراني".
وتخضع أربعة مواقع في محيط القدس للملكية والإدارة الفرنسية، هي مجمّع "الإيليونة" إلى جانب قبور السلاطين وكنيسة القديسة حنّة (آن) ودير القديسة مريم للقيامة (القيادة الصليبية القديمة لأبو غوش).
وتعود ملكية "الإيليونة"إلى فرنسا منذ القرن التاسع عشر، ويقع المجمّع في جبل الزيتون في القدس الشرقية التي تحتلّها إسرائيل منذ 1967 وضمّتها إلى أراضيها.
وبني الموقع على ما يسمى مغارة "باتر" حيث يعتقد بحسب التقليد المسيحي أن المسيح قام بتعليم صلاة "أبانا الذي في السماوات" لتلاميذه.
وبنيت كاتدرائية هناك، وهي الآن في حالة خراب، على يد هيلانة، والدة الإمبراطور قسطنطين، في القرن الرابع.
وتم منع وصول المسيحيين اليها لفترة طويلة ثم تم شراء العقار في عام 1856 من قبل أوريلي دي لا تور دوفيرني التي بنت ديرا فوق المغارة. وتبرعت به لفرنسا عام 1874 ويعيش فيه الرهبان الكرمليون منذ عام 1873 تحت الحماية الدبلوماسية الفرنسية.
كما تمتلك فرنسا قبور السلاطين ولطالما اعتبر الموقع بشكل خاطىء أنه قبر ملوك يهودا، لكن على الأرجح يتوافق الموقع مع ضريح هيلين أديابيني، وهي ملكة يهودية من القرن الأول دُفنت مع نحو ثلاثين من الوجهاء.
ويتكون الموقع من درج صخري ضيق يقود إلى حجرات تحت الأرض، لمقابر حجرية تتبعها سراديب تؤدي الى قبور حجرية أخرى ويقع في القدس الشرقية المحتلة أيضا.
وبدأ التنقيب من قبل علماء آثار فرنسيين في عام 1863، وتم شراؤه من قبل الأخوة بيريير، المصرفيين اليهود الفرنسيين، الذين تنازلوا عنه لفرنسا في عام 1886 "للحفاظ عليه من أجل العلم والتبجيل لأبناء إسرائيل المؤمنين" ولا يزال اليهود الارثوذكس المتطرفون يعترضون على حق الملكية هذا ويجتمعون بانتظام أمام البوابة للحصول على حق الدخول والصلاة في هذا الموقع المقدس وأعيد افتتاح المكان في عام 2019 بعد عشر سنوات من العمل الممول من فرنسا.
أما بالنسبة إلى كنيسة القديسة حنّة (آن) فهي تقع في البلدة القديمة في القدس، وبالقرب من باب الإسباط. وشيد المبنى الأصلي، على الطراز الروماني، من قبل الصليبيين في القرن الثاني عشر على الموقع المفترض لمنزل والدي العذراء التي كان اسم أمها حنّة، بجوار بركة "بيت حسدا"، حيث قام المسيح، وفقا للروايات المسيحية، بشفاء رجل مشلول.
وتحولت إلى مدرسة قرآنية بعد سيطرة صلاح الدين الأيوبي على القدس عام 1187، وقد منحها السلطان العثماني لفرنسا عام 1856 لشكر نابليون الثالث على تدخله ضد الروس خلال حرب القرم.
ومنذ عام 1878، تخضع لإدارة "رهبنة الآباء البيض"، وهي مؤسسة تبشيرية في المغرب العربي وإفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، تتولى مهمة الحوار مع الكنائس الشرقية الموجودة في القدس.
وفي 2020، شهدت زيارة ماكرون تدافعا أمام كنيسة القديسة حنّة وقال لشرطي إسرائيلي بالإنكليزية ما مفاده "لا يروق لي ما فعلته أمامي".
ولعلّ الحادثة الأبرز تبقى تلك التي وقعت في 1996 عندما ثار الرئيس الراحل جاك شيراك غضبا أمام أحد الجنود الإسرائيليين بعدما اقترب منه كثيرا خلال مواكبته وصاح فيه بالإنكليزية "هل تريدني أن أعود إلى طائرتي؟"، قبل أن يطلب خروج العسكر من موقع كنيسة القديسة حنّة.
ومن بين الممتلكات الفرنسية دير القديسة مريم للقيامة الذي يبعد نحو عشرة كيلومترات غرب القدس ويقع في قرية أبوغوش العربية المسلمة، وهو موطن للرهبان والراهبات البينديكتيين منذ عام 1976.
وبني مركز القيادة السابق هذا في القرن الثاني عشر بأمر من فرسان الإسبتارية للحجاج الذين يتوقفون هناك قبل التوجه إلى القدس ووهبه السلطان عبد العزيز لفرنسا عام 1873 لتعويض استيلاء اليونانيين الأرثوذكس على كنيسة مار جرجس في اللد.