بوتفليقة يأخذ دواءه وهو مطمئن إلى الفوز.. فماذا عن بن فليس؟

انتهت أغرب حملة انتخابية في التاريخ. هكذا وصفتها وسائل إعلام دولية كثيرة لم تر من هذه الحملة إلا خمسة مرشحين من أصل ستة راحو يجوبون ربوع الجزائر الشاسعة، مطلقين وعودا غير واقعية وأخرى خرافية. وهل هناك عاقل على وجه الأرض حتى يصدق أن ولاية معسكر في غرب الجزائر، التي لا تكاد تنتج سوى البطاطا، ستتحول في حال انتخب بوتفليقة الى كاليفورنيا جديدة، الولاية الأميركية التي يكاد اقتصادها يوازي اقتصادات دول الإتحاد الأوروبي مجتمعة.

المرشح الأبرز في هذه الانتخابات وهو الرئيس بوتفليقة المستعد لخلافة نفسه لم يظهر إلا في مناسبات قليلة وهو يستقبل ضيوفه الأجانب. مرة ليتباهى ويستقوي بهم وسط منافسيه المفترضين، وخاصة خصمه اللدود علي بن فليس. ومرة ليشكو هذا المنافس، الذي ينازعه الحكم، إلى ضيوفه الأجانب فشكاه إلى وزير الخارجية الإسباني، وبدا الأخير متوترا مندهشا، فهذا ليس من الاعراف الدبلوماسية، كيف لرئيس دولة أن يناقش مع ضيفه الأجنبي تفاصيل شأن داخلي، حتى أن هناك من قال إن بوتفليقة، يمكن أن يكون مصابا بالخرف مثلا، فاعتقد ان خوسي مانويل غارسيا-مارغالو مارفيل، واحدا من "فرسانه" الذين يجوبون ربوع البلاد، يشيعون الوعود الوردية بين الناس. وإلا ما تفسير أن يشكو بوتفليقة الذي خبر العمل الدبلوماسي منذ نعومة أظافره، خصمه الجزائري إلى وزير أجنبي؟ ألا توجد في الجزائر محاكم؟

ثم عاد مرة أخرى وشكاه، إلى الأخضر الإبراهمي، الذي هو جزائري صحيح، ولكن منصبه الدولي كمبعوث عربي ودولي للسلام في سوريا لا يسمح إلا بمناقشة أمور تخص الأزمة السورية.

حملة بوتفليقة التي استغلت كل وسائل الدولة المتاحة واغترفت من المال العام وتغذت من المال الفاسد، لم تقدم طيلة ثلاثة اسابيع برنامجا جديا يخرج البلاد من الإفلاس الذي هي عليه، افلاس على جميع المستويات من السياسة الى الاقتصاد والصحة والتعليم والثقافة. وفي النهاية يعرف الجزائريون ان من تسبب في افلاس البلاد ودمرها سياسيا واقتصاديا عبر فضائح فساد لا حصر لها لن يصنع منها "يابان افريقيا" كما ظل عبدالمالك سلال يصدح به خلال التجماعات الانتخابية مستعيرا بذلك مقولة كان يرددها بوتفليقة عندما كان وزيرا للخارجية في سبعينات القرن الماضي، ليس لعيون الجزائريين طبعا، ولكن لاغاضة المغرب. لكن هاهي النتائج معروفة.. الجزائر تقبع خلف المغرب في أغلب التصنيفات الدولية، والمغرب بلا نفط حاله أفضل بكثير من حال الجزائر الغنية بالنفط، وسمعته دوليا أحسن من سمعة الجزائر التي أصبحت تقترب من كوريا الشمالية حيث الرب في السماء والزعيم كيم جونغ أون في الأرض، ومن لا يصفق له بحفاوة يعدم على الفور.

حملة بوتفليقة تبيع الكلام والأوهام ولم تقدم للجزائريين الا وعودا جوفاء. ونزل خطاب من يسمى بفرسان بوتفليقة الذي لا يظهر الا على الشاشة الى مستوى منحط، سب وشتم وتخوين للمقاطعين وللرافضين للعهدة الرابعة. وفي النهاية فان بوتفليقة هو من استقوى واشتكى لدول أجنبية بالدليل القاطع وعلى التلفزيون الرسمي ايضا.

كل شيء جاهز لإعادة انتخاب عبد العزيز بوتفليقة الذي لم يعكر صفو حملته الانتخابية سوى صحته التي منعته من الظهور في ولايات الوطن، إلا عبر صورة أُلتقطت له عندما كان على أفضل حال، وهذا أصلا كذب على الناس لأن بوتفليقة الذي في الصورة الرسمية للحملة الانتخابية ليس هو بوتفليقة الجالس على كرسي متحرك.

في "صباح الخميس المقبل سيتناول بوتفليقة كل أدويته كالمعتاد ثم يشاهد التلفزيون الرسمي" ويستمع إلى تقارير مقربيه: مشاركة واسعة في الانتخابات.. فشل المقاطعون.. "سيصبح بوتفليقة أطول الرؤساء بقاءً في السلطة منذ الاستقلال متفوقا بذلك على رفيق دربه الهواري بومدين".

بوتفليقة اشتكى واستقوى بالخارج، فهل يلجأ خصمه علي بن فليس أيضا إلى الاستقواء بالخارج في معركته ضد التزوير.. وهل ينزل فعلا الى الشارع للتنديد بالتزوير المحتمل والدفاع عن الأصوات التي يقول ان الشعب الجزائري سيمنحه اياها.. نظريا وعدت حملة بن فليس باللجوء الى السيناريو الكيني، حيث عندما يكون بوتفليقة يؤدي اليمين الدستورية الرسمية أمام المجلس الدستوري، يكون بن فليس يؤدي يمينا شعبية موازية في الشارع ليعلن نفسه رئيسا شرعيا للبلاد ويعتصم هو وأنصاره ليلا ونهارا في الساحات والشوارع، تساعدهم في ذلك الأجواء الربيعية، وتصبح الجزائر برئيسين يتنازعان حكم البلاد ويستقوي كلاهما بالخارج.

لكن من يعرفون بن فليس يقولون إنه حتما سيتجرع الهزيمة ويعود إلى بيته في انتظار إنتخابات أخرى.